الفصل 565: في خضمِّ التهافت
لم تُبَع كلُّ البضائع التي جلبها "لينش " من الاتحاد ، لكنَّ أكثر من نصفها قد تصدَّر الأسواق ، مما وجَّه ضربةً قاصمةً لأولئك المتربصين به في "شركة التطوير المشترك " الذين كانوا ينتظرون سقوطه بفارغ الصبر.
كيف لم يستوعبوا الأمر ؟ هل ظنوا حقاً أنَّ سكان "ناغاريل " الأصليين كانوا جميعاً من السذَّج ؟
سرعان ما تحوَّل استياؤهم وشكوكهم إلى دافعٍ للعمل.
فقد انهال سيلٌ من الطلبات من "ناغاريل " عائداً إلى الاتحاد ، مما منح دفعةً قويةً للعمالة المحلية ، وعزَّز الاعتقاد الراسخ بأنَّ "ناغاريل " هي الطريق الأمثل لمستقبل الاتحاد.
وفي هذا التوقيت ، وتحديداً في اليوم الأخير من الأسبوع الأخير من شهر يناير كان موعد انعقاد اجتماع مجلس إدارة "شركة التطوير المشترك ".
أُقيم الاجتماع على متن سفينة سياحية فاخرة تجوب محيط "أميليا " وقد استأجرتها الشركة لمدة ثلاثة أشهر كاملة.
خُصِّص الأسبوع الأول للاجتماعات واللقاءات الاجتماعية ، أما ما تبقى من الرحلة ، فستجوب السفينة "أميليا " قبل أن ترسو في أحد موانئ الاتحاد.
كانت هذه أيضاً ميزةً توفرها الشركة لبعض الموظفين المتميزين ، لا لهم مباشرةً ، بل لعائلاتهم ؛ إذ لا يوجد مديرٌ يسمح لموظفٍ رئيسٍ بالتغيب لثلاثة أشهر ، لذا لم يكن مؤهلاً لهذه المكافأة إلا الموظفون الاستثنائيون حقاً.
لقد أصبحت الرحلة البحرية الفارهة حافزاً قوياً ؛ فالتذكرة الواحدة تكلِّف قرابة 2,000 "سول " وها هي الشركة تمنحها مجاناً لعائلات الموظفين ، وهو أمرٌ يثير الغبطة والحسد بامتياز.
وبصفته عضواً في مجلس الإدارة ، دُعي "لينش " لحضور الاجتماع الربع سنوي الأول للشركة لهذا العام.
وعلى الرغم من أنَّ هذه الاجتماعات تعقد بشكل دوري كل ثلاثة أشهر إلا أنَّ معظم أعضاء مجلس الإدارة كانوا يكتفون لاحقاً بإرسال وكلاء أو ممثلين عنهم. وقِلَّةٌ فقط كانوا يحضرون بأنفسهم ، مكتفين بالتواصل مع الأعضاء الفعليين عند الحاجة لاتخاذ قرارات مصيرية.
لكن ، ولأنَّ هذا هو أول اجتماعٍ واسع النطاق بعد الانطلاق الحقيقي للأعمال ، فقد حضر معظم المساهمين بشخصهم.
"السيد لينش... " بينما كان "لينش " يهمُّ بمغادرة مقصورته متوجهاً إلى الطابق الثالث ، ممسكاً بكأسٍ من النبيذ من صينية أحد النُدُل ، ناداه أحدهم.
التفت مبتسماً ، ووضع الكأس جانباً ، ماداً يده للمصافحة.
"السيد باتريك! "
كان السيد "باتريك " يبدو كأنَّه خرج للتو من القرن الخامس عشر ، بتعبيرٍ جامدٍ نُحت على وجهه ، فإذا ابتسم ، بدت ابتسامته متكلفةً وغير طبيعية ، إذ كان يبدو أكثر ارتياحاً حين لا يبتسم.
كان قد خرج للتو من داخل السفينة ولمح "لينش " فدعاه إليه.
جذب ترحيبهما انتباه الآخرين على سطح السفينة ، وسعى الكثيرون لمقابلة "لينش " أو السيد "باتريك " بالنظر.
بعضهم فشل في ذلك -وإن كان من الصعب ملاحظة الأمر ظاهرياً- بينما نجح آخرون فى تبادل الإيماءات أو رفع كؤوسهم تقديراً.
أفلت "لينش " يد "باتريك " وتناول كلٌّ منهما مشروباً من الصينية ، ثم ابتعدا عن الحشود ليتسنَّى لهما إجراء محادثةٍ خاصة.
"لقد سمعت عمَّا فعلتَه ؛ خطوةٌ جريئةٌ وفعالة. و لقد خففت الكثير من الضغط عن الاقتصاد المحلي. أمرٌ مثير للإعجاب حقاً. "
كان يشير إلى إغراق "لينش " للأسواق بمنتجاته في "ناغاريل ". في هذا العصر ، وداخل الاتحاد تحديداً ، لا شيء يغيب عن أعين الرأسماليين ؛ ليس الكونغرس فحسب ، وبالتأكيد ليس "لينش " الذي لم يحاول إخفاء ذلك أصلاً.
سرعان ما ظهرت تقارير مفصلة -قد تكون أكثر تفصيلاً مما يعلمه "لينش " نفسه- تسرد إنجازاته في تلك الصفقات.
وبغض النظر عن كونه قد استحوذ على مصانع ومواد خامٍ بأسعارٍ زهيدةٍ للغاية ، فإذا ما حسبنا تكلفة الإنتاج فقط مع أسعار المواد الخام في السوق ، والأجور ، والنفقات العامة ، فإنَّ تكلفة تصنيع قدر الحديد المصبوب الواحد تبلغ حوالي 10 إلى 11 "سول ".
ومع استمرار الإنتاج ، ستتوزع تكاليف العمالة على وحداتٍ أكثر ، مما يخفض تكلفة القطعة الواحدة إلى حوالي 9 "سول ".
تكلِّف شحن كل قدرٍ من 3 إلى 4 "سول " وبإضافة تكاليف العمالة المحلية والتخزين في "ناغاريل " تصل التكلفة الإجمالية للقدر الواحد إلى حوالي 15 "سول ".
لكنَّ هذا لم يكن الرقم النهائي ؛ فالحكومة الفيدرالية تدعم المنتجات التي تخلق فرص عمل -بناءً على عدد العمال الذين يوظفهم "لينش "- وتمنحه إعفاءات ضريبية ، مما يخفض التكلفة الحقيقية للقدر الواحد إلى حوالي 11 أو 12 "سول ".
كانت هذه القدور تُباع بسعر 28 "سول " للقطعة الواحدة ؛ وذلك في وقتٍ لم يكن فيه الآخرون قادرين حتى على تصريف بضائعهم.
لقد كان ذلك أقرب إلى المعجزة التجارية ، ونموذجاً يُدرَّس في كيفية اقتناص الفرص ، وتحفيز الطلب ، والربح من ورائه. أشاد الكثيرون بذكاء "لينش " التجاري وبالتغييرات التي أحدثها.
كانت بعض المنتجات شبه مجانية ، إذ جُمعت من مستودعات المصانع التي استُحوذ عليها حديثاً. ومع الدعم والاعفاءات الضريبية التي غطت حتى تكاليف الشحن كان كل "سول " يُربح يعتبر ربحاً صافياً.
ومع ذلك لم يكن بالإمكان الترويج لهذا علانيةً ؛ فقد كان "لينش " يُنظر إليه كقائدٍ شابٍ يتمتع بالمسؤولية الاجتماعية.
ركزت التغطية الإعلامية على مساهماته في المجتمع: إحياء المصانع المحلية المتعثرة ، وتحسين الظروف المحلية ، وخلق قيمةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ ، لا مجرد مكاسب مالية.
لذا أغدق السيد "باتريك " عليه بالثناء. فمواهب مثل "لينش " نادرةٌ جداً ، خاصةً عند مقارنته بأولئك الشباب الذين لا همَّ لهم سوى الانغماس في شهواتهم. و لقد كان "لينش " من النوع الذي يثير غبطة الآخرين.
بالنسبة للسيد "باتريك " كان "لينش " يبدو أقرب إلى أن يكون نداً له من كونه رجلاً يصغره سناً ، ولهذا كان بإمكانهما التحدث بهذه الصراحة.
"سمعتُ أنَّ لديك خططاً أخرى قادمة ؟ " سأل السيد "باتريك " آملاً في الحصول على معلوماتٍ سريةٍ قبل الاجتماع.
أومأ "لينش " برأسه "في الشهر المقبل ، أو الذي يليه ، سأتوجه إلى 'غيفرا '. لقد أُضفت إلى الوفد الدبلوماسي ، وسأبقى هناك لبعض الوقت. "
"خلال تلك الفترة ، سنحاول إقناع 'إمبراطور ' غيفرا بالسماح لنا بالمشاركة في التنمية وإعادة الإعمار لما بعد الحرب في منطقة 'أميليا '. أنت تعلم... تلك أموالٌ طائلة. "
أومأ السيد "باتريك " برأسه مراراً وهو يرتشف نبيذه "أجل ، أجل. أموالٌ طائلة. نحن جميعاً نعلم ذلك فـ 'غيفرا ' هي من تتكفل بالدفع! "
تبادلا ابتسامةً تدل على فهمٍ مشترك ؛ فهذا النوع من الإدراك الضمني لا يوجد إلا بين الكبار من أمثالهما.
كان لديهما فهمٌ واضحٌ لهيكل المجتمع ، وتطوره ، والنتائج المحتملة. بضع تلميحاتٍ كانت تكفي لرسم الصورة الكاملة في أذهانهما.
لقد كانت الهزيمة العسكرية التي مني بها 'إمبراطور ' غيفرا على يد الاتحاد ضربةً قويةً بالفعل. وعلى الرغم من الهدوء الظاهري إلا أنَّ قبضته على العرش لم تعد مستقرة.
لقد تزلزلت سلطته المحلية. وفي الممالك ، تُعدُّ السلطة أساس القوة ، وضياعها في جانبٍ يعني وجوب التعويض في جانبٍ آخر.
لذا فمن المرجح أن يتغاضى عن تجاوزات الاتحاد في "أميليا " بشرطٍ واحد: أن يقدِّم الاتحاد حلولاً فعالةً لمشاكل المنطقة.
وإذا ما استوفوا هذا الشرط ، سيُظهر 'الإمبراطور ' بكل سرورٍ ثراء "غيفرا " وسخاءها. فرغم الهزيمة عسكرياً إلا أنَّ جعل أفراد الاتحاد يعملون لصالحه يعدُّ انتصاراً من نوعٍ آخر.
قد يعلن حتى عن هذا التوجه صراحةً. وإذا تمَّت الصفقة ، فقد تشهد "أميليا " ثراءً يفوق الخيال.
"إذن ، ما هي خطتك ؟ " سأل السيد "باتريك " بفضول. حيث كانت أعماله تتركز أساساً في التعدين ، لكنه كان منفتحاً على التوسع.
فمواد التعدين ، والمعادن ، وحتى نفايات الصهر يمكن استخدامها في البناء ؛ مما يعني طرقاً إضافيةً للربح.
"إعادة الإعمار بعد الحرب تحتاج إلى بشر ، الكثير من العمال. لا أستطيع تحمل تكلفة توظيف عمال الاتحاد ، لكن في 'ناغاريل '... " ارتشى "لينش " نبيذه ، ثم ابتسم بذكاء "هذا ما يدور في ذهني. "
"إذن أنت تريد دعمي فيما يتعلق بالسكان الأصليين في 'ناغاريل ' ؟ سمعتُ أنَّ بعضاً من أتباعك يرغبون في... لنقل ، تطهير جزءٍ من السكان المحليين ؟ "
رفع السيد "باتريك " حاجبيه وحرك أصابعه حول الكأس "هل فعلوا ذلك ؟ لا بد أنَّ الأمر فاتني. "
حدق فيه "لينش " وبادله هو النظرات. كلاهما يعرف الحقيقة ؛ فقد كان "باتريك " واحداً من أشد الداعمين لمثل هذه الخطط.
فالتوظيف المأجور للسكان الأصليين في المناجم يعني دفع أجور ، وتعويضات عن الوفيات ، والتعامل مع التبعات. أما إذا استخدمت عبيداً ، فإذا ماتوا ، فقد ماتوا.
لا أجور ، لا تعويضات ، ولا إدانة عامة. فليس هناك من سيحارب من أجل عبد.
لكنَّه شعر الآن أنَّ نهج "لينش " قد يكون في الواقع أكثر ربحية.