الفصل 1040: الهروب؟ إلى أين يمكنك الفرار!
إنَّ الهدمَ أهونُ بكثيرٍ من البناء؛ فحين رأى الإمبراطور الأكبر "باي يان" وهو يطيح برأس الإمبراطور الشاب بضربة سيفٍ خاطفة، لم تبارحه هواجس الانتقام. بيدَ أنه حين أبصر "باي يان" وهو يُعيد رتق ذلك الفراغ وتشكيله من جديد، لم تبقَ في ذهنه سوى فكرةٍ واحدة تملكت لُبّه: الهروب!
لكنه أدرك في قرارة نفسه أنَّ الفرار لن يكون بتلك السهولة؛ فقد استشعر وطأة قوانين الفضاء وهي تكتنف "باي يان" من كل جانب. وفهم يقيناً أنه إن حاول الهرب هكذا ببساطة، فلن يبرح مكانه خطوةً واحدة قبل أن تستخدم قدرات "باي يان" المكانية قواها لتجذبه وتُعيده قسراً إلى الوراء.
لذا، وجب عليه قبل أن يلوذ بالفرار أن يزرع بذور الفوضى والاضطراب في أرجاء هذا المكان!
كان الإمبراطور الأكبر يمتلك بدوره فَهماً لقواعد الفضاء، ورغم أنَّ باعَه فيها لم يكن بطول باع "باي يان" أو بعمقه، إلا أنَّ بعثرة الأنماط المكانية داخل هذا الحيز لم تكن بالأمر العسير عليه.
كفَّ عن مطاردة "سو يو"، ومدَّ يده ليستحضر كتلةً من الطاقة الفوضوية العارمة، ثم قذف بها في قلب الفراغ!
جسَّدت تلك الكتلة المتفجرة عصارة فهمه لأسرار المكان، وعكست إصراره المستميت على الإفلات من قبضة "باي يان".
انفجرت الطاقة الفوضوية فجأة، وانبثقت عنها ظواهرُ لا حصر لها، فبُدِيَ المكانُ وكأنه قد تمزق إرباً، وتجلت في ثناياه رؤىً لكل السماوات وعوالم لا تُعدُّ ولا تُحصى.
بل إنَّ "باي يان" لمح طيف نفسه كما كان قبل عشرة آلاف عام، قبل أن يبعث من جديد ويشرع في رحلة "الارتقاء" من نقطة الصفر!
فالزمان والمكان صنوان لا يفترقان؛ وقد أدى الاضطراب الذي أحدثه الإمبراطور الأكبر في نسيج المكان إلى خلخلة قانون الزمن أيضاً، مما أتاح لـ"باي يان" أن يرى لمحاتٍ من ماضيه الغابر!
"هيه، يبدو أن لديك بعض المهارة فعلاً."
أطلق "باي يان" ضحكةً خافتة تفيض بالثقة، ولم يداخله ذعرٌ وهو محاطٌ بتلاطم قواعد المكان والزمان؛ فالمكانُ بأسره كان طوع بنانه. ورغم الفوضى المكانية التي أججها الإمبراطور الأكبر، إلا أنَّ زمام الأمور ظلت تحت سيطرة "باي يان" المطلقة!
في نظر "باي يان"، كانت محاولات الإمبراطور الأكبر أشبه بمَن يحاول تحريك بركةٍ من الماء بعصا صغيرة؛ قد تُحدث بعض التموجات السطحية، لكنَّ البركة تظل بركة، والماء يبقى ماءً، ولا يتبدل من جوهر الأمر شيء!
لقد بزَّ فَهْمُ "باي يان" للمكان فَهْمَ الإمبراطور الأكبر بفرسخٍ لا يمكن قياسه!
"أبعد كل هذا تظن أنك ستبلغ مأمنك؟ كيف لي أن أسمح لك بذلك؟"
تمتم "باي يان" بهدوء، لكنه لم يُحرك ساكناً في البداية؛ فقد كان يعتزم تحطيم آمال الإمبراطور الأكبر في اللحظة التي يظن فيها أنه أوشك على النجاة، ليُسقطه من حالقٍ إلى قاع الجحيم، وبذلك يشفى غليل صدره حقاً!
رأى الإمبراطور الأكبر صمت "باي يان" وعدم حراكه، فتوهم أنه قد استنزف طاقته في أفعاله الأخيرة ولم يعد يقوى على كبحه، فاستبشر خيراً وظن أن الحظ قد حالفه. وعلى الفور، دمج جسده في غمار الفضاء الفوضوي محاولاً الإفلات بجلده!
بيدَ أنَّ "باي يان"، في تلك اللحظة الحرجة التي بدأ فيها ظل الإمبراطور يختفي، ظهر فجأة بجانبه كأنه نبع من العدم.
"الهروب؟ إلى أين تظن نفسك ذاهباً؟!"
مدَّ "باي يان" يده بتؤدة، لكنَّ حركتها بدت وكأنها تطوي مسافاتٍ لا نهائية، محاطةً بهالات من "اللوتس الذهبي" التي تشكلت من قواعد فضائية لا تُحصى. وبسهولة تامة، اخترقت يده اليمنى عباب الفضاء الفوضوي وأطبقت على عنق الإمبراطور الأكبر!
"آه..."
انطلق زئير الإمبراطور الأكبر وهو يزمجر بكل ما أوتي من قوة، مستجمعاً طاقته لصدِّ يد "باي يان" التي اخترقت الحواجز لتمسك بتلابيبه.
كافح باستماتة، وأطلق العنان لكل قواه داخل الفضاء المضطرب، مما زاد من حدة الفوضى فيه.
لكنه بالنسبة لـ"باي يان" لم يكن سوى سمكةٍ ضئيلة في حوضٍ صغير، تتخبط بيأس لتتجنب الوقوع في قبضة الصياد.
فتح الإمبراطور الأكبر فاه فجأة، ونفث منه سيفاً حاداً كالبرق، وجّهه بسرعة خاطفة نحو يد "باي يان" اليمنى!
لم يجرؤ على استهداف نقاط "باي يان" الحيوية كالصدر أو الرقبة، خشية أن يؤدي فشل الهجوم إلى استثارة غضب خصمه أكثر مما ينبغي.
كل ما يبتغيه الآن هو النجاة، وإصابة يد "باي يان" لثنيه عن الإمساك به!
كان ذلك "السيف الطائر" هو سلاحه السري الذي عكف على صقله لسنوات طوال، وورقته الرابحة التي لم يضطر لإشهارها قط منذ إتقانها، إذ لم يسبق له أن واجه خصماً ألجأه إلى هذا الحد من الضيق.
ولم يكن يدر بخلده يوماً أنه سيضطر لاستخدامه ضد "باي يان".
ففي نهاية المطاف، حين ظهر "باي يان" لأول مرة، لم يكن في نظره سوى "نصف إمبراطور"، أي مجرد هباءةٍ لا تُذكر.
انشطر الفراغ الفوضوي على الفور بفعل حدة السيف الطائر، واستحالت الأجواء إلى هرجٍ ومرج حتى أنَّ "باي يان" استشعر ضغطاً طفيفاً!
لكنه لم يكن سوى ضغطٍ عابر؛ إذ واصل "باي يان" حركته بصلابة، وغمرته طاقةٌ هائلة عزلته تماماً عن شظايا الفضاء المحطم. وتابعت يده اليمنى مسيرها، متأهبةً للإطباق على حنجرة الإمبراطور الأكبر.
"رنينٌ حاد!"
دوّى صدى اصطدامٍ معدني! تحطم السيف الطائر الذي أطلقه الإمبراطور الأكبر عند ارتطامه بـ"باي يان"، فانحرف السيف في توه، ولم يترك وراءه سوى أثرٍ أبيض طفيف على جسد "باي يان"، بل إنه لم يفلح حتى في خدش ثيابه!
عند هذه النقطة، نفد صبر "باي يان" وكفَّ عن التردد. فجّر قوة المكان والزمان بكامل طاقتهما، دافعاً بيده اليمنى نحو الإمبراطور الأكبر بصرامة!
شعر الإمبراطور الأكبر بريح الموت الباردة تلفحه من خلفه، وبيد "باي يان" وهي تمتد لتنال منه.
وبعدما أيقن عجزه عن صد "باي يان"، أدرك أنَّ الهلاك هو مصيره المحتوم في هذا المكان.
ومع ذلك، دفعه هذا اليأس القاتل إلى القتال بشراسة المستميت، فغير وضعيته فجأة، واندفع بتهور نحو يد "باي يان"!
(إذا لم أستطع النجاة، فلن أدعك تخرج منها سالماً!)
(المنية ولا الدنية، وليتحطم الياقوتُ ولا يبقى الفخارُ سليماً!)
فتح الإمبراطور الأكبر فمه وزأر زأرةً هزت الأركان، صاباً كل يأسه وحنقه في هذه الضربة الأخيرة! أحكم قبضته، ولوّح بها نحو يد "باي يان" اليمنى!
أما السيف الطائر الذي أطاح به "باي يان"، فقد عاد إليه وهو يئن تحت وطأة الشقوق الدقيقة، فدفعه الإمبراطور بكل قوته نحو ظهر "باي يان"!
كان ينوي استخدام كل ما يملك لمواجهة "باي يان" وجهاً لوجه في هذا الصدام الأخير؛ فحتى لو لم تقتل هذه الضربة "باي يان"، فلا بد أن تخلف فيه جروحاً غائرة ومؤلمة!
ففي النهاية، هذه هي تخوم العالم الخارجي، وقد نجح بالفعل في إرسال نداءات استغاثة وسط هذه المعمعة. وطالما أن "باي يان" مصاب بجروح مثخنة، و"سو يو" لم يستعد عافيته بعد، فإنَّ كفة جنسهم من كائنات العالم الخارجي ستظل هي الراجحة.
لكنه كان يُفرط في التقدير ويغرق في الأوهام.
فكل شيء، يداه الممدودتان والقوة التي حشدها، تلاشت وكأنها لم تكن أمام "باي يان"؛ ذلك لأن الإمبراطور الأكبر في عين "باي يان" لم يعدُ كونه وحشاً محاصراً يكافح عبثاً في سكرات موته!
تماماً كحوتٍ ضخم علق في شباك صياد، يتخبط بلا هوادة على أمل أن يجرَّ معه الصياد إلى الهاوية!
لكنَّ هيهات أن ينال مراده!
فتح "باي يان" عينيه فجأة، وهذه المرة لم يكتفِ بمد يده، بل تجلى كيانه كاملاً في قلب الفضاء الفوضوي، ووجه لكمةً مباشرة وماحقة إلى الإمبراطور الأكبر!
لم تكن لكمة "باي يان" هذه مغلفةً بأي تقنية سرية أو سحرٍ غامض، بل كانت فيضاً من القوة البدنية المحضة، ومع ذلك، كانت كفيلةً بتهشيم جسد الإمبراطور الأكبر إلى شظايا لا تُحصى! وتبددت القوة التي جمعها هباءً منثوراً!
(مهما كثرت فنونك وتقنياتك السرية، سأظل قادراً على سحقها بلكمةٍ واحدة!)