سُوِيَتِ الأوضاعُ بوتيرةٍ أسرعَ بكثيرٍ مِمَّا كان مُتوقعاً.
أثناءَ السَّيرِ في أكثرِ شَوارعِ مدينةِ "سابين " ازدحاماً كان بإمكانِ المرءِ أخيراً استشعارُ أجواءِ الكآبةِ التي أعقبت الاضطرابات.
كانتِ الشوارعُ شبهَ خاوية ، ومَن تواجدَ فيها كان يَمشي مُنحنيَ الكَتفَين ، مُطأطِئَ الرأسِ ، خشيةَ أن يَجلبَ على نفسِهِ أنظارَ الجنودِ الذين يَجوبونَ المكان.
في غضونِ صباحٍ واحد ، أُحكِمَت السَّيطرةُ الفِعليةُ على أمنِ المدينة. وحتى الآن لم يَعُد ثمَّةَ أيُّ أثرٍ لجريمةٍ ظاهرة ، أو على الأقلِّ ليس في الأماكنِ التي يراها العيان.
حاولَ أحدهم استفزازَ هؤلاءِ الجنود ، جاهلاً ما حدثَ في وقتٍ مُبكرٍ من ذلك الصباح ، فانتهى به الأمرُ إلى نَيلِ ما كان يَصبو إليه.
بَعضُهم أُجبِرَ على الانبطاحِ أرضاً ، في حين لم يَنْجُ مَن لاذَ بالفِرارِ إلى مَنزلِه أيضاً ؛ إذ لم يَكتفِ الجنودُ بطَرحِهم أرضاً ، بل طالَ الأمرُ أفرادَ عائلتِهم ، لِيُحقِّقوا بذلك رغباتِهم في مَنعِهم وتأديبِهم.
ومِن سوءِ حظِّهم ، في تلك اللحظة لم يَمتلكوا الشجاعةَ ليَصدحوا بشعارِهم الصادم "مَن ذا الذي يجرؤُ على إطلاقِ النارِ عليَّ! " وإلا لَرُبَّما تَطوَّعَ أحدهم لِتلبيةِ رغبتِهم تلك.
حالياً كان الوَقتُ خارجَ سَاعاتِ الحَظر ؛ إذ يُسمحُ للناسِ بالتَّنقُّلِ المُنظَّمِ يومياً من التاسعةِ صباحاً حتى الحاديةَ عشرة ، ومِن الرابعةِ عصراً حتى السادسةِ مساءً.
يجبُ أن يكونَ الأمرُ مُنظَّماً ؛ فإذا سارَ أكثرُ من ثلاثةِ أشخاصٍ معاً ، سيَخضعونَ لاستجوابِ الجنود ، وإذا تجاوزوا الخمسة ، فمن المُرَجَّحِ أن يُجبروا على الانبطاحِ أرضاً.
احتجاجات ؟ مُظاهرات ؟ لقد انتهى كُلُّ ذلك بفضلِ تقريرٍ إخباريٍّ بَثَّتْهُ جَميعُ قنواتِ "تلفزيون مدينةِ سابين " في الثامنةِ وخمسٍ وأربعين دقيقةٍ من صباحِ اليوم.
فقد مرَّ مقترحُ عَزلِ الرئيسِ من الجَولةِ الأولى للتصويت ، وانتقلَ إلى الجَولةِ الثانية. وإذا ما أُقِرَّ في الجَولةِ الثانية ، فسيواجهُ الرئيسُ مَذلَّةَ الإطاحةِ به من القصرِ الرئاسيّ.
وقد يُصبحُ ثاني رئيسٍ في تاريخِ الاتحادِ يُطاحُ به ، مُنضمًّا إلى سلفِه ليُصبحَ أُضحوكةً تاريخية ، يَسخرُ منها الناسُ لعقود ، إن لم يكن لقرون.
ادَّعى التقريرُ أنَّ جَميعَ المعاناةِ المجتمعيةِ الحاليةِ تَنبعُ من أخطاءِ الرئيسِ ومجلسِ وُزرائِهِ في السياساتِ الداخليةِ والخارجية ، وأنَّ حملاتِ الاعتقالِ الجماعيَّةِ لمُعارضيهِ السياسيين بَثَّتِ الذُّعرَ على نطاقٍ واسع ، ما أشعلَ فتيلَ هذه الضربةِ الضخم.
بدا هذا التقريرُ بمثابةِ سُلَّمٍ للناس ، يَمنحُهم مِعذاراً عن الدمارِ المجتمعيِّ الذي لا يُمكنُ إصلاحُه ، مُلقِياً باللائمةِ كُلِّها على عاتقِ الرئيسِ ومجلسِ وزرائِه.
وفجأةً "استفاقَ " الجالسون أمامَ شاشاتِ تلفازِهم على حقيقةِ أنَّ الجُناةَ الحقيقيين هُم الرئيسُ ومجلسُ وزرائِه ؛ فلا عَجبَ أنَّهم شَعروا بأنَّهم خُدِعوا...
لقد مَنحَ هذا الأمرُ بعضَ الناسِ شعوراً كبيراً بالارتياح ، وأتاحَ لَهُم مَنفذاً لتبريرِ أفعالِهم طوالَ الشهرِ الماضي ؛ إذ تبيَّنَ أنَّ الرئيسَ هو المسؤول.
كما فَسَّرَ ذلك سببَ تحوُّلِ ضربةٍ عامٍّ لم يكن خاصاً في بدايتِه إلى موجةٍ عارمةٍ اجتاحتِ الاتحادَ بأسره ؛ فالدوائرُ الحكوميةُ العُليا كانت تتساهلُ عَمْداً مع تصرفاتِ الناس ، فقد كانوا بحاجةٍ إلى "وحدةِ الجماهير ".
لو كان الأمرُ مقتصراً على دِعايةٍ بسيطة ، لَصَعُبَ على الناسِ التوحُّدُ والوقوفُ صفًّا واحداً. و لكنَّهم الآن حقَّقوا ذلك. وسواءٌ آمنوا به حقاً أم كانوا يتوقونَ فقط لإيجادِ أعذارٍ لأفعالِهم ، فقد شَعروا جميعاً بأنَّهم مُضطرُّون للانصياعِ للتيارِ السائد.
نجحَ التقريرُ في صرفِ الانتباهِ عن يضربِ ونزاعاتِ العملِ إلى قضيَّةِ العَزل. وأصبحوا الآن يأملون في نَجاحِ عَزلِه ، ليُثبتوا أكثرَ أنَّ كُلَّ شيءٍ كان خَطأ الرئيس.
في غضونِ ذلك بدأتِ الحكوماتُ المحليةُ في تسريعِ عمليَّةِ التفاوضِ بين العُمَّالِ وأربابِ العمل. وبدأت معظمُ المناطقِ في تنفيذِ إجراءاتِ رقابةٍ صارمة ، وتَحَوَّلَ مَوقفُ مَجالسِ المدنِ تجاهَ الجمهورِ فجأةً بزاويةِ 180 درجة ، ما تَرَكَ بعضَ الناسِ في حالةٍ من الذُّهول.
كان الأمرُ يُشبهُ أُمًّا دأبت على التسامحِ مع أطفالِها ، وظلَّت صبورةً رغمَ شقاوتِهم حتى إذا تمادَوا في غَيِّهم ، صَفَعَتْهم صَفعةً طَرَحَتْهم أرضاً.
سَيَبكي الأطفالُ من شدَّةِ الألم ، لكنَّهم سيتعلمون أيضاً معنى الاحترامِ من تلك الصَّفعة ، وذلك حتى يَنسوا الألمَ فيعودوا إلى مَشاكِلِهم من جديد.
"أين ذهبَ المُشرَّدون ؟ " لاحظ "لينش " أنَّ الشوارعَ كانت نظيفةً بشكلٍ غيرِ معتاد ، دونَ وجودِ أيِّ مُشرَّد. بدا هذا أمراً غريباً على الاتحاد ، حيث يُعدُّ المُشرَّدون جُزءاً من النسيجِ الاجتماعيِّ لاتحادِ "بيلور ". وغيابُهم المفاجئُ بدا مُريباً.
أوضحَ رقيبُ الطاقمِ قائلاً "لقد جُمِعوا في إطارِ إدارةٍ مُوحَّدة ؛ إنَّهم يتمتَّعون بحريَّةٍ نسبية ، لكنَّهم الآن تحتَ رقابةٍ معيَّنة ".
أومأ "لينش " برأسِه "أفهمُ ذلك لا حاجةَ لمزيدٍ من الشرح ".
توقَّفَ الرقيبُ عن الكلام ؛ فمُبرِّرُهُ كان يهدفُ إلى مَنعِ "لينش " من النَّظرِ إلى الجيشِ كقوَّةٍ قاسيةٍ أو غيرِ إنسانية.
في ظلِّ الأحكامِ العُرفيَّة كان المُشرَّدون غالباً أولَ مَن يَكتوي بنيرانِها ؛ إذ يُحشرونَ في مناطقَ مُحدَّدة ، ويُجرَّدونَ من مُمتلكاتِهم ، كصناديقِ الكرتونِ وما شابهَ من أغراضٍ قد تكونُ عديمةَ القيمةِ لكنَّها مفيدة.
كان فحصُ هذه الأغراضِ للتأكُّدِ من سَلامتِها يَتطلَّبُ قُوىً عامِلةً يفتقرُ إليها الجيشُ ، لذا كان الحَلُّ الأمثلُ هو التخلُّصَ من كُلِّ شيء. ولن يُعترضَ المُشرَّدون ؛ ففي نهايةِ المطاف ، لن يَقِفَ أحدٌ مُتحدِّياً أمامَ فُوَّهةِ بندقية.
ناهيكَ عن أنَّ المُشرَّدين ، بصفتِهم جُزءاً ضِمنيًّا من المجتمع ، يمكنُ أن يختفوا دونَ أن يُثيرَ ذلك الكثيرَ من الضَّجيجِ أو الاحتجاج.
اليومَ كان موعدُ الجولةِ الثانيةِ من المفاوضات. ولعدمِ وجودِ ما يَقومُ به ، قرَّرَ "لينش " الحُضور.
لم يكن مُمكِناً إقامةُ المَزادِ حالياً ؛ إذ لن تُوافقَ مَجلِسُ المدينةِ على مثلِ هذا الطلب. إضافةً إلى أنَّ أعدادَ المُتجمهرين كانت كبيرة ، وفي هذه الفترةِ الحساسة ، أيُّ خطأٍ قد يَتحوَّلُ إلى حادثةٍ سياسية. ومن أجلِ الاستقرار ، وجَبَ تأجيلُ كُلِّ شيءٍ آخر.
وبما أنَّه لا شيءَ آخَر يُشغلُه ، قرَّرَ حضورَ التفاوضِ كمراقب ؛ فهو في النهايةِ رأسماليٌّ معروفٌ إلى حَدٍّ ما.
عندَ وصولِه لم يكن لـ "لينش " مَقعدٌ مُخصَّص ، فجلسَ عندَ حافةِ القاعة ، وهو مكانٌ مُناسب. لن يَنتبهَ الناسُ كثيراً لشابٍّ في الزاوية ، لكنَّ "لينش " كان بإمكانِه رؤيةُ مُعظمِ مَن تحتَ الأضواءِ والتعرُّفِ عليهم من خلالِ بطاقاتِ أسمائِهم.
منذُ البداية كانتِ المفاوضاتُ مُتوتِّرة. وعلى الرغمِ من توقُّفِ العُمَّالِ عن إثارةِ المشاكل ، ظلَّتِ القضايا العالقةُ تُؤثِّرُ على مَوقفِهم في التفاوض.
ولتسريعِ الحَل ، أرسلت نقابةُ العُمَّالِ عِدَّةَ مُمثِّلين للوساطةِ بين العُمَّالِ وأربابِ العمل.
ومع تفهُّمِهم لموقفِ السُّلطات ، هَدَفوا إلى إعادةِ الأمورِ إلى مَجراها الطبيعيّ.
في هذا التفاوض ، خَفَّفَ مُمثِّلو العُمَّالِ من شُروطِهم قليلاً مُقارنةً بالمَرَّةِ السابقة. حيث كانوا مُستعدِّينَ للموافقةِ على مَطلبِ أربابِ العملِ بالعملِ بِنظامِ الدوامِ الكامل ، أي ستينَ ساعةً في الأسبوع ، مع يومِ عُطلةٍ في نهايةِ الأسبوع ، وعشرِ ساعاتِ عملٍ يومياً.
كانت هذه مُدَّةَ عملٍ مُعتدلةً نسبياً ، ففي أماكنَ أخرى ، ما زالوا يفرضونَ اثنتي عَشرةَ ساعةً يومياً ، أي اثنتينِ وسبعينَ ساعةً أسبوعياً.
ومع ذلك كان يجبُ رفعُ الأجورِ بنسبةِ 4.5% ، وهو مَعدلٌ مَقبولٌ للطرفين.
لا تزالُ هناك صراعاتٌ كثيرةٌ لم تُحلَّ بشأنِ مَزايا الرعايةِ الاجتماعية. ومع ذلك فإنَّ إحرازَ بعضِ التقدُّمِ يُعدُّ إشارةً طيِّبة ؛ فعلى الأقلِّ حَلُّوا جُزءاً من القضايا. ورُبَّما في المَرَّةِ القادمة ، أو التي تليها ، وبعدَ أن يَعودَ الجميعُ ويُناقشوا الأمرَ بهدوء ، سيُقدِّمُ أحدهم بَعضَ التنازلات.
ففي النهاية ، التفاوضُ ليس إلَّا عمليَّةً لتقديمِ تنازلاتٍ متبادلةٍ خطوةً بخطوة ، وصولاً إلى اتفاقٍ مَقبولٍ للطرفين.
ما أدهشَ "لينش " هو إدراجُ أمرٍ لا صِلةَ له بالعملِ أو العُمَّالِ في هذا التفاوض.
بعدَ معالجةِ القضايا الكبرى كان العُمدةُ على وَشكِ اختتامِ الاجتماعِ الهامِّ غيرِ الحاسِم ، حين تنحنحَ مُمثِّلُ النقابة ، جالباً الأنظارَ إليه.
قال المُمثِّلُ بِنبرةٍ جادَّة "سيادةَ العُمدة ، لديَّ مَطلبٌ آخَر ، لا صلةَ له بأربابِ العمل ، لكنَّه يخصُّك ".
"أنا ؟ " نَظرَ العُمدةُ إلى المُمثِّلِ من خلفِ نظَّارتِه. حتى أنَّه خَلعَها تماماً ، مَاسِحاً عَينَيه وهو يسأل "حسناً ، إذاً لِنُمدِّدِ النقاشَ لفترةٍ وجيزة. و أنا متأكدٌ أنَّه سيكونُ أسرعَ من نِقاشاتِكم ".
أدركَ المُمثِّلُ أنَّ العُمدةَ يستهزئُ بتكتيكِهم في المُماطلةِ بالقضايا التافهة. وفي الواقع كانت هذه استراتيجيةً تهدفُ أيضاً إلى جَعلِ الرأسماليين يَفهمون أنَّ تسويةَ الأمورِ بمجردِ أن يبدأَ العُمَّالُ في إثارةِ المشاكلِ لن يكونَ بالأمرِ الهَيِّن.
وبمجرَّدِ أن يَفهموا ذلك سيصبحُ التعاملُ مع القضايا أسهلَ إلى حَدٍّ ما في المستقبل.
ابتسمَ المُمثِّلُ بتهذيبٍ وقال "عذراً على استهلاكِ الكثيرِ من الوقت. و هذا المطلبُ يأتي من مُعظمِ العُمَّالِ العاديين ".
قاطَعَهُ أحدهم قائلاً "لقد قلتَ الشيءَ نَفْسَهُ عندما كنتَ تُثيرُ المتاعب " مُتسبباً في ضحكاتٍ ساخرةٍ ومُتراخيةٍ من قِبَلِ بعضِ الرأسماليين.
لم يَتأثَّرِ المُمثِّلُ بالملاحظة ، ولم يَشعرْ بالإهانةِ أو الإحراج. ففي الواقع ، وإلى حَدٍّ ما ، هو نفسُه لا يَنتمي لطبقةِ العُمَّال ؛ بل يَنتمي لطبقةٍ أعلى منهم. و كما أنَّه لا يُصنِّفُ نفسَه ضِمنَ الطبقةِ العاملة ، لذا لم يكن حَسَّاساً لتلك الملاحظةِ أو للضحكاتِ غيرِ المهذبةِ التي أثارتْها.
ومع ذلك كان عليه أن يُحذِّرَهم "الكثيرُ من عُمَّالِنا حالياً غيرُ قادرينَ على العملِ أو فَقَدوا وظائفَهم. و من الصعبِ عليهم الحفاظُ على حياةٍ أسريةٍ طبيعية. وعلاوةً على ذلك وكما نَعلمُ جميعاً ، توقَّفت مَجلِسُ المدينةِ عن إصدارِ قسائمِ الطعامِ مُنذُ فترة. نأملُ أن تُستأنفَ عَمَلِيَّاتُ توزيعِ واستبدالِ قسائمِ الطعامِ في أقربِ وقتٍ ممكن ".