الفصل 394: طريق الفرار
انتشر نبأ موافقة "لينش " على إلقاء خطاب في جامعة "كورلاند " الحكومية بسرعة البرق.
سخر رئيس الجامعة ، ونائبه ، والعديد من الأسياد مواردهم للترويج للمحاضرة العامة المرتقبة. وتواصلت محطات التلفزيون الحكومية والمحلية مع الجامعة آملةً في بث الحدث ، بل وعرضت تغطية جزء من تكاليف البث.
في حقبةٍ لا تزال تتسم بشيءٍ من البساطة ، ظل تأثير المشاهير فائق الفاعلية. ومع أن الناس غالباً ما كانوا يضربون صفحاً عن وعود السياسيين باعتبارها كلاماً أجوف إلا أنهم كانوا ما زالوا يمنحون ثقة صادقة للشخصيات العامة كالمشاهير. وقد آمن معظمهم بأن هؤلاء النخبة لن يكذبوا لمجرد خداع الرجل العادي -رغم أنهم في الواقع كانوا يفعلون ذلك مراراً.
عاد "لينش " سريعاً ؛ ففي اليوم الثالث ، وصل إلى مدينة "كورلاند " وتناول العشاء مع عمدة المدينة.
كان عمدة "كورلاند " رجلاً في السابعة والأربعين من عمره ، يصغر عمدة مدينة "سابين " المجاورة. حيث كان يتمتع بكاريزما لافتة ، جعلته للوهلة الأولى يبدو في عين "لينش " كأنه أحد المشاهير. حيث كان يعتمد تسريحة شعر عصرية -تختلف عن القصات التقليديه- مع خصلة صغيرة مصففة للخلف فوق جبهته ، مما أضفى عليه مسحة من الحداثة. و كما أن قميصه الملون ميزه عن معظم الرجال في مثل سنه الذين كانوا ما زالوا يتشبثون بالأزياء الأكثر تقليدية -وإن كان ذلك ربما كان مجرد أسلوب يهدف إلى استمالة الآخرين.
بعد فترة وجيزة من التعارف ، سأل العمدة "السيد لينش ، هل فكرت في الاستثمار في ولاية يورك ؟ ".
"نحن نمتلك أفضل بيئة أكاديمية وبحثية في الولاية ، وجامعة الولاية موجودة هنا. وفي بعض المجالات ، لا يتأخر تقدمنا البحثي عن المعايير الدولية ".
"كما أننا منفتحون على الأشياء الجديدة ونرحب بالمستثمرين و ربما يجدر بك التفكير في الأمر ".
كان معظم المسؤولين المحليين يواجهون الضباب ذاتها: ظلت معدلات التوظيف منخفضة. وبينما كان معدل البطالة في "كورلاند " البالغ 14.7% أفضل حالاً من معدل "سابين " البالغ 19.4% إلا أن الوضع ظل حرجاً.
اعتمدت عائلات كثيرة على المعونات الغذائية للبقاء على قيد الحياة. وبعد أكثر من نصف عام من توزيع المعونات ، أوشكت الميزانيات البلدية على النفاد. ولم يعد الأثرياء يرغبون -أو قادرين- على المساهمة. لم تكن هذه مشكلة يمكن حلها ببضعة آلاف ، أو مئات الآلاف ، أو حتى الملايين ؛ بل كانت تتعلق بقدرة مدن بأكملها على إطعام سكانها. و في مدينة تضم 300 ألف محتاج ، فإن توفير دولار واحد فقط كمعونة للفرد يومياً يعني 300 ألف دولار كنفقات غذائية يومية. فكم "300 ألف " يستطيع الأثرياء حقاً توفيرها ؟
واحد ؟ عشرة ؟ مئة ؟
مهما تبرعوا ، فسيُستهلك كل شيء في لمح البصر. لم تكن المعونات الغذائية حلاً حقيقياً ؛ بل كان الحل يكمن في خلق فرص عمل ليتمكن الناس من الكسب وشراء طعامهم بأنفسهم.
حتى لو استطاع "لينش " توفير مئة فرصة عمل ، فسيؤدي ذلك إلى انتشال مئة عائلة من براثن الجوع كل شهر -مما يوفر مبالغ طائلة في تكاليف الإعانة.
كان كل قليل يساعد في تخفيف عبء الحكومة.
لكن "لينش " هز رأسه قائلاً "أنا حالياً لا أخطط للاستثمار محلياً. فالبيئة غير مناسبة للاستثمار واسع النطاق في الوقت الراهن. وأنت تعلم... ".
التقط منديله ومسح فمه ثم أضاف "تركيزي المستقبلي سيكون في الخارج. لذا يجب أن أعتذر منك ".
لم يشعر العمدة بخيبة أمل كبيرة ؛ فهو لم يتوقع موافقة حقيقية ، بل كان سؤاله من باب "لو صادف " فحسب ، فماذا لو وافق "لينش " ؟
تابع العمدة "سمعت بعض الأمور عنك. و أنا مهتم للغاية بحربك التجارية المقترحة ، هل يمكنك إخباري بالمزيد عنها ؟ ".
أومأ "لينش " برأسه قليلاً "بالطبع ، لكن ليس لدينا متسع من الوقت. حيث يجب أن نختصر ، وإذا أردت التفاصيل ، ربما يمكنك حضور المحاضرة في الجامعة غداً ". ابتسم ورفع كتفيه "أنت تعلم ، لقد دعوني لإلقاء كلمة عامة... ".
في هذه الأثناء ، وبينما كان "لينش " يتناول العشاء بود مع العمدة كان السيد "بريتون " في خضم هروب مروع.
من كان يظن أن البحرية الملكية "الجيفارية " التي لا تقهر ستخسر أمام الاتحاد ؟ لو عرف تلك النتيجة ، لما طلب أبداً من وزير البحرية التدخل.
قطع كل اتصالاته مع الجميع بمجرد علمه بالهزيمة البحرية ، وتوارى عن الأنظار وهرب وحيداً.
لم يعد يثق بأحد ؛ فأي شخص قد يبيعه -من أجل المال أو المصالح- سواء للـ "جيفاريين " أو للاتحاد.
مثل هذه الخيانة قد ترفع شأن شخص آخر ، لكنها ستعني الموت بالنسبة له.
وبمعرفته بطبع الإمبراطور "الجيفاري " كان "بريتون " متيقناً من أنه سيُحكم عليه بـ "جرف القضاء " حيث تنهشه نسور "المنقار الدرعي " حتى الموت.
كانت تلك العقوبة من أكثر عقوبات "جيفرا " وحشية. فنسر "المنقار الدرعي " الفريد من نوعه في "جيفرا " يمتلك منقاراً ثقيلاً يشبه المطرقة -على عكس مناقير أقاربه المعقوفة. يعيش هذا النسر أساساً على طول الساحل ، ويتغذى على المخلوقات البحرية ذات القشور الصلبة ؛ حيث ينقض كالبرق من السماء ، محطماً فريسته بمنقاره الكثيف الذي بحجم القبضة قبل أن يقتات على أحشائها الطرية.
كان نظامها الغذائي متنوعاً ، وإذا أتيحت لها الفرصة ، فإنها تصطاد الثدييات الكبيرة ، وهي كائنات ذكية.
كانت تدرك أنها لو حطمت جمجمة الحيوان فوراً ، فلن تحصل إلا على جزء صغير قبل أن ينهب المفترسون الآخرون البقية -أو قبل أن يتعفن الجسد. لذا كانت تبدأ بالأطراف ، معطلةً فريستها.
بمناقيرها الشبيهة بالمطارق وغوصها عالي السرعة ، تستطيع تحطيم أي عظم. وبمجرد سقوط الفريسة ، يتم طحنها ببطء -قطعة تلو الأخرى- مع إبقائها حية للحفاظ على لحمها طازجاً لأطول فترة ممكنة.
قدر الخبراء أن الثدييات الكبيرة يمكن أن تبقى حية من ثلاثة إلى سبعة أيام تحت مثل هذا الهجوم -تتجرع العذاب ، والعدوى ، والحمى ، وتراقب نفسها وهي تؤكل حية حتى تُحطم جمجمتها في النهاية.
لم يكن الإمبراطور "الجيفاري " معروفاً بالرحمة ؛ بل كانوا يضمّدون جراح الضحايا بين الهجمات لضمان إطالة أمد معاناتهم ، ليعيشوا الرعب بكامله قبل الموت.
وسواء كانت القصص مبالغاً فيها أم لا لم يكن لدى "بريتون " أدنى رغبة في اكتشاف الحقيقة.
لقد خرج للتو من محطة قطار ، حيث كان هواء الصيف الخانق يفوح برائحة العرق والتعفن. حمل حقيبته ، وألقى نظرة فاحصة على المحيط ، ثم توجه سريعاً إلى جانب الطريق.
لم يكن أحد يعلم ، لكن "بريتون " -المطلوب لدى "جيفرا " والاتحاد- كان في الواقع يختبئ داخل الاتحاد نفسه.
لقد زيف هروبه ، موهماً الجميع بأنه فرّ خارج البلاد ، بينما بقي في الواقع. و بالنسبة له كان الاتحاد أكثر أماناً من "جيفرا " أو أي مكان آخر ؛ فبنيته السياسية الفضفاضة ونظامه الليبرالي يعنيان أن تطبيق القانون متساهل.
لم تكن هناك صور حديثة واضحة له متداولة ، لذا كان من المستحيل تقريباً الإمساك به عبر ملصقات المطلوبين.
كانت هذه بلاد المال ؛ ومع وفرته ، يمكن لأي شخص أن يعيش في دعة.
وكان "بريتون " يملك المال -الكثير منه.
وبعيداً عن الحسابات المعروفة للجميع كان لـ "بريتون " حسابات طوارئ واحتياطية عديدة -أكثر من يكفى ليعيش حياة البذخ في الاتحاد بقية حياته.
خطرت الفكرة بباله فارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه ؛ فربما كان أولئك الحمقى ما زالون يطاردون هوياتٍ وهمية له ، معتقدين أنهم يقتربون منه.
منذ اليوم الأول الذي وطأت فيه قدماه "ناجاريل " كان "بريتون " يتوقع هذه اللحظة. حيث كان يعلم أن الأسرار التي يحملها ستجعله هدفاً في نهاية المطاف.
لذا خطط لكل شيء بدقة متناهية. حيث كانت خطوته التالية هي التوجه غرباً ، والبحث عن بلدة صغيرة تفتقر للهواتف والتلفاز ، والاندماج كشخص محلي ، ثم التفكير في خطواته القادمة.
بينما كان "بريتون " يبحث عن مكان مؤقت ليستقر فيه ، نهض بضعة شبان من زقاق قرب محطة القطار.
كانت فتاة هي أول من خرج واتجهت نحوه.
ظن هو أنه يبدو عادياً بما يكفي الآن. و لكن في الواقع كان تصوره للعادي يجعله متميزاً ؛ ففي تلك البيئة لم يكن من المرجح لشخص عادي أن يخرج من محطة القطار في منتصف الليل مرتدياً ملابس نظيفة ويحمل حقيبة جلدية.
قررت الفتاة خوض المغامرة ، فتبعته مسرعة. التفت "بريتون " فجأة ، في حالة تأهب ، ولمعت عيناه ببريق قاتل للحظة.
"هل يمكنني مساعدتك يا آنسة ؟ "
لم تكن المرأة التي أمامه ترتدي سوى ملابس صيفية خفيفة -تنورة قصيرة وقميص "توب " مكشوف الأكتاف. وبخلاف ذلك ربما كانت ربطة الشعر التي تجمع خصلاتها هي كل ما يمكن اعتباره ملابس.
استعرضت قوامها واتخذت وضعية مغرية قائلة "هل تود الاستمتاع ببعض الوقت يا سيدي ؟ "