Switch Mode

نقطة الصفر في نهاية العالم: رفض مغادرة المنزل 2

ليس لأحد +


الفصل الثاني: ليست لأحدٍ غيري

استيقظتُ ، وكان أول ما تبادر إلى ذهني هو... لِمَ لا أشعر بألمٍ أشد ؟

بقيت عيناي مغلقتين بينما كانت يقظتي تشق طريقها ببطء عبر طبقات من العدم ، وكانت فكرتي الأولى أنني ينبغي أن أكون في حالةٍ من الألم أشد وطأة ؛ فلطالما أدركتُ أن عظامي قد تهشمت ، وأن جلدي قد تَمزق ، وأن دمائي قد تجمعت في أماكن لا ينبغي للدم أن يتجمع فيها.

ولكن لم يكن هناك شيء.

لا وخزات حادة في أضلاعي حيث كانت الحجارة قد هشمتها ، ولا نبضات مؤلمة في جمجمتي حيث تسببت الضربة الأخيرة في تهشمها ، بل مجرد هذا الغياب الغريب للألم الذي بدا خاطئاً بطريقةٍ عجزت عن التعبير عنها.

هل يُعقل أنني قد نجوت حقاً ؟ أكان ذلك ممكناً أصلاً ؟

كانت الفكرة من السخف بمكانٍ جعلني أكاد أضحك. ولو أنني فعلت ، لكان ذلك تطلباً لجهدٍ لم أكن مستعدةً لبذله بعد.

يقال "الأعمار بيد الاله " ويبدو أنني قد ارتطمتُ بحافلةٍ مليئة بالراهبات في حياةٍ سابقة لأحظى بهذا القدر من سوء الطالع الذي أعيشه الآن ؛ ولو كان قانون "الكارما " حقيقياً ، لخلدتُ في هذه الحياة نكايةً في القدر فحسب.

تحركت يداي دون أن آمرهما ، ممتدتين لتستندا إلى أي سطحٍ كنتُ أرقد عليه.

وبدلاً من الخرسانة أو التراب أو الخشب المتشظي لأي مأوى كنتُ قد اتخذته سكناً لي ، غاصت أصابعي في شيءٍ باردٍ وناعمٍ بشكلٍ يستحيل تصديقه.

إنه قماش.

قماشٌ حريريٌ ناعمٌ حقيقيٌ ينساب تحت كفيّ كالماء. إنه ملمسٌ لم أعهده من قبل ، لا قبل حلول الكارثة في حياتي البائسة في الأحياء الفقيرة ، ولا طيلة السنوات العشر التي تلتها ؛ فلم يكن أحدٌ يضيع الموارد على الرفاهية حين كان بوسعهم استغلالها لتجنب الموت جوعاً.

استنشقتُ الهواء من خلال أنفي بدافع الغريزة ؛ أتحسسُ التهديدات ، أو رائحة الدخان ، أو رائحة التعفن الحلوة التي كان الزومبي يتركونها خلفهم في "شييونغبو " فإذا بي أستنشقُ عطر الخزامى والفانيليا. روائح نظيفة ، روائح فارهة ؛ من ذلك النوع الذي كان الأثرياء يهدرون عليه أموالهم قبل أن ينتهي العالم ، ويدرك الجميع أن طيب الرائحة لن يبقيك على قيد الحياة.

استجمعتُ قواي وفتحتُ عيناً واحدة.

كانت مظلةٌ من الحرير الأبيض تمتد فوقي ، تلتقط ضوء الشمس وتشتته في أنماطٍ ناعمة عبر قماشٍ ناصع البياض لدرجة تبدو معها وكأن أحداً لم يلمسه قط... وكأنها موجودة في واقعٍ موازٍ لا يترك فيه الغبار ، والدماء ، وصراع البقاء بصماته على كل شيء.

رمشتُ بعيني ، موقنةً بأنني إما فارقت الحياة أو فقدت صوابي ، لكن المظلة لم تختفِ ، وكذلك الضوء ؛ الدافئ والذهبي المنبعث من مكانٍ ما إلى يساري بطريقةٍ توحي بوجود نوافذ حقيقية ذات زجاجٍ حقيقي ، ليس مكسوراً أو مغطىً بالألواح.

فتحتُ العين الأخرى وجلستُ.

كانت الغرفة التي اتضحت ملامحها حولي فاحشةً في نظافتها ؛ ليست مجرد نظافةٍ عادية ، بل طهارةٌ بدت كإهانةٍ شخصية لكل سطحٍ خشنٍ نمتُ عليه طيلة العقد الماضي.

كانت الجدران أرجوانية اللون و كلون تلك الزهور العبثية التي كانت تنمو في الحدائق قبل أن يدركوا أن الزهور لا تملأ البطون ولا توقف الزومبي. وعندما رفعتُ بصري لم تفتني تيجان الجدران البيضاء التي لم تكن مشروخةً أو مكسورةً أو مُثبتةً بشريطٍ لاصقٍ والدعوات. لوحاتٌ داخل إطاراتٍ حقيقية ؛ رسومٌ مائية لزهورٍ أخرى ، رقيقةٌ وعديمة الجدوى وسليمةٌ تماماً.

كان الأرضية خشبيةً ، مصقولةً بلمعانٍ يعكس ضوء الشمس المتسلل عبر النوافذ الممتدة من الأرض إلى السقف ، والتي تغطيها ستائر بيضاء شفافة تتحرك قليلاً مع نسمات هواءٍ قادمٍ من فتحة تكييف.

تكييف هواء.

لم أشعر بتكييف الهواء منذ عشر سنوات ، ولم أفكر فيه حتى ؛ لأن التفكير فيما لا يمكنك امتلاكه هو إهدارٌ لطاقةٍ ذهنية كان من الأجدر استغلالها في محاولة عدم الموت.

كانت سجادةٌ كريمية اللون وفخمة تغطي جزءاً من الأرضية ، سميكةٌ لدرجة أن قدمي ستغوصان فيها لو وقفت. استقرت منضدة الزينة بجانب أحد الجدران ، مغطاةً بزجاجاتٍ وعبواتٍ لم أتعرف عليها ؛ عطورٌ ربما ، أو مستحضرات تجميل ، من ذلك النوع من الأشياء التافهة التي لم أملك يوماً ثمنها حتى قبل أن ينتهي العالم.

في الزاوية ، وقفت خزانةٌ من الخشب الداكن ذات مقابض نحاسية بدت مصقولةً حديثاً ، وراودتني فكرةٌ سخيفة بأن أحدهم قضى وقتاً فعلياً في صقل المقابض النحاسية بينما كان العالم ينهار.

كل شيءٍ كان سليماً. لا شيء مكسور. لا شيء مُثبتاً بالأسلاك أو بالأمل أو ببراعة اليائسين ممن لا يملكون ترف التفريط في أي شيء.

لا بد أن هذا مستوى جديد من الجحيم لم أعهده من قبل ، فلا يوجد تفسيرٌ آخر.

نظرتُ إلى يديّ ، اللتين كانتا لا تزالان تقبضان على اللحاف الذي يبدو أنني كنتُ أنام تحته ، وشعرتُ بشيءٍ باردٍ يستقر في صدري.

هذه لم تكن يداي.

كانت يداي مليئةً بآثار العمل الشاق ؛ تندباتٌ سميكة على كفيّ من تسلق الأسوار وقبض الأشياء التي كنتُ أستخدمها كأسلحة. وكانت هناك بقعٌ خشنة على أصابعي من عملٍ لم يتوقف قط.

كانت هناك ندوبٌ تغطي مفاصل أصابعي من معارك ربحتها ، وأخرى بالكاد نجوتُ منها.

بدلاً من ذلك كانت هذه اليدان شاحبين ؛ بيضاوان تقريباً كلون الشراشف التي أقبض عليها ، بجلدٍ ناعمٍ لم يرَ يوماً عملاً شاقاً. حيث كانت الأظافر مثاليةً ، مقلمةً ومطليةً بلونٍ ورديٍ ناعمٍ وكأن أحدهم جلس فعلاً ليعتني بها بدقة ، وكأن ذلك استخدامٌ معقولٌ للوقت والموارد.

لا أثر للغبار ، لا ندوب ، لا تندبات. و مجرد يدين ناعمتين عديمتي الفائدة ، ستصابان بالبثور والنزيف في أول محاولة للقيام بأي عملٍ عملي.

سقطت خصلةٌ من الشعر على وجهي بينما كنتُ أحدق فيهما ؛ خصلةٌ سوداء وحريرية وطويلةٌ جداً ، فرفعتُ يدي لألتقطها بين أصابعي مع شعورٍ متصاعدٍ بالخطأ ، بدأ يتبلور سريعاً ليتحول إلى ما يشبه الرعب.

كان شعري قصيراً ، قصة "بيكسي " بالغة القصر كي لا يجد أحدٌ شيئاً يمسكني منه في قتال ، ولأنه لم يكن هناك شيءٌ أهدر عليه الوقت أو الماء للعناية به.

حافظتُ على هذه القصة منذ أن كنتُ في الرابعة عشرة ، حين أدركتُ أن الشعر الطويل عِبءٌ لا أستطيع تحمل تبعاته ، ونقطة ضعفٍ قد تودي بحياتي إذا وقع في أيدي أحدهم.

لكن هذا الشعر كان ينسدل متجاوزاً كتفيّ وصولاً إلى أسفل ظهري ، موجاتٌ ناعمةٌ نتجت عن البلسم والعناية وكل تلك الأشياء التي فقدتُ الوصول إليها منذ عقدٍ من الزمن.

هذا الشعر سيودي بحياتي في أي قتال. طويلٌ جداً ، سهلُ الإمساك ، وغير عمليٍ بالمرة.

رفعتُ نظري فوجدتُ مرآةً كاملةً مقابلةً للسرير تماماً ، مؤطرةً بالفضة التي التقطت ضوء الشمس وعكسته في ومضاتٍ حادة ، والمرأة التي كانت تحدق بي من الداخل... لم تكن أنا.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط