شرع السيد "والدريك " في شرح المعاني العميقة الكامنة وراء إجابة "لينش " لابنته "سيفيريلا " بجديةٍ بالغة. و في بادئ الأمر ، وجدت "سيفيريلا " في حديثه شيئاً من الإثارة ، بل إنها ظنت أن حيرتها لم تكن إلا نتاجاً لضيق الوقت ، وأنها لو مُنحت مزيداً منه لاستطاعت إدراك تلك المقاصد بنفسها.
لكن و كلما تعمق السيد "والدريك " في تفسيراته ، متطرقاً إلى قضايا أكثر تعقيداً تتعلق بالجغرافيا السياسية والشؤون الدولية ، أدركت "سيفيريلا " أخيراً مدى الرعب الكامن في إجابة "لينش ".
لم تكن غاية السيد "والدريك " أن يمنع ابنته من الوقوع في حب شخص مثل "لينش " فحسب ، بل أراد ألا ينمو في نفسها أي فضول تجاهه ؛ فبانتفاء الفضول ، لا تعود هناك حاجة لمزيد من التواصل ، وطالما توقفا عن رؤية بعضهما ، فلن يتطوّر الأمر إلى علاقة غرامية.
"لينش شابٌ استثنائي ، إنه بارع ، لكن براعته تختلف عما ألفناه من مفاهيم التميز. إن الأمر أشبه بما نفعله حين نثني أحياناً على خصمٍ قويٍ ببعض كلمات الإطراء ، لكن مهما غمرناه بمديحنا ، يظل في نهاية المطاف عدواً. أأتفهمين ما أرمي إليه ؟ "
نظر "والدريك " مباشرة في عينيها ؛ عضت "سيفيريلا " على شفتها ، وأومأت برأسها قائلة "أظنني أفهم... "
ابتسم السيد "والدريك " وهو يربت برفق على شعرها الناعم "لينش عظيم ، لكنه ليس الرجل المناسب لكِ. فإذا لم يكن هو من يقع في حبك ، بل كنتِ أنتِ من تهيمين به ، فستنتهي العلاقة حتماً بمأساة ".
سحب يده بعد أن قال ذلك وأضاف "حسناً ، اذهبي لترتاحي ، فقد تأخر الوقت ".
بعد أن ودعت الابنة أباها وانصرفت ، اقتربت السيدة "والدريك " وأمسكت يد زوجها بتعبيرٍ يشي باختلاجات نفسية معقدة ، وتساءلت "أليس هذا قاسياً جداً ؟ "
فأجابها "أنا لا أفعل إلا ما فيه خيرها ".
إنها عبارةٌ مستهلكة ، لكنها لا تقلل من حقيقتها شيئاً.
وفي هذه الأثناء ، وبعد انتهاء الاحتفال لم يغادر "لينش " على الفور بل مكث في "بوباين " أربعة أيام قبل أن يعود إلى مدينة "سابين ". خلال تلك الأيام ، التقى بالعديد من الشخصيات ، وحضر ثلاث أحزاب غير رسمية وخمس صالونات بشرية ، وتبادل أحاديث كثيرة.
كانت تصريحاته المتطرفة التي أطلقها في احتفال الرئيس قد بدأت تنتشر بالفعل حتى إن بعض المتطرفين الأكثر حماسة أخذوا يتواصلون معه ، متحدثين عن القيام بأمرٍ مذهل في المحفل الدولي الذي أوشك على الانعقاد. ومنذ اللحظة التي بدأ فيها "لينش " التعامل مع هؤلاء ، لمس لديهم شعوراً دفيناً بعدم الأمان ؛ وهو شعورٌ دفعهم بإلحاح للبحث عن إثبات لذواتهم في المجتمع الدولي ، بما في ذلك جيش وبحرية الاتحاد.
حتى المؤسسة العسكرية كانت تفتقر إلى الثقة ، ربما لم يكونوا واثقين بأنفسهم فيما إذا كانوا قادرين على تحمل مسؤولية تقرير مصير الأمة عبر القوة العسكرية ، أو ما إذا كانوا قادرين فعلاً على قيادة الاتحاد نحو آفاقٍ أرحب. و هذا الشعور المتجذر بعدم الأمان ، والرغبة في إثبات ذواتهم محلياً ودولياً ، هو ما جعل هؤلاء يتخذون هذا النهج المتطرف.
على أية حال قضى "لينش " معظم وقته مخالطاً هؤلاء الأفراد ، وقد نال بالفعل قدراً من السمعة بينهم ، حيث عرف الكثيرون ذلك الشاب الذي لم يتجاوز عقده الثاني ، والذي طاف ينادي بنظريات سلب الأمم القوية لمواردها.
بعد عودته إلى "سابين " من "بوباين " استرعت انتباهه مسألتان على الفور:
الأولى ، أن "أدلاي " أبدى رغبته في مقابلته. وبالنظر إلى الانطباع الذي تركه "لينش " لدى الرئيس ، وعلاقاته التي نسجها مع بعض ذوي النفوذ في "بوباين " شعر "أدلاي " أن هناك أموراً يمكن مناقشتها مباشرة دون حاجة لوسطاء.
هذه هي ثمرة السمعة الحسنة ؛ فلو اضطر "لينش " للبحث عن وسطاء لترتيب لقاء مع "أدلاي " لتدنت نظرة الناس إلى الأخير ، بل ولتضررت صورة الحاكم أيضاً ؛ إذ إن تعيينه لشخصٍ أحمق يعني بالضرورة أنه هو نفسه أحمق. وإذا كان "لينش " لا يحتاج لوسيط لمقابلة الرئيس ، فهل يُعقل أن يحتاج لوسيط لمقابلة مساعد حاكم ؟ أيعني ذلك أن المساعد أهم من الرئيس ؟
أما المسأله الثانية ، فهي أن "فيرا " قد أخذت إجازة ؛ إذ كانت في خضم إجراءات طلاقها من "جاب ". إن تقسيم الأصول يستغرق وقتاً ، وهناك مسؤوليات أخرى تحتاج إلى تسوية قانونية. حيث كان الطلاق من "جاب " وسيلة جيدة لتجنب التورط في قضيته ، بل إن "جاب " نفسه هو من اقترح ذلك ؛ إذ طلب رؤيتها أثناء احتجازه ليطرح عليها هذا الاقتراح. فلو تطلقا وفُصلت أصولهما ومسؤولياتهما تماماً ، فلن تؤثر أي عقوبات قد يواجهها "جاب " على "فيرا " أو أطفالهما ، وهو أمرٌ بالغ الأهمية.
في هذا المجتمع ، المال والسلطة هما أثمن الأشياء. وبما أنهم لا يملكون سلطة ، فإن خسارة المال تعني أن "فيرا " وأطفالها سيواجهون مستقبلاً عسيراً. ورغم أن الود بين "فيرا " و "جاب " قد ذوى منذ زمن إلا أنها شعرت ببعض الشفقة حين قدم "جاب " طلبه. قضت "فيرا " الأيام الماضية في التعامل مع إجراءات الطلاق ، وبما أنها كانت تتولى تقسيم الأصول والديون بنفسها لم يتسنَّ لها العمل مع "لينش " مؤقتاً.
إلى جانب ذلك كانت هناك أنباء أخرى وجدها "لينش " مثيرة للاهتمام ؛ فالسيد "هارت " الذي اشترى منه أرض النادي ، قد بدأ جولته الترويجية الأولى ، وطرح خطة مغرية للغاية "خيار إعادة الشراء الإيجاري ".
لو لم يرَ "لينش " شيئاً مشابهاً في عالمٍ آخر ، لربما راقته الفكرة ، لكن خبرته سمحت له أن يدرك فوراً أن "هارت " يخطط للربح السريع ثم الاختفاء. حيث كانت دعايات "هارت " الخارجية فخمة ، تعرض شققاً بمساحة 60 متراً مربعاً بسعرٍ يناهز 50 ألف دولار. حيث كان هذا السعر يتجاوز بكثير سعر السوق لتلك المنطقة ، خاصة وأنها شقق مخصصة للفقراء ؛ فالأمر كان غير منطقي ومبالغاً فيه بشكل صارخ.
لكنه ابتكر حيلة ذكية "إعادة الشراء الإيجاري ". فالمستثمرون لا يحتاجون للقلق بشأن البحث عن مستأجرين ؛ فمنذ يوم اكتمال المبنى ، ستبدأ شركة "هارت " بدفع الإيجار للمستثمرين. وفي خطته ، استشهد "هارت " ببيانات حكومة "سابين " ؛ حيث توفر الحكومة حوالي 75 دولاراً شهرياً كدعم سكني للمواطنين ذوي الدخل المحدود الذين يستأجرون مثل هذه الشقق المسجلة حكومياً. وبإضافة ما يدفعه المستأجرون ، يمكن لكل شقة أن تدر ما بين 95 إلى 125 دولاراً شهرياً ، وبحساب متوسط القيمة ، يبلغ العائد حوالي 110 دولارات شهرياً.
هذا يعني 1,210 دولارات في السنة ، وعلى مدى عشر سنوات ، يصل المبلغ إلى حوالي 12,100 دولار. ومع إضافة زيادة سنوية قدرها 5% ، سيصل إجمالي دخل الإيجار للعشر سنوات إلى حوالي 17,800 دولار. والآن ، مقابل 50 ألف دولار فقط ، يمكن للمرء شراء هذه الشقة ، وسيسترد "هارت " فوراً قيمة الإيجار للسنوات العشر القادمة بينما يحتفظ المستثمر بملكية الشقة بالكامل.
كان الحساب بسيطاً: إن إنفاق 50 ألف دولار لشراء شقة بمساحة 60 متراً ليس مجدياً ، لأن قيمتها السوقية لا تتعدى 30 ألفاً. ولكن ، إذا كان بإمكان المرء اخذ قرابة 20 ألفاً فوراً مع الاحتفاظ بملكية العقار ، بدأ المستثمرون يظهرون اهتماماً.
ثم كشف "هارت " عن ورقته الرابحة الثانية: بعد ست سنوات ، يمكن للمستثمر بيع الشقة إليه بالسعر الأصلي -50 ألف دولار- وإن لم يرغب في البيع ، فبإمكانه الاحتفاظ بها. باختصار ، المشروع كان صفقة رابحة لا خسارة فيها ، فمن وجهة نظرهم: اشترِ شقة بـ 30 ألفاً ، وبعد ست سنوات بعها لـ "هارت " بـ 50 ألفاً ، وهو ربح قدره 20 ألفاً ، أي حوالي 3 آلاف دولار سنوياً ؛ وهو عرض مغرٍ للكثير من العائلات ، حيث يعادل راتب شخص لعام كامل.
بالطبع قد تساءل البعض كيف سيحقق "هارت " الربح من ذلك أو ما إذا كان سيتكبد خسارة ، لكن "هارت " استخدم مصطلحات مالية استعصى على العامة فهمها ، موضحاً أنه لن يتجنب الخسارة فحسب ، بل سيحقق أرباحاً طائلة. وأوضح أن التدفق النقدي الكافي سيسمح له بتحقيق عوائد ، وأن أسعار العقارات لا بد أن ترتفع في المستقبل. وقد ادعى بثقة أنه بعد ست سنوات ، ستباع الشقق بما لا يقل عن 70 إلى 80 ألف دولار ، وعندها حتى لو اشترى الشقق بـ 50 ألفاً ، فلن يخسر شيئاً.
ومع استمرار ارتفاع قيمة العقارات ، ستتضاعف أرباحه ، كما ستجني شركة خدمات المجتمع التابعة له رسوم إدارة ، وهو دخلٌ ليس بالهين. وفوق ذلك كان "هارت " يظهر بمظهر "الغبي " و "الصادق " بما يكفي ليشرح ميكانيكية المشروع الفعلية: هو يستخدم أموال المستثمرين ليجني هو الأرباح ، حيث يأخذ هو نصيب الأسد ، بينما يكتفي المستثمرون بفتات الربح.
هذا النوع من الصراحة جذب انتباه الكثيرين بشكل مدهش ، واصطف عددٌ لا بأس به لشراء شقتين أو أكثر منه. لا أحد يستطيع التنبؤ بمستقبل الاتحاد ، ورغم أن وعود الرئيس الجديد تبدو براقة إلا أن الناس ما زالون يجدون صعوبة في اتخاذ القرارات. وفي هذا الوقت كان الاستثمار في مخطط مضمون الربح للحفاظ على الثروة يلامس عقلية التخطيط المالي للطبقة الوسطى.
استثمرت أعداد كبيرة من عائلات الطبقة الوسطى مدخراتهم التي تتآكل قيمتها بسرعة في هذا المشروع ؛ فبعضهم اشترى شقة أو اثنتين ، وبعضهم اشترى أكثر من عشر حتى إن البعض باعوا منازلهم وأخذوا قروضاً للاستثمار في مشروع "هارت ".
عندما ذكر "مارك " هذا الأمر لـ "لينش " كان فخوراً ومتفاخراً للغاية "لقد التقيت بـ "هارت " بضع مرات. إنه يعرفني ويحترمني. و لقد أخبرته فقط أن لدي أصدقاء مهتمين ، فباعني عشر شقق... "