الفصل 421: هل من الممكن أن تكون هذه محض صدفة ؟
«سيدي ، طاب يومك ، هذه بطاقتي التعريفية. أرجو أن تمنحني بضع دقائق من وقتك الثمين...»
اقترب «لايم» وهو يحمل كأسه نحو هدفه الأول ؛ رجل في منتصف العمر ترافقه فتاة شابة.
لطالما اعتاد «لايم» أن ينظر باحتقار إلى الشابات اللواتي يتشبثن برجال أكبر منهن سنّاً ، معتبراً ذلك علامة على الانحلال الأخلاقي. أما الآن ، فقد صار يفكر بطريقة مغايرة ؛ فلكل إنسان الحق في السعي وراء سعادته الخاصة.
في الواقع ، بات يُعجب بهذا الترتيب ؛ فهو يبرهن على أن الرجال ، رغبةً منهم في إثبات قيمتهم داخل العلاقات ، يصبحون أكثر دافعية نحو المال. ونادراً ما تسعى فتاة شابة خلف رجل مسن من أجل وسامته ، فالأمر دائماً ما يتمحور حول المال.
إن تعمد إظهار موقف مفاده «أنا الطرف الثري الذي لا يمكنك العيش بدونه» يساهم في توطيد مثل هذه العلاقات. ولهذا السبب غالباً ما تُروى قصص عن رجال أثرياء يغدقون الهدايا على زوجاتهم الشابات ، بينما نادراً ما يفعلون ذلك مع زوجاتهم الأوائل ؛ لأن علاقات هؤلاء الأخيرات قائمة على الحب لا المال ، وبالتالي يتم التعبير عنها بأسلوب مختلف.
وحتى لو لم يبدُ الرجل مهتماً بعرض «لايم» ، فإنه سيستمع بجدية. بدا الأمر معقداً ، لكنه في جوهره بسيط.
أخذ الرجل بطاقة «لايم» ، ورفع رأسه قليلاً ، متفحصاً إياها بعينين تشوبهما غطرسة -رد فعل غريزي-. قرأ الاسم «لايم» ، ثم نظر للأعلى ليُقيم هيئة «لايم» ، وألقى نظرة على ساعته وقال: «أمامك حجر ثانية. ابدأ الآن».
ذُهل «لايم» للحظة. و لقد تعامل مع عملاء أكثر صعوبة ، لكن كل من قابلهم مؤخراً كانوا سادة مهذبين. لذا كان مواجهة شخص فظ كهذا أمراً غير معتاد. فالنبلاء يستمعون بصبر حتى وإن لم يهتموا ، ثم يعتذرون بلباقة. وقلة فقط كانوا بفظاظة هذا الرجل الذي لم يمنحه سوى دقيقة واحدة.
«سأدخل في صلب الموضوع دون إطالة. سيدي ، هل أنت مهتم بالاستثمار في إنشاء السكك الحديدية ؟» بادر «لايم» بالإجابة ، فالوقت يداهمه.
عقد الرجل حاجبيه وقال: «أكمل. لم يبقَ أمامك سوى خمسين ثانية».
موقف مستفز ، لكن «لايم» ظل متماسكاً ، فهذا تحديداً هو السبب الذي جعل «لينش» يلمح فيه إمكانات واعدة. ففي أدنى درجات العالم المالي ، حيث يعتمد السماسرة في بقائهم على الاحتيال كانت المعاملة القاسية أمراً مألوفاً ، بل وأحياناً وحشية ومهينة. فعلى سبيل المثال ، قام سمسار يوماً بتقبيل مؤخرة عميلة لكي يبيع لها أسهماً لا قيمة لها. وبعد أن ذاق جحيم تلك التجارب ، بات «لايم» يرى نفسه في الجنة ؛ فحتى أسوأ الموجودين هنا أكثر لطفاً من ألطف من قابلهم في ذلك الجحيم.
«لقد حصلت شركتنا على مشروع ضخم. نخطط لبناء ثلاث سكك حديدية على الأقل ، يمتد طول كل منها لأكثر من ألف كيلومتر ، لتغطي المنطقة بأكملها...»
قاطعه الرجل: «ثلاث سكك حديدية بطول ألف كيلومتر ؟ هل تملك المال الكافي ؟ هل تدرك حجم التكاليف ؟»
لم يبدُ على «لايم» غضب أو فرح ، بل رسم ابتسامة صادقة وقال: «هذا بالضبط سبب حديثنا هنا. و إذا كنت مهتماً ، يمكننا المناقشة على انفراد. وسواء عبر الأسهم أو السندات ، فأنا أؤمن أن العوائد ستكون مجزية».
ألقى نظرة خاطفة على الفتاة الشابة بجانب الرجل ، ثم عاد إليه بسرعة. حيث كانت تلك هذه اللفته تلميحاً ذكياً ؛ فهي تعني ضمنياً: «سواء استثمرت أم لا ، تعال وتحدث معي ، فهذا يتيح لك استعراض ثرائك ، وهو ما سيثير إعجاب هذه الآنسة».
ورغم أن الأمر يبدو بسيطاً إلا أن البائعين المهرة يدركون أن الجزء الأصعب ليس إقناع العميل ، بل جعله ينصت إليك. و لقد اختار «لايم» مدخلاً قوياً. فإذا استطاع استدراج هذا الرجل جانباً حتى لإجراء حديث زائف ، فسيمكنه طرح أفكاره وعروضه. والرفض هنا أمر مقبول.
على غير المتوقع ، رفض الرجل قائلاً: «لست مهتماً. لو كان لدي ذلك المال ، لاستثمرته في سككي الحديدية الخاصة...» نظر إلى ساعته مجدداً ، وظل رافعاً ذقنه عالياً ، ناظراً باحتقار إلى «لايم». «انتهت الستون ثانية. للأسف لم تنجح في إقناعي ، لذا...»
رسم «لايم» تعابير الندم وتنحى جانباً. وبينما كان يراقب الرجل ورفيقته يغادران ، هز رأسه ، ثم استعاد توازنه ومضى في طريقه.
«سيدي ، طاب يومك ، هذه بطاقتي... ربما يمكنني أخذ بضع دقائق...»
«لا ينبغي أن يُؤتمن شخص عادي على حدث كهذا. انظر إليهم ، يسمحون لأي شخص بالدخول!» تذمر الرجل الذي منح «لايم» الستين ثانية. و لكنه كان تذمراً عابراً ؛ فقد كان يعلم أن مناسبات كهذه بمثابة حجّ للمضاربين ، يفعلون أي شيء ليتمكنوا من الدخول. وهذا الذي كان «لايم» يتحدث إليه كان واحداً منهم. فلو كان يملك المؤهلات والموارد لبناء ثلاثة آلاف كيلومتر من السكك الحديدية ، لما اضطر لمثل هذه العروض ؛ كان سيطرح الشركة للاكتتاب العام ، وسيقوم المستثمرون بضخ مدخراتهم المتبقية فيها.
قامت الفتاة الشابة بجانب الرجل بتهدئته: «لا تغضب يا أبي. لا يوجد ما يستدعي ذلك. ومن زاوية أخرى ، إنهم مثيرون للشفقة ، أليس كذلك ؟»
نظر الرجل إليها وقال: «أكره الطريقة التي نظر بها إليكِ. إنه يظن أنكِ...» توقف عن الحديث ، وكان ذلك هو سبب غضبه. فذلك الشاب اللعين ظن بالفعل أن ابنته هي السيدة ؛ كان أمراً دنيئاً ، ومرعباً ، ومثيراً للاشمئزاز.
ابتسمت الفتاة وحاولت مواساته ، لكنها سرعان ما بدت كئيبة. لاحظ والدها التغير فوراً: «هل أزعجك ذلك الوغد ؟»
رمشت بعينيها ونظرت إليه: «أزعجني ؟ لا ، ليس الأمر كذلك. فقط حدثت بعض الأمور اليوم...»
ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجه الرجل: «لا أعلم إن كنتِ ترغبين في الحديث إلى رجل عجوز مثلي. تعلمين ، أن تعيش طويلاً يعني أنك رأيت الكثير و ربما يمكنني المساعدة».
ترددت الفتاة لكنها تنهدت في النهاية تحت إلحاح والدها: «أنت لا تعلم ؛ هذا العام ، جاء الكثير من الطلاب الموصى بهم إلى المدرسة. واحد من كل عشرة. و أنا غير راضية عن نهج المدرسة. تحدثت معهم ، لكن...»
«لم يوافقوا على مطالبك المنطقية ؟» توقف الرجل عن المشي. «ربما ينبغي عليَّ التحدث معهم».
تنهدت مجدداً: «لا ، الأمر يتجاوز ذلك. هناك قوى لا يمكن مقاومتها. و لقد أخبرتهم بكل هذا صباحاً ، ثم...»
قبل أن تواصل ، قاطعهما أحدهم.
«هل أقاطع حديثكما ؟» صوت مألوف. التفتت الفتاة ورأت السيد «ترومان» الذي أنهى للتو حديثه مع الآخرين واقترب منهما.
كان اسم والد «آنا» هو «باتريك أجينيل» ، وهو اسم ذو إرث خاص. ووفقاً لحكايات العائلة ، فإن أسلافهم كانوا نبلاء نُفوا من إمبراطورية «مادييرو» إلى هذه القارة. حسناً ، سواء نُفوا أم لا ، ظلوا نبلاء. فقد كان هناك بالفعل كونت منفي يدعى «أجينيل» في الإمبراطورية القديمة. و لقد ادعوا أصولهم النبيلة ، وهو ادعاء قوبل بالسخرية في البداية ، ولكن بعد قرون ، أصرت كل أجيالهم على ذلك وبدأ الناس في تقبله تدريجياً.
كانوا يطلقون على أنفسهم «نجم الرأسماليين المتألق». «باتريك» هو لورد العائلة الحالي وعضو من الدرجة الثالثة في «جمعية قديس هارموني». وهذا يعكس قوة الجمعية ؛ فحتى النبلاء عليهم اتباع قوانينها ليحققوا النجاح في هذه القارة.
الذي قاطع حديث الأب وابنته كان السيد «ترومان». وبصفته رئيساً اختاره أكبر تكتل في الشرق ، «فراشة نجم الأحلام» كان لـ«باتريك» مكانة راسخة في مأدبة الحفل حيث كان يتم التفاوض على تقسيم مصالح «ناغاريل» ، وذلك بفضل مكانته الشخصية ودعمه المالي القوي.
كما سيلعبون أدواراً مهمة في التعاملات القادمة ، لذا بمجرد أن أنهى السيد «ترومان» حديثه السابق ، جاء إليهما بمبادرة منه ، فهذا كان الغرض الأساسي من حفل الاستقبال.
«طاب مساؤك يا سيد ترومان!» خفض «باتريك» ذقنه أخيراً ، فالجميع يدركون أهمية «ترومان».
«طاب مساؤك يا سيد ترومان...» اتبعت «آنا» والدها في التحية.
أومأ السيد «ترومان». لم يكن معتاداً تماماً على طريقة نطقهما المتكلفة قليلاً لعبارة «طاب مساؤك» ، والتي يقال إنها علامة على النبل الحقيقي.
«كنت أنوي المجيء في وقت أبكر ، لكن بعض الأمور لم تكن قد حُسمت. و الآن أنا متفرغ ، والوقت مثالي ؛ أريد أن أقدم لك صديقاً شاباً مثيراً للاهتمام ، سيُعجبك». نادى «ترومان» على «لينش» الذي كان يستدير ليتحدث مع شخص آخر.
التفت «لينش» إلى الخلف ، واعتذر بلباقة من التاجر الذي كان يتحدث معه ، ثم سار نحوهما.
«أود أن أقدمكما: هذا هو السيد باتريك ، باتريك أجينيل ، وهذه هي ابنته ، الآنسة آنا...»