الفصل 87: خيار صعب
كان غداء الوداع هادئاً، بل ومفاجئاً.
ضحكت الأميرة، وداعبتها بلطف، وحتى تعبير لانيت الجامد خفّ للحظة بينما كانت تضع كعكات العسل على طبقها.
لكن الآن، وبعد ساعات، بدا المتجر أكثر هدوءاً، حيث ترك غياب ذكاء كاساندرا الحاد وطاقة الأميرة المفعمة بالحيوية فراغاً مستمراً.
قضيت فترة ما بعد الظهر غارقاً في العمل، أراجع المخزن مع إيموري (الذي، ولإنصافه لم يتلعثم إلا مرتين) وأرسم خططاً لـ "مجموعات أدوات النجاة للطلاب". وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الشمس تغيب نحو الأفق كان عقلي مخدراً من الأرقام والكتابات.
والآن، إلى الاجتماع التالي.
كانت المكتبة هادئة في هذه الساعة وهذا اليوم، وحتى الحشد الصغير المعتاد من الطلاب لم يكن موجوداً مع اقتراب الغسق.
كانت حذائي تُصدر صوت طقطقة على الأرضية المصقولة وأنا أشق طريقي بين الممرات، باحثاً عن ذلك الشخص ذي الشعر الفضي الذي يُشكل تهديداً.
آه، ها أنت ذا.
جلس زفير في ركنه المعتاد، وكتاب مفتوح بين يديه. وعندما اقتربت، أغلقه فجأة - ولكن ليس قبل أن ألمح العنوان "...السموم".
شعرت بقشعريرة تسري في عمودي الفقري.
هل يحاول حقاً تسميمي؟
قال زفير بصوته الرتيب كعادته "أنت هنا".
"آه، نعم" أجبت متظاهراً باللامبالاة. "إذن، ما هي خطة التدريب التي أعددتها لي؟"
وقف زفير صامتاً، وفتح بوابة إلى الوجود بنقرة من أصابعه.
"...اتبعني."
دخلت من البوابة قبل أن تغلق، فتجمدت في مكاني.
امتد أمامي مختبر، رفوفه مصطفة بقوارير من السوائل الفقاعية، ومرطبانات من المساحيق المتلألئة، وصفوف من زجاجات الأدوية تحمل ملصقات مكتوبة بخط أنيق ودقيق. حيث كانت رائحة الهواء نفاذة، مزيج من الأعشاب ورائحة معدنية.
سألتُ وأنا عاجز عن إخفاء دهشتي "هل أنت كيميائي أيضاً؟"
لم يرفع زفير رأسه وهو يتوقف عند طاولة. "همم. ويمكنك القول ذلك."
ثم وبدون سابق إنذار، ألقى عليّ بشيئين. تلمستهما لألتقطهما - قارورة زجاجية مملوءة بسائل أخضر غامق وزجاجة صغيرة للأدوية.
صلصلة.
سألتُ وأنا أنظر إلى القارورة بشك "ما هذه؟" بدا محتواها لامعاً بشكل غير طبيعي. "إنها ليست... سموماً، أليس كذلك؟"
"... "
التقت عينا زفير بعيني، وتألقت عيناه الزرقاوان الجليديتان.
"...موارد التدريب الخاصة بك."
هذا لا يجيب على سؤالي.
"اتبعني" كرر زفير مرة أخرى، ودخلنا غرفة أخرى من خلال الباب الأسود.
كانت الغرفة خالية، بل ومخيفة. حيث كان الهواء نقياً لكنه يحمل رطوبة خفيفة، كالسكون الذي يسبق العاصفة. ترددت خطواتي على أرضية الحجر المصقولة وأنا أستدير في مكاني، أتأمل المكان الخالي.
سألتُ بصوتٍ يتردد صداه في أرجاء المكان "ما الغرض من هذا المكان؟"
وقف زفير بالقرب من المركز، وبرزت صورته الظلية بوضوح على خلفية معقمة. "غرفة التدريب الخاصة بك."
حدق بي في مكاني دون أن يرمش.
قال "أولاً، أريد أن أخبركم ما هذا" وكان كل كلمة متعمدة. "لذا استمعوا جيداً."
لحظة صمت. ثم—
«سأدربك بنفسي. وسيكون الأمر صعباً. مؤلماً. لا يُطاق». لمعت عيناه كشظايا جليد. «لكن النتائج ستكون جديرة بالعناء».
أومأت برأسي، وابتلعت ريقي بصعوبة.
"...سأدربك على استخدام السموم."
الكلمات كانت بمثابة ضربة جسدية.
"...سموم؟" كررت السؤال، كما لو أنني سمعت خطأً.
"أجل." أمال زفير رأسه قليلاً. "لكن لا تقلق. لقد أمضيت الأيام الماضية في إعداد الخطة المثالية - سنبدأ بأبسطها وأقلها إيلاماً."
التزمت الصمت، وعقلي يغلي بالأفكار. لماذا السموم؟
خمّنتُ بسرعة في ذهني، لكنني لم أتوقع هذا من زفير حقاً. أو ربما لا أعرفه جيداً.
وتابع زفير بصوت منخفض وكأنه يقرأ أفكاري.
«من الصعب اكتشاف السموم. وعلى عكس المعارك، لا يمكنك الدفاع ضدها إلا إذا كان لديك ترياق... أو جهاز رنين علاجي قوي.» صمت. «أو تُصاب بـ-»
"...مناعة ضد السموم" أنهيت كلامي بهدوء.
"صحيح." ارتعشت أصابع زفير نحو القوارير المعلقة على حزامه. "إذا درّبت جسدك على مقاومتها، فلن تخشى الطعام أو الشراب أو الشفرات المسمومة. ستقاتل دون تردد."
لكن كان يتحدث أقل وبكلمات قصيرة إلا أن كلماته كانت تحمل ثقلاً يتجاوز مجرد التوجيه – مرارة تشير إلى الخبرة.
أي نوع من الحياة عاش؟...
"...كم من الوقت تدربت؟" سألت قبل أن أتمكن من منع نفسي.
سكنت الرياح.
"...ثلاث سنوات."
"...هل نجح الأمر؟"
بدلاً من الإجابة، أخرج قارورة من جيبه وابتلع محتوياتها بحركة واحدة سريعة.
للحظة لم يحدث شيء. ثم—
تجهم وجهه. برزت عروق رقبته، وابيضت مفاصل أصابعه حول القارورة الفارغة. وانطلقت منه أنفاس مكتومة، وارتجف جسده بجهد واضح.
ثم وبنفس السرعة التي بدأ بها، تلاشى التوتر. استقر تنفسه. تراجعت الأوردة.
عندما فتح عينيه مرة أخرى كانتا هادئتين.
"...أرى ذلك" تمتمت.
"دعني أفكر قليلاً."
"على ما يرام."
طال الصمت بينما كنت أدرس القرار.
كنت أعرف هذه الفكرة الشائعة - شخصيات تتناول السموم لبناء مناعة، وتتحمل العذاب لتخرج منه أقوى لا تُقهر. وفي القصص كان الأمر وحشياً ولكنه فعال. أما في الواقع؟
مؤلم. طويل. شاق.
ما لم تكن لديك موهبة استثنائية أو موهبة متوافقة، أو حظٌّ محض، أو معلمٌ يعرف تماماً ما يفعله، فإن فرص النجاح كانت ضئيلة. وماذا عن فرص الموت؟...أعلى مما أود.
إذن... هل يجب عليّ فعل ذلك؟
كنتُ أتعرض للضرب المبرح يومياً من قبل إخوة السلاحف، وأُقذف عبر الفراغات الكونية بواسطة فيريون، وأُدير متجراً قد ينهار بدون كاساندرا. هل كان عليّ حقاً إضافة التسمم الطوعي إلى القائمة؟
هل كان ذلك ضرورياً أصلاً؟...ربما يمنحني النظام في النهاية مهارة مقاومة للسموم أو قدرة ما.
كانت الفكرة مغرية. حل سريع، غشّ – لا معاناة مطلوبة. ولكن-
متى؟
هل سأنجو لفترة تكفى لأحصل عليه؟ لقد حاول قاتل مجهول قتلي مرة من قبل، ولدي شعور بأن الأمر ليس بهذه البساطة - وأن حياتي لا تزال في خطر.
لو قرر قاتل آخر - أو أي شخص آخر - دسّ شيء ما في شايي، لكنتُ ميتاً قبل أن أرمش. لا يمكن لأي قدر من الذكاء أن يتغلب على سمٍّ يجري في عروقك، كما قال زفير.
ثم كان هناك زفير نفسه.
لقد فعل ذلك بنفسه. ونجا منه. بل ربما أتقنه.
لم يكن مجرد متعلم، بل كان مدرباً خبيراً أيضاً وهذا دليل على إمكانية نجاح الأمر. وقد أعدّ بالفعل خطة مصممة خصيصاً لتقليل المخاطر....لذا...
ماذا علي أن أفعل؟