ارتقى "باي يان" إلى مرتبة القمة العليا، وفي اللحظة التي فتح فيها عينيه، كبح جماح الهالة القوية التي انبعثت من حوله.
هذا هو العالم الفاني، وهذه "جزيرة الشياطين"، وهذا هو موطنه الأصلي؛ فلو لم يكبح هالته على الفور، لربما أثّر ذلك سلباً في استقرار العالم الفاني والجزيرة.
بيد أن ما أثار اهتمامه هو أنه بمجرد كبحه لهالته وإغماضه لعينيه مجدداً ليستشعر قوة "القمة العليا"، كان أول ما تراءى له هو "نهر الزمن" الممتد عبر بحر وعيه!
ومنذ أن تجلى "نهر الزمن" هذا في ذهن "باي يان"، لم يظهر له أي تميزٍ يُذكر إلا حين استدعى "نسخة الزمن"؛ إذ احتاج حينها للتواصل مع أغواره.
فمنذ بواكير مسيرته التدريبية وحتى اللحظة، وباستثناء مئة عام من العزلة، لم يمر على "باي يان" سوى سنوات معدودات، فظلت الأشياء التي يلمحها في "نهر الزمن" محدودة للغاية.
بيد أنه هذه المرة اكتشف قدرته على رؤية المزيد؛ فكافة ذكريات حيواته السابقة قد اندمجت في ثنايا النهر، وبات بوسعه، بمجرد غمر "فكره الإلهي" فيه، أن يستعيد تلك الذكريات بسهولة ويسر!
وهذا يعني أن إرث حياته السابقة الذي فُقد منه قبلاً قد استحال شيئاً قابلاً للاسترجاع، بل وللاستخلاص أيضاً!
وكان أول ما تبادر إلى ذهنه هو مدى إمكانية استدعاء تجسيداته من حيواته السابقة عبر تقنية "استدعاء نسخة الزمن"، وحين حاول، لم تكلل مساعيه بالنجاح.
لم يكن العجز عن الاستدعاء هو السبب، بل إن الطاقة الكامنة في جسده لم تكن كافية لدعم استحضار تجسيد مهيب كهذا من حياة سابقة؛ فالفجوة بين "القمة العليا" و"عالم الإمبراطور" شاسعة وتفصل بينهما مرحلتان كاملتان، ورغم قوة "باي يان"، إلا أنه لم يبلغ بعد مرتبة تسمح له بخرق قوانين هذا العالم.
"فهمت الأمر إذن."
فتح "باي يان" عينيه وأطلق تنهيدة خفيفة.
ظن في البداية أن التغيرات الطارئة على "نهر الزمن" ستمنحه قوة أعظم، لكن الواقع لم يكن بذاك القدر الذي رسمه خياله؛ ومع ذلك، فإن ما أثلج صدره هو أن مجرى النهر الذي اكتنفه الغموض سابقاً قد غدا أكثر جلاءً، حتى بات بمقدوره، عبر التركيز، استشراف بعض ملامح المستقبل.
فعلى سبيل المثال، حين غمر "فكره الإلهي" في النهر في تلك اللحظة، أبصر مشهداً لعلماء "قسم الأبحاث" وهم يستنسخون أول "زنزانة" لإمبراطور التنين.
ورغم أنه لم يحدد الوقت بدقة، إلا أن "باي يان" استشعر أن تلك اللحظة ليست ببعيدة؛ وبما أن الرؤية كانت ممكنة، فهذا دليل على حتمية وقوع الحدث.
كما أدرك "باي يان" أن جلاء مشاهد المستقبل في "نهر الزمن" يتناسب طردياً مع احتمالية وقوعها؛ فكلما زاد الوضوح زاد الاحتمال، وكلما زادت الضبابية تضاءلت الفرصة. ومع تقادم العهد، قد تنجلي الرؤى الضبابية لتصبح واقعاً، بينما قد يخبو بريق المشاهد الواضحة وتتلاشى تدريجياً.
فالمستقبل ليس قدراً محتوماً في كل تفاصيله، وكل قرار يتخذه "باي يان" الآن سيؤثر تأثيراً مباشراً في مسارات الأحداث القادمة.
لم يكن أي من ذلك مفاجئاً له، لكن ما أذهله حقاً هو قدرته على استخدام فكره الإلهي للتواصل مع "ذاته المستقبلية"؛ وبتعبيرٍ آخر، بات بمقدوره استدعاء "نسخ زمنية" من المستقبل!
ومن سوء الحظ أن "باي يان" المستقبلي يفوق الحالي قوةً ومستوى تدريبي، لذا حتى لو استدعى نسخة مستقبلية، فلن تظهر إلا بمستوى قوته الحالي؛ إذ لا يمكنه استحضار نسخة تملك من القوة ما يكفي لتدمير كل شيء بضربة واحدة.
ومع ذلك، فإن هذه القدرة الجديدة بعثت في نفسه سروراً غامراً، ولم يُفسد هذا القصور الطفيف فرحته.
"أزيزٌ!"
وبصوتٍ خافت، ظهر شبيهٌ مطابق تماماً لـ "باي يان" بجواره.
"حسناً، كفّ عن العبث؛ فلديّ مشاغل كثيرة. وإذا ما واجهت معضلة حقيقية مستقبلاً، فاتصل بي مباشرة دون التقيد بوقت محدد، وسأجيبك في أوقات فراغي."
هكذا تحدث "باي يان" المستقبلي بهدوء إلى "باي يان" الحالي، مسدياً له النصح حول كيفية استحضار نسخ الزمن المستقبلية.
"حسناً، لُقنت الحجة."
ضحك "باي يان" الحالي بخفة وربت على كتف نظيره المستقبلي، ليتلاشى الأخير من أمامه فوراً.
لم يدرِ "باي يان" من أي برهة زمنية جاءت تلك النسخة، لكن يُفترض أنها من حقبة تلت إدراكه لسر استدعاء نسخ المستقبل؛ وبما أنه خاطب نفسه الآن، فقد بدا الأمر وكأنه انخرط في "مفارقة زمنية".
ولحسن الحظ، لم يعر الأمر اهتماماً بالغاً؛ فالغوص في دهاليز الزمن ليس بالأمر الهين، والأولى به التركيز على سبل تعزيز قوته بوتيرة أسرع.
ومع تنامي قوته، غدا ذاك الصوت الذي تردد في ذهنه يوماً أكثر جلاءً؛ فإلى جانب نداء "أسرعوا"، بدأ "باي يان" يستقبل فيضاً من المعلومات الإضافية.
بيد أن الغموض لا يزال يكتنف الموقف، ولم يستطع سوى استشعار القلق العارم الذي يجتاح الطرف الآخر؛ فيبدو أن "سو يو" قد جابه معضلات في العالم الخارجي، فبناءً على سمات شخصيته، ما كان ليبث مثل تلك الرسالة الاستغاثية لولا أن الخطب جلل.
"نبارك لك يا أخي 'يان' هذا النجاح المبهر!"
هتف "تشين جيولو" و"فو تشاو" حين ظهرا أمام "باي يان" بعدما أتمّ خلوته وفتح عينيه.
"هممم، أحقاً حدث شيء؟"
سألهما "باي يان" بنظرة ثاقبة، بينما راحت هواجس مصائرهما تتوارد إلى ذهنه من جديد.
"يا أخ 'يان'، الخبر هو أن الجواسيس الذين زرعناهم في 'عشائر العشرة آلاف' قد آتت جهودهم أكلها، وبدأ سيل المعلومات يتدفق صوب 'جزيرة الشياطين'."
"لذا، تداولت الأمر مع 'فو تشاو'، ونرجو توجيهاتكم حيال البدء في تنفيذ خطة إخضاع 'بحر النجوم اللامتناهي' بالكامل لسيطرتنا المطلقة."
وكان "فو تشاو" يحمل في يده حزمة كثيفة من الوثائق، تعجّ بسجلات تفصيلية حول نقاط القوة والضعف لمختلف العشائر القاطنة في "بحر النجوم اللامتناهي".
"هل استوثقت من صحة هذه المعلومات الاستخباراتية؟"
سأله "باي يان" وهو يرفع رأسه قليلاً.
فأجاب "فو تشاو" بحذر: "نعم، فمن خلال قنوات اتصال متعددة ومقارنات دقيقة، لا يبدو أن هناك أي ثغرات تذكر."
"إذن، فلنطلق العنان لتلك الخطة، ولنجعل 'بحر النجوم اللامتناهي' قاطبةً يشهد سطوة بني آدم!"
لوّح "باي يان" بيده مشيراً نحو أفق "بحر النجوم اللامتناهي" الممتد وراء تخوم العالم الفاني.
لقد رُسم هذا الهدف منذ لحظة مغادرته للأرض، والآن، وبعد أن اتسعت رقعة "جزيرة الشياطين" أربعة أضعاف، بات من المحتم إدراج هذه الخطة في مقدمة الأولويات!
"أبقوا على عشرة ملايين من محاربي الشياطين في 'الهاوية' لمواصلة التوسع هناك، وانقلوا كافة المحاربين المتبقين إلى 'بحر النجوم اللامتناهي'، ولتكن البداية بتلك الأجناس القابعة خارج حدود العالم الفاني!"
أشار "باي يان" على خارطة النجوم الماثلة أمامه إلى مدخل العالم الفاني، وإلى تلك الأجناس المتناثرة في النطاق المحيط والتي التمست اللجوء لدى بني آدم وقوبلت بالرفض؛ فربما كانت تلك الأجناس على خلاف قديم مع البشر، أو لعل ضآلتها حالت دون أن يلحظها "باي يان" سابقاً، لكنها الآن، ومع انطلاق شرارة الخطة، غدت الأهداف الأولى في مرماه!