الفصل 111:
أدار حراس السجن الذين كانوا قد ودعوا لتوهم المدير جونسون والسيدة مايكل وابنها ، أبصارهم بعيداً عن السيارة المغادرة ، ثم أغلقوا بوابات السجن. و قال أحدهم مازحاً "هل رأيت ذلك ؟ تلك هي سطوة الأثرياء ؛ لا يكاد الفتى يدخل حتى يُخلى سبيله ، أما زوجته فهي من فرط صغر سنها تكاد تكون في عمر ابنته... "
قهقه زميله وهو يهز رأسه ، مفضلاً الصمت وعدم الخوض في الحديث. فهم ، كحراس سجن ، غالباً ما يشهدون مشاهد لا يراها عامة الناس أبداً.
بالنسبة للبعض ، أصبح دخول السجن والخروج منه بعد فترة وجيزة أمراً روتينياً تقريباً.
بل إن بعضهم كان يصل في أبهةٍ تجعلهم لا يبدون وكأنهم أتوا لقضاء عقوبة ، بل لتلقي التبجيل من فئة معينة ، وقد نالوا ذلك بالفعل.
وكانت مغادرتهم تتم بالقدر ذاته من الفخامة ، حيث تنتظرهم خارج بوابات السجن مواكب لا تقل عن اثنتي عشرة سيارة ، إن لم تكن أكثر ، لاستقبالهم.
في هذا المكان لم يكن من النادر رؤية مشاهير محليين يتعرضون للضرب من قبل مجموعة كانوا يزددرونهم يوماً ما ، وهم يتوسلون الرحمة بينما يتوالى عليهم الاعتداء.
والبعض الآخر ، رغم صدور أحكام ضدهم لم يقتصر الأمر على تمتعهم بحرية الوصول إلى مكتب المأمور ، بل كانوا يدخلون السجن ويخرجون منه متى شاؤوا.
وأحياناً كان هؤلاء الحراس ، بما في ذلك الموظفون ، يهربون النساء إلى الداخل ؛ فلطالما وجد من يستطيع تحويل السجن إلى فندق.
وبعد مشاهدة كل هذا لم يعد هناك شيء يثير الاستغراب. فهل كان زواج رجل في الخمسين أو الستين من عمره بامرأة في الثلاثين وإنجابه منها ولداً مراهقاً أمراً مبالغاً فيه ؟ على الإطلاق ؛ بل لم يكن حتى غريباً كبعض الأحداث التي تقع داخل جدران السجن.
وفي غضون ذلك وبعد تناول الإفطار ، توجه لين تشي إلى مبنى البلدية برفقة فيرال لاستلام نادٍ رياضي محترف ، بهدف إحياء الروح الرياضية في مدينة سابين. ولو كان الأمر مقتصراً على استغلال الصالة الرياضية للمدينة ، لما تكبد لين تشي عناء تحمل مثل هذه المسؤولية.
كان يدرك جيداً التحديات والاستثمارات اللازمة لإدارة نشاط رياضي محترف ، وهو أمر قد تعجز عنه حتى التكتلات الاقتصادية الأفقر حالاً ، ناهيك عنه.
ومع ذلك هناك طرق للعب حتى بالنسبة لأقل الناس ثراءً. و لقد اختار أن يلعب بذكاء ، ولم يكن هدفه محصوراً في حقوق استخدام الصالة الرياضية ، بل كان يسعى لتوسيع نفوذه أيضاً.
لقد رسم صورة عظيمة أمام العمدة ، وبطبيعة الحال كان العمدة ومبنى البلدية بحاجة إلى إطار كبير بما يكفي لاحتواء هذه الصورة.
كان الأمر أشبه برسمه الأحلام لريتشارد ورفاقه ؛ إذ يجب على المرء أولاً أن يمتلك القدرة ليحظى بفرصة رؤية الأحلام التي يرسمها ، فبدون تلك القدرة ، لا سبيل لرؤيتها.
قد يبدو رسم الأحلام مهارة لغوية خداعية من طرف واحد ، لكنه في الواقع شكل من أشكال المعاملات ؛ إنه بيع للأحلام.
وشراء الأحلام له ثمن ، سواء كان جهداً بدنياً بسيطاً أو قطعة أرض.
بعد فترة وجيزة من وصوله إلى مبنى البلدية ، غادر العمدة على عجل بعد لقاء مقتضب مع لين تشي ؛ فقد كان غارقاً في مهام غير منجزة مؤخراً.
دخل لين تشي وفيرال إلى مكتب العمدة ، وبوجود فيرال -وهو وجه مألوف- إلى جانبه لم يجرؤ أحد على اعتراض طريقهما.
أخيراً ، وقف لين تشي أمام خريطة كبيرة ؛ قد تكون غير مفهومة لعامة الناس ، فهي ليست كخرائط الكتب المدرسية الجغرافية التي يمكن للمرء إدراك جوهرها بنظرة خاطفة.
لقد كانت خريطة تخطيط تنموي ، توضح الأجزاء المبنية بالفعل ، وما هو قيد الإنشاء ، وما هو مخطط له.
كانت المربعات والخطوط تملأ الخريطة ، وإذا لم يكن المرء على دراية بها ، فقد يعجز حتى الناس العاديون عن تحديد مواقع منازلهم.
وقف لين تشي أمام الخريطة لبرهة ، ثم أشار إلى أرض فضاء مجاورة لجنوب شرق المدينة "ما رأيكم بهذا الموقع ؟ "
هز فيرال رأسه "لا توجد لدينا حالياً أي خطط مستقبلية للتطوير في منطقة الجنوب الشرقي. الجنوب الغربي سيكون أفضل. "
تقع مدينة سابين في الجزء الجنوبي من المنطقة الوسطى الجنوبية لاتحاد بايلور ، ويبلغ عدد سكانها 800 ألف نسمة ، مما يجعلها رابع أكبر مدينة في الولاية.
عادة ما تتبع خطط التنمية الحضرية عدة مبادئ: الخصائص الاقتصادية المحلية ، السياحة ، الصناعات الخفيفة والثقيلة ، مخرجات العمالة ، إلخ.
باختصار ، يجب أن تدور التنمية حول محور رئيسي. وبالنسبة لمدينة سابين كان المحور هو تطوير الصناعات الخفيفة. أما عن سبب التركيز على هذه الصناعة ، فتلك قضية تتعلق بحكومة الولاية.
فتطوير الصناعات الثقيلة يتطلب صناعات داعمة شاملة ، وهو ما لا يستطيع تعداد سكان مدينة سابين تحمله ، فضلاً عن أنه لا يوجد نقطة انطلاق مناسبة للصناعة الثقيلة. لذا كان تطوير الصناعة الخفيفة خياراً جيداً.
وبالتالي كان من الطبيعي أن تخدم اتجاهات التنمية الحضرية المحلية الصناعات الركيزة في المدينة. وبعبارة أخرى كان تطوير المدينة يهدف بشكل أساسي إلى خدمة مؤسساتها الركيزة.
منذ وقت ليس ببعيد ، قبل حوالي عامين ، أصدرتية مدينة سابين إخطاراً لإعادة التطوير.
ولتجنب الاضطرابات الناجمة عن دخول القطارات إلى المنطقة الحضرية ومغادرتها ، واستجابة لبعض الشكاوى ، قامت البلدية بنقل محطة القطار من وسط المدينة إلى الجنوب الغربي.
بدا الأمر وكأنه لمصلحة الناس ، لكن في الواقع كانت بعض الشركات التي تتمركز حول مجموعة "ليستون " قد استحوذت بالفعل على مساحات شاسعة من الأراضي في جنوب غرب مدينة سابين لتطوير البنية التحتية.
كان نقل محطة القطار يهدف في جوهره إلى خدمة هذه الصناعات الركيزة ، لتسهيل نقل البضائع بشكل أسرع أو الوصول المباشر إلى مستودعاتها دون الحاجة إلى وسائل نقل وسيطة.
اقترح فيرال على لين تشي الحصول على أرض في الجنوب الغربي لإنشاء ناديه. ففي نهاية المطاف ، لا يهم أين سيُبنى ، فلماذا لا يختار موقعاً واعداً ؟
حتى لو أراد لين تشي بيعه لاحقاً ، فإن قيمة الأرض التي سيُقام عليها النادي ستظل كبيرة.
إن أمانة فيرال وحرصه على مصلحة لين تشي نابعان من دوره كمستشار للسياسات لديه. وبما أنه يتلقى أجراً من لين تشي ، فمن الطبيعي أن يضع مصالح موكله في الحسبان.
بالإضافة إلى ذلك كان يأمل أن يتمكن لين تشي من مساعدته إذا سنحت الفرصة في المستقبل.
أثارت كلماته فضول لين تشي ، وبعد تفكير لم يملك إلا أن يسأل "كم مساحة الأرض التي يمكنني الحصول عليها إذا بنيت النادي في الجنوب الغربي ؟ "
حسب فيرال ذلك قائلاً "حوالي 6 إلى 8 فدادين ، أي مساحة أكثر من ذلك ستكون صعبة. "
بمجرد أن تصل المنطقة الصناعية إلى كثافة عالية ، تستمر المصانع اللاحقة في التوسع حول هذه المنطقة المكتظة لتوفير التكاليف ، مما يشكل وحدة صناعية ذات ميزات متبادلة.
إذ لن تحتاج البضائع من مصنع ما إلى تحميلها على الشاحنات ؛ إذ يمكن للعمال ببساطة دفع عربات اليد لتوصيلها إلى ورشة المصنع التالي ، مما يوفر مبالغ لا حصر لها من المال.
لذا فإن الحصول على أرض في هذه المنطقة ليس بالأمر السهل. ومع ذلك كان لين تشي والعمدة ما زالان في "شهر عسلهما " السياسي ؛ وإذا طلب لين تشي ذلك فمن المرجح أن العمدة لن يرفض.
ابتسم لين تشي ابتسامة خفيفة وأعاد بصره إلى الجنوب الشرقي "ماذا لو بنيته هنا ؟ "
رد فيرال على الفور تقريباً دون تردد "لا توجد أي قيود... "
إن منطقة لا تندرج ضمن الخطط التنموية للسنوات الخمس أو العشر القادمة ليست في نظر الحكام الحاليين سوى مكب نفايات.
ففي غضون خمس أو عشر سنوات أو أكثر ، لن يكونوا في السلطة. وأي مشكلات ستصبح مجرد إرث تاريخي ، يتركون لمن يأتي بعدهم التعامل معه. وإذا كانوا قادرين ، فسيحلونها ، وإن لم يكونوا كذلك فهناك دائماً ما يكفي من الأعذار لتهدئة الناس.
ولهذا السبب تجرأ فيرال على الوعد بلا حدود ، مستخدماً عبارة "لا توجد قيود " رداً على لين تشي.
بالنظر إلى الأرض التي تبدو لا نهاية لها خارج المدينة الصغيرة ، ربما لم يدرك الناس بعد مشكلة حاسمة ؛ فمع انحسار الحروب ، بات الانفجار السكاني وشيكاً.
وحتى لو لم يشارك اتحاد بايلور في الحرب ، فإن السلام والأزمات المالية سيؤديان بلا شك إلى موجة جديدة من الانفجار السكاني.
وبحلول ذلك الوقت ، لن تستطيع قيود تخطيط المدينة الحالية احتواء توسع مدينة سابين ؛ إذ ستسعى للتوسع نحو الخارج ، مما سيؤدي حتماً إلى التهام الأراضي الفضاء خارج حدود المدينة.