Switch Mode

كود بلاكستون 258



لم يستغرق الأمر أكثر من خمس عشرة دقيقة حتى بلغ خبرُ الحادثةِ القسمَ الإقليميَّ بكاملِ إدارته ، بما في ذلك أسبابُها وتطوراتُها ، وسرعان ما أصدر القسمُ قراراً مبدئياً حول كيفية التعامل مع هذه المسأله.

أولاً ، طالبوا مديرَ البنك الذي وقعت فيه الحادثةَ بضرورة احتواء "جوغلمان " المصاب ، وإقناعِه بعدم إبلاغ الشرطة عن الواقعة.

ووفقاً للتقارير كان رأسُ "جوغلمان " ينزف بغزارةٍ إثر تعرُّضه للضرب ، وتفيد الأنباءُ بأنه فقد وعيَه أثناء نقله إلى المستشفى.

ولو قُدِّر للشرطة أن تتدخل ، لكانت المسألهُ ستتحول إلى فضيحةٍ مزعجةٍ ومحرجة ، وهو أمرٌ لا يستطيع البنكُ -بما يملكه من ثروةٍ ونفوذٍ متشابك- أن يتحمَّل تبعاتِ انكشافِه ، وإن كان هذا النوعُ من القضايا يقع باستمرارٍ خلف الكواليس.

ولو أقدمت الشرطةُ على محاسبة "بينيت " والتحقيقِ في الأسباب الكامنة وراء الصراعِ وتصاعدِ وتيرتِه ، فقد يؤدي ذلك إلى كشفِ بعض الأسرار داخل البنك ، وهي أسرارٌ يفضل البعضُ بقاءَها طيَّ الكتمان.

لقد كانت تلك الأسرارَ مقيتةً ، ومع أن الجمهورَ قد تساورُه بعضُ الشكوكِ الغامضة إلا أن هناك فرقاً شاسعاً بين الظنِّ واليقين ، وهذا يشبه تماماً حالَ بعضِ الأشخاص الذين يثرون فجأة ؛ فقد تثارُ تكهناتٌ بأن ثرواتِهم ناتجةٌ عن أنشطةٍ إجرامية.

وقد تكون هذه الشكوكُ التي لا أساسَ لها ، والمشحونةُ بالغيرة ، قريبةً من الحقيقة ، ولكن ما دامت لا توجد أدلةٌ ولا انكشافٌ علني ، فإن الصورةَ العامةَ للمتورطين تظلُّ بمنأى عن التشويه.

في نهاية المطاف كان نقلُ "بينيت " إلى فرعٍ صغيرٍ في مدينة "سابين " تدميه راً من أولئك الذين حملوا الحقدَ عليه ، وأرادوا إلحاقَ الأذى بـ "جوغلمان " ليتسبَّبوا في إهانته.

ولو كُشِفَت هذه الأحداثُ وحُقِّق فيها ، لكانت ضربةً قاصمةً لأفرادٍ معينين ، لذا أصرُّوا على أن يلتزم مديرُ البنك باسترضاءِ "جوغلمان " وضمانِ عدمِ متابعتِه للأمر.

لحسن الحظ ، تعامل مديرُ البنك مع الموقفِ بحزمٍ وفعالية ؛ ففي أقلَّ من نصف ساعة ، أبلغ القسمَ الإقليميَّ بأنه نجح في إقناع "جوغلمان " بالعدول عن الإبلاغ عن الحادثةِ أو المضيِّ فيها.

أما عن أصلِ الحادثة ، فقد قرر القسمُ الإقليميُّ إيقافَ "بينيت " عن أداءِ مهامِّه والتحقيقِ في أيِّ تجاوزاتٍ قائمة.

في تلك اللحظة كان مديرُ البنك يتبادلُ أطرافَ الحديثِ العرضيَّ مع "جوغلمان " في المستشفى.

كان هناك جرحٌ بعمقِ نصفِ بوصة على جبهة "جوغلمان " لكنَّ هذا الجرحَ لم يكن في واقعِ الأمرِ بسببِ اللوحةِ الكريستاليةِ التي تحملُ الاسم.

فقد صُمِّمَت تلك اللوحاتُ المثلثةُ التي تُستخدَم لتعريفِ هويةِ صاحبِ المكتب ، مع مراعاةِ معاييرِ السلامةِ عند التصنيع ، لضمانِ أن تكون الحوافُّ مستديرةً لتجنبِ الإصابات.

لقد نتج الجرحُ في الحقيقةِ من فصِّ خاتم "جوغلمان " ؛ فعندما ضربه "بينيت " على جبهته ، تعمَّد "جوغلمان " التواءَ فصِّ الخاتم ليُحدِث خمشاً عميقاً مقصوداً ، حيث مزقت حوافُ الجوهرةِ الحادةُ الجلدَ بسهولة ، ليخرجَ الدمُ من بين أصابعه فوراً ، مما أصاب "بينيت " بالذهول.

قال مديرُ البنك عرضاً عن موظفِ البنك متوسطِ المسيرة الذي تحوَّل مستقبلُه الواعدُ فجأةً إلى ظلام "المقرُّ الرئيسيُّ في حالةِ غضبٍ شديدٍ ممَّا حدث اليوم ، ومن المرجح أن "بينيت " لا يملك أيَّ فرصةٍ للتعافي من هذا ".

لم يكن مديرُ البنك يكنُّ ودّاً لـ "بينيت " أيضاً ، لكنه لم يُظهر ذلك بل ظلَّ يترقبُ الوقتَ المناسبَ ، حاشداً قواه بهدوءٍ ليوجه ضربتَه الحاسمةَ حين تستدعي الحاجة.

لم يكن تدخُّلُ القسمِ الإقليميِّ في قراراتِه الإداريةِ مؤشراً جيداً ؛ فإذا تمكَّنوا من تهميش "جوغلمان " اليوم ، فبإمكانهم فعلُ الشيءِ نفسِه معه غداً.

لا يوجد شيءٌ يتوانى الناسُ عن فعلِه إذا كان الرهانُ كبيراً بما يكفي ، فتجاوزُ سلطةِ مديرِ فرعٍ في مدينةٍ من الدرجةِ الثانيةِ لا يتطلبُ سوى بضعِ وثائق.

كان بإمكانهم تعيينُ مساعدٍ له ، وسينتهي كلُّ شيء.

ولكن لم يقم بأيِّ تحركاتٍ علنيةٍ مؤخراً إلا أنه كان يتواصل بفاعليةٍ مع أصدقاءَ في القسمِ الإقليميِّ والمقرِّ الرئيسيِّ ، وهم أصدقاءُ تربطُه بهم علاقاتٌ وثيقة ، وحين وقعت الحادثةُ فجأةً ، سارعَ لتحريكِ تلك الاتصالات ، مُمارساً ضغوطاً من جهاتٍ متعددةٍ حتى أصدر القسمُ الإقليميُّ قراراً أرضى الجميع: تحقيقٌ داخليٌّ مع "بينيت " مقرونٌ بالإيقاف.

يدرك معظمُ من عملوا في القطاعِ المصرفيِّ أنه بمجردِ خضوعِ أحدهم لتحقيقٍ داخليٍّ ، فإن طريقَه نحو الترقي ينتهي عند تلك اللحظة حتى وإن ثبتت براءتُه في النهاية.

ففي خضمِّ صراعاتِ القوى داخل البنك حتى الشخصُ الذي يبدو كنقاءِ ورقةٍ بيضاءَ قد لا يجد فرصةً للصعود ، ناهيك عن شخصٍ تلطَّخت سيرتُه بـ "الشوائب ".

البشرُ بطبعِهم كائناتٌ معقدة ، وتزدادُ هذا التعقيداتُ داخل المجتمع ، وحتى لو لم يجد فريقُ التحقيقِ الداخليُّ شيئاً ملموساً ضد "بينيت " فهذا لا يعني أنه بريءٌ تماماً ، فقد يعني ببساطةٍ أنه مذنبٌ ولكنَّ أخطاءَه لم تُكتشف بعد.

بعد ذلك سيواجه "بينيت " سلسلةً من التنقلاتِ إلى مناصبَ هامشيةٍ غيرِ مهمة ، لينتهيَ به المطافُ في أرشيفِ أو مخزنِ بلدةٍ صغيرة ، يعمل موظفاً عادياً بأدنى أجر ، ويحيا أكثرَ حيواتِه رتابةً.

استلقى "جوغلمان " على سرير المستشفى وتشكلت ابتسامةً ساخرة ، قائلاً "شكراً لحديثِك بالنيابةِ عني... ".

قبل وصولِ المدير كان "جوغلمان " قد تواصل بالفعل مع بعضِ أصدقائِه من المستشفى ، وأخبروه بأن أطرافاً أخرى ، بخلافِ أصدقائِه ، قد تدخلت أيضاً.

لقد عرف تماماً من يقف خلف هذا الأمرِ ولماذا ، لكنه كان ما زال بحاجةٍ لشكرِ المدير.

لوَّح المديرُ بيدِه استخفافاً "لا داعي للشكر ، أنا أحمي نفسي فحسب ". فلو لم يتحرك حين كان مرؤوسوه يُهمَّشون من قبلِ مسؤولين أعلى ، لتبخَّرت سلطتُه سريعاً.

كان هناك شيءٌ واحدٌ فقط لم يستطع استيعابَه "ما الذي قلته بالضبط لـ "بينيت " وجعله يتصرفُ معك بتهورٍ كهذا ؟ ".

رسم "جوغلمان " ابتسامةً غامضة "ستعرف ذلك في غضونِ أيامٍ قليلة ".

لو انتهت المسألهُ عند هذا الحد ، لما اتسق ذلك مع صبر "جوغلمان " وضبطِ نفسِه طوالَ الأسابيعِ الماضية ؛ فهو لم يرد الإطاحةَ بـ "بينيت " فحسب ، بل أراد سحقَه بحيث لا ينهضُ له قائمةٌ أبداً.

غيَّر "جوغلمان " مجرى الحديثِ قائلاً باعتذار "بعد عودتي ، قد أتقدَّم بطلبٍ لتسريحِ بعضِ الموظفين ، آملُ أن تدعمَني ".

خلال تلك الفترة كانت تنازلاتُ "جوغلمان " قد جعلت البعضَ ينحازُ إلى صفِّ "بينيت " والآن حان الوقتُ لتطهيرِ البيت.

هل هذا قسوة ؟

لا ، هذا هو الواقع. فلو أنهم دعموا "جوغلمان " بثبات ، لكان بانتظارِهم مستقبلٌ أكثرُ إشراقاً ، ولكن بما أنهم راهنوا على الشخصِ الخاطئ ، فعليهم الآن مواجهةُ العواقب.

منح المديرُ "جوغلمان " دعمَه الكامل ، فلم يشعر بأيِّ تعاطفٍ مع الموظفين الذين انحازوا سريعاً إلى صفوفِ الرؤساءِ الجدد.

بعد إنهاءِ المحادثة ، نهض المديرُ للمغادرة "متى يمكنك العودةُ إلى العمل ، أم أمنحُك بضعةَ أيامٍ إضافيةٍ من الإجازة ؟ ".

أجاب "جوغلمان " بثقة "في أيِّ وقت ، أنا مستعدٌّ للعودة ".

وفي اليومِ نفسِه للحادثة ، ظهرت عدةُ رسائلِ شكوى في القسمِ الإقليميِّ للبنك ، بل ووصلت حتى إلى مكاتبِ بعضِ مديري المقرِّ الرئيسيِّ.

هذه الرسائلُ ، المشفوعةُ بالصور ، فصَّلت قصةَ شخصٍ نافذٍ يسيءُ استغلالَ سلطتِه ، وتورطت فيها بشكلٍ أساسيٍ علاقاتٌ تربطُه ببعضِ النساء ، وهؤلاء الأشخاصُ كانوا قد أدلوا لتوِّهم بشهاداتٍ لا تصبُّ في صالحِ "بينيت ".

الآن ، قدَّمت هذه الصورُ لهم أسباباً ومبرراتٍ إضافيةً للدفعِ نحو فرضِ عقوباتٍ أقسى على "بينيت ". وعلاوةً على ذلك لم يقتصر الأمرُ على البنك ، بل تلقت عائلةُ "بينيت " رسائلَ مماثلة ، وكانت زوجتُه في طريقِها إلى مدينة "سابين " مع عائلتِها.

في غضون ذلك وبينما كان "بينيت " في شقتِه المستأجرة لم يكن يملك أيَّ فكرةٍ عمَّا ينتظرُه ؛ جلس على حافةِ سريرِه ممسكاً رأسَه في حالةٍ من اليأس.

كان يعلم أنه ارتكب خطأً فادحاً ؛ فما كان ينبغي له أن يعامل "جوغلمان " بتلك الطريقة. ولو أنه تمالك نفسَه واعتذر لـ "جوغلمان " بصدق ، لربما اختلفت النتيجة...

لا لم يكن ليغير ذلك الكثير ؛ فهو كان يعلم بشأن "آني "...

فجأة ، وكأنه تذكر شيئاً ما ، قفز "بينيت " وهرع إلى الغرفةِ المجاورة. السببُ في فقدانِه السيطرةِ على أعصابِه كان أن "جوغلمان " قد ذكر "آني ". والآن ، أدرك شيئاً ما "جوغلمان " كان يعرف "آني " ويعرفُ هويتَها وظروفَهما الحالية.

اجتاحه شعورٌ خانقٌ باليأسِ المطبق. وحين فتح الباب كانت "آني " جالسةً على الكرسيِّ تشاهدُ التلفاز.

كانت تضمُّ ساقَيها إلى صدرِها ، ووجهُها يعكس هدوءاً غامضاً لا يمكن قراءتُه.

"ما الخطب ؟ " نظرت "آني " إليه ، والتقَت أعينُهما.

كان هو مفعماً بالارتباكِ والغضب ، بينما كانت هي هادئةً ، بل تكادُ تخلو من أيِّ انفعال.

بعد بضعِ دقائق ، قال "بينيت " فجأة "كان لديك دافعٌ ، أليس كذلك ؟ جئتِ إليَّ ووراءَك غاية ".

وكلما زاد في حديثِه ، ازداد يقينُه بصحةِ شكوكِه ؛ هذه الفتاةُ كانت متواطئةً مع "جوغلمان " والآخرين. غمرت حواسَه موجةٌ من الخيانةِ والغضب ، ممتزجةً بغصَّةٍ في القلب.

"لقد كنتُ طيباً معكِ إلى هذا الحد ، وتآمرتِ مع آخرين لإيذائي ". كان صوتُه يفيضُ بإحساسٍ عميقٍ باليأس. و لقد اعتقد أن هذه كانت بدايةً لحياةٍ جميلة ، يا له من أحمقَ كان!

لم تكن هذه بدايةً لشيءٍ جميل ؛ بل كانت فخّاً ومكيدة ، وقد مشى إليها وهو كمن يساقُ إلى حتفِه.

وفي مواجهةِ غضبِ "بينيت " لم تجادله الفتاة ، بل سألت بهدوء "هل ستضربني ؟ ".

كان "بينيت " في الواقعِ يعتزم فعلَ أكثرَ من مجردِ ضربِها. ومنذ أن بدآ في العيشِ معاً كان "بينيت " "يحترم " رغبةَ الفتاةِ في عدمِ المضيِّ في علاقتِهما إلى أبعدَ من ذلك.

وحتى حين كانا معاً بغيرِ ملابسَ ، حافظت الفتاةُ على حدودِها الأخيرة ، وهو أمرٌ وجدَه "بينيت " جديراً بالإعجاب. حيث كان يراه نوعاً من القوة ، ورفضاً للمساومةِ مع واقعٍ قاسٍ ، وهو أمرٌ يمكنه التعاطفُ معه.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط