لم تكن "أديتي " تعلم أن صديقتها قد تُركت مكسورة الخاطر ومنفطرة الفؤاد بعد دقائق قليلة من افتراقهما ؛ إذ واصلت هي بكل بساطة تجوالها في الأزقة ، تختلس النظر في وجوه كل من تمر بهم ، وتمد يد العون لمن طلب المساعدة.
كان هذا المشهد على نقيض تام لما كان عليه الوضع قبل الحرب ؛ فقبل أن تُخدع وتُساق للخدمة قسراً كانت مواطنة عادية هي الأخرى. و في ذلك الوقت ، ورغم وجود الآلاف في ذلك الإقليم إلا أنهم كانوا إما منشغلين بجمع الإمدادات والموارد لبيعها خارج الحدود ، أو مختبئين داخل منازلهم ، يرتعدون خوفاً من أن تستهدفهم الحراس الذين كانوا يجوبون الشوارع.
أما الآن ، فقد ملأ الضجيجُ الأرجاء ؛ فبين أناس يتبادلون أطراف الحديث ، والآخرين يبحثون عن ذويهم وينادونهم بأعلى أصواتهم ، وجدت نفسها محاطة بضوضاء صاخبة لم تعهدها منذ وقوع "الكارثة ". لقد تحولت قرية "فارغو " جوهرياً إلى ما يشبه السوق المفتوح خارج العيادة ومركز القرية ، وللحقيقة ، وجدت "أديتي " في هذا الصخب شيئاً من الطمأنينة.
"أديتي! " صرخ صوتٌ ما ، فالتفتت برأسها بسرعة نحو مصدره. حيث كان الزحام شديداً والأصوات متداخلة ، مما جعلها تشك لبرهة في أنها تتوهم سماع اسمها.
"أديتي!!! " نادى الصوتُ ثانية ، وهذه المرة كان أقرب ، ورأت بعض الناس يفسحون الطريق لشخص ما. وبعد صرخة أخرى ، ظهر رجل أسمر البشرة بلون القهوة.
صاحت قائلة "أخي ؟! " ثم هرعت للقائه ، وانفجرت في بكاء مرير بمجرد أن أصبحت في متناول ذراعيه "أخي!!! ".
ابتسم الرجل وهو يغالب دموعه في آن واحد ، وضم أخته الصغرى إلى صدره بقوة. حيث كان هذا "راج " المسؤول المالي والمصرفي في "أنسيل ". لقد ذهب هو وشقيقه للحرب ضمن فريقه أيضاً ، وكان يساهم في عمليات التطهير وإزالة آثار الحرب.
سألته بلهفة "هل تعلم ما حل بعائلتنا ؟ ".
تنهد "راج " وهز رأسه نفياً "لا نعرف أين والدينا " ورغم أن حدسه كان يهمس له بأنهما قد رحلا عن الوجود إلا أنه ظل متمسكاً ببارقة أمل في كونهما بخير ، ثم أضاف "لكن راميل معي ".
رمشت "أديتي " بعينيها وهي تلتفت فى الجوار تبحث عنه ، فابتسم "راج " وهز رأسه قائلاً "راميل في ألتيرا الآن ".
لقد أصيب "راميل " في المعركة ، وبما أن عدد الجرحى في جانب "فارغو " كان كبيراً جداً ، فضل "الألتيريون " تلقي العلاج في "ألتيرا ". كما أن "بيتي " كانت هناك ، ولن تُنقل لمساعدة مواطني "فارغو " إلا بعد استقرار حالات الدفعة الأولى من جرحى "ألتيرا ".
في الواقع ، أراد "راج " أن يحمل شقيقه ، لكن الأخير أصر على بقائه ؛ فهذا المكان لم يستكشفوه بعد وهو يعج بأناس جدد ، فماذا لو عثروا على بقية عائلتهم ؟
وقد فعلها حقاً! لقد كان شقيقه الأكبر ذكياً وبعيد النظر!
قال "راج " وهو يمسك بيد الفتاة "تعالي ، لدينا الكثير لنتحدث بشأنه! "....
بالقرب من العيادة كانت "فيفيان " تراقب من بعيد مشاهد اللقاءات ولم الشمل المتعددة. ما يحدث الآن هو تلاقي ثلاثة أقاليم ، وكان من الحتمي أن تنهمر الأخبار السارة. و لكن "فيفيان " اكتفت بالتحديق بشرود في العبيد الذين يتلقون العلاج أمام العيادة. حيث كانت تدرك أنها لن تجد زوجها هناك... لكنها أرادت الرؤية لتتمسك بخيط رفيع من رشدها.
ومع مرور الوقت ، ازداد عدد الذين عثروا على عائلاتهم ، مما أثار في نفسها مشاعر معقدة ومريرة. كل هؤلاء الناس التقت عائلاتهم ، فلماذا لا تلتقي هي بعائلتها ؟ غيرها يجد عدة أفراد من أسرته ، بينما هي ، فُجعَت في الشخص الوحيد الذي تملكه.
لم يكن في عائلتهما سواها هي وزوجها ؛ فكلاهما يتيمان تربيا معاً لدى أقاربهما في الريف ، ونشآ وهما لا يملكان في الدنيا سوى بعضهما البعض. طوال هذا الوقت ، صمدت "فيفيان " وهي تمني النفس بلقائه يوماً ما ، ولكن ماذا عساها تفعل الآن واحتمال فقدانه للأبد يلوح في الأفق ؟
لطالما كانت "فيفيان " امرأة قوية وعاملة طموحة ، ولكن الآن ، وبعد أن غاب حب حياتها لم تستطع منع نفسها من مراجعة خياراتها السابقة. حيث كان ينبغي لها أن تقضي وقتاً أطول معه ، ولم يكن يجدر بها تفويت كل تلك الذكرى السنوية لزواجهما في سبيل مطاردة السَبق الصحفي. حيث كان عليها أن تمنحه الطفل الذي كان يتمناه بشدة ، لكنها لم تفعل ، لأنها كانت مشغولة بمطاردة طموحاتها الخاصة.
حتى أنها جعلته ينتقل إلى المدينة معها ، رغم أن شغفه ومواهبه كانت متجذرة بوضوح في مزرعته في الأرياف ، حيث كان يعتني بأعشابه الثمينة. و لقد رأت كم كان يحب تلك الحديقة الصغيرة التي صنعاها في الشرفة ، ولكن ماذا كان بوسعها أن تفعل ؟ كان شغفها في المدينة ، واكتفت هي بتقديم الاعتذارات ووعود كثيرة عجزت عن الوفاء ببعضها ، بينما تفرغ هو لترك كل شيء خلف ظهره من أجلها.
همست وهي لا تزال تتشبث بالمعجزات "يا إلهي ، إن جعلتني أستعيد زوجي ، أعدك بأن أكون زوجة أفضل له. حتى لو... كرهني بعد كل ما حدث ، سأفعل كل ما بوسعي لأمنحه حياة أفضل—حتى لو لم تكن... بجانبي ". كل ما كانت تريده هو أن يكون حياً وبخير.
ومع هذه الفكرة ، قررت الذهاب والبحث في أماكن أخرى ، ومضت في طريقها حتى ناداها صوت مألوف.
"آنسة فيفيان! أخيراً وجدتكِ! ".
كان "كايل " يركض نحوها وهو يلهث "آنسة فيفيان! اذهبي وانظري! لقد أحضر الجنود العبيد الذين أنقذوهم من المناجم! هناك المئات منهم! ".
اتسعت عيناها وأتبعته على الفور. ورغم أن "بيكو " أخبرها بأن زوجها قد مات إلا أنها لم تستطع وأد الأمل في حدوث معجزة. وبالفعل كان هناك طابور طويل من الناس يسيرون على طول الشارع الرئيسي. فلم يكن عددهم يتجاوز بضع مئات—إذ اختار البقية الاستكشاف بمفردهم—لكن الجميع كان يدقق النظر ، آملين في العثور على من يبحثون عنه.
تفرست "فيفيان " في وجوههم جميعاً. بدوا جميعاً في حالة يرثى لها—كحال كل العبيد—لكنهم بدوا أوفر صحة من أولئك الذين استُخدموا كغوغاء لمهاجمة بني جلدتهم. ومع ذلك ومع مرور المزيد والمزيد من الناس دون أي أثر للشخص الذي تريده ، بدأ الضيق يثقل كاهلها شيئاً فشيئاً.
وبينما كان الحشد يمر من أمامها ، شعرت وكأنهم يطئون بأقدامهم على ما تبقى لها من أمل ، فخارت قواها وشعرت بضعف في ساقيها. اضطرت للاستناد إلى جدار أحد المباني لتدعم نفسها ، وهي تجر قدميها ببطء للعودة إلى المنزل الذي تقيم فيه. حيث كان جسدها يرتجف وكأنها تعاني من أعراض انسحابية ، وأصبح نفسها يضيق ويصعب عليها استنشاقه.
ولكن ، بعد أن تجاوزت زقاقاً ، صرخ صوت مألوف منادياً إياها "زوجتي! ".
تسمرت في مكانها والتفتت نحو مصدر الصوت ، وفي لحظة ، تبدد كل التعب. فلم يكن يبدو في كامل صحته ، لكن حاله كان أفضل بكثير من تلك الحالة المزرية التي رأته عليها آخر مرة. والأهم من ذلك كله: أنه كان حياً وبخير.
انطلقت قدماها تركض نحوه ، وارتمت بين أحضانه وهي تصرخ "زوجي!! ".
ابتسم "توماس " وضمها إليه ، ودفن رأسه في كتفها ، متشبثاً بها وكأنه يتأكد من أن كل هذا حقيقة وليس خيالاً.
ومع شعور كل منهما بدفء الآخر المعهود ، وسماع صوته ودقات قلبه ، تيقنا حينها فقط أنهما لا يهلوسان. وانفجر الزوجان في بكاء مرير—بقلوب تفيض بالسعادة والامتنان—مكتفيين بفرحة وجودهما معاً في المكان نفسه من جديد.