Switch Mode
تم اطلاق التطبيق على متجر بلاي للاختبار 14 يوم لمن يرغب في الانضمام الى الاختبار ليتمكن من تحميل التطبيق إرسال الايميل الخاص به الى الادمن

مسار شخصية ثانوية نحو السلطة 196

لطف الثلج (الحلقة الإضافية 10)


الفصل 196: لطف الثلج (الفصل الإضافي 10)

"نعم يا أمي" خرجت الكلمات من فمه، همسة حادة وعميقة، لا لبس فيها، صوت طفولته.

ابتسمت والدته، وانبعث منها دفءٌ بدّد برودة غرفة المراسلة المتبقية. حيث مدت يدها، وداعبت أصابعها وجهه برفق عدة مرات.

انهارت دفاعات أمان العقلية التي بناها بعناية، واستسلم عقله للوهم القوي.

غرفة المراسلة، والعاصفة الثلجية العاتية في الخارج، وزفير، والبارون، وكفن الرثاء - كل ذلك تلاشى، ليحل محله الواقع النابض بالحياة والمريح لمنزل طفولته.

"حسناً، سأذهب!" قالها بصوتٍ مرح، وابتسامة عريضة وصادقة ارتسمت على وجه أمان الصغير.

لوّح بيده لأمه التي كانت تقف مبتسمةً بجوار المدفأة. انتزع قبعته الشتوية المألوفة من خطاف على الحائط، وسحبها بقوة فوق رأسه. ومع ذلك، في الواقع كانت يده قد ضغطت على الآلية الدقيقة لفتح باب الغرفة الثقيل، فصدرت نقرة خفيفة بالكاد تُسمع وسط أزيز الأعمدة.

"آه، صحيح، كدت أنسى هذا." بعد أن دفع الباب ليفتحه لم ينسَ أن يغلقه برفق خلفه.

من يدري إن كان الكفن سيحاول العبث بما بداخله؟

تأمل في الأمر، وهو فكر حتى في حالته الراهنة، يحمل في طياته خيطاً من حذره الحقيقي كشخص بالغ.

في الخارج، استمرّ الوهم في رقصته البديعة. بدا مسارٌ من الثلج الناعم والريح اللطيفة وكأنه قد انفتح خصيصاً له، مُخففاً خطواته أثناء سيره. وشعر جسده الصغير الذي بدا وكأنه يرتجف قليلاً من البرد، بانتعاش غريب.

كانت العينان السوداوان الحلزونيتان، غير المرئيتين لأي شخص آخر، تطفوان إلى الأمام، تقودانه إلى أعماق العاصفة الثلجية.

سار أمان مبتسماً ابتسامة عريضة، مفتوناً تماماً. حتى أبناء الضباب الضالون الذين كانت أشكالهم الحقيقية تجليات مرعبة لفساد الكفن، تجاهلوا أمان.

في عينيه الصغيرتين كانوا مجرد سكان القلعة، يرتدون ملابس ثقيلة تقيهم البرد، ويلوحون له وينادون باسمه أثناء مروره.

بعد مسيرةٍ دامت بعض الوقت، رحلةٌ بدت في آنٍ واحدٍ لا نهاية لها وعابرة، وصل أمان الصغير إلى زاويةٍ مألوفةٍ من الطريق. واتسعت عيناه فرحاً. أمامه كانت مجموعةٌ من الأطفال، جميعهم في مثل عمره تقريباً، يضحكون ويصرخون، بينما تطاردهم كلابٌ ثلجيةٌ صغيرةٌ كثيفة الفراء.

لم تكن هذه كلاب الصيد الشرسة في القلعة، بل كلاباً وديعةً مسالمة. وبدون تردد، أطلق أمان صيحة فرح وركض نحوها، مندفعاً بشجاعة نحو "الوحوش" لإنقاذها.

انطلق بين الأطفال وكلاب الثلج، يدفع بيديه الصغيرتين ويطرد "المخلوقات" بمرح. ولدهشته، صرخت "الوحوش" وتفرقت، وهي تركض في الثلج، وذيولها تهتز.

أحاط به الأطفال الآخرون على الفور وقد أشرقت وجوههم بالرهبة.

"يا إلهي، أمان، لقد كنت مذهلاً!" هكذا صرخ أحدهم.

"كيف فعلت ذلك؟" سأل أحدهم وهو يلهث.

"لقد بدوت كالبطل!" هتف ثالث، وقد امتلأت أصواتهم بالإعجاب الصادق.

انتفخ صدر أمان فخراً، شعوراً بالبهجة لم يختبره منذ زمن طويل. وأخيراً، اعترف أحدهم بأفعاله! بل إنهم يصفونه بالبطل!

وبتحية أخيرة منتصرة لجمهوره المحب، ودعهم أمان، وواصل طريقه، وابتسامة مشرقة ثابتة على وجهه.

كان يخطط للتباهي بهذا الأمر أمام والديه لاحقاً.

استمر اليوم في أجواء من السعادة والبهجة بالنسبة لأمان الصغير.

ساعد فلاحاً عجوزاً في حمل كيس ثقيل من العلف إلى حظيرته، فحصل مع ابتسامة عريضة خالية من الأسنان وضربة دافئة على رأسه.

قضى ساعة في المراعي، يضحك وهو يلعب مع حيوانات "ألفالاهون" وكان فروها الناعم يمنحه دفئاً مريحاً على يديه الصغيرتين.

وفي وقت لاحق توقف عند ساحة التدريب، مفتوناً بالحراس وهم يتدربون على حركاتهم، ودروعهم المصقولة تلمع في ضوء الشمس الوهمي.

قلّد وضعياتهم، فأصبحت عصا خشبية صغيرة سيفه، ودرعاً من صنع خياله مربوطاً بذراعه. وشعر بشعور حقيقي بالرضا.

للحظة، بدا العالم مثالياً تماماً، يفيض بالبهجة البسيطة حتى كاد ينسى الحقائق المُرعبة التي يعرفها عن كفن الرثاء. حيث كانت حكايات فساده، وأوهامه التي بدأت بنعيم ثم تحولت إلى كوابيس لا تُطاق - كما حدث مع البارون - بمثابة تذكير صارخ....لا بد أنه يخطط لنفس الشيء معي.

في تلك اللحظة بالذات، تبددت الأوهام.

(تحطم!)

بوووم!

ترددت أصداء أصوات الرعد العالية والعميقة وعاصفة هوجاء تمزق المشهد الهادئ.

اتسعت عينا أمان الصغير، وتغير العالم المألوف والمريح من حوله.

السماء التي كانت قبل لحظات زرقاء وبيضاء هادئة، تحولت إلى لون أسود قاتم كالفحم. ازداد تساقط الثلج سرعة وكثافة، فأصاب جلده بلسعة، واشتدت الرياح عنفاً، تعوي كوحش جائع.

"م-ماذا يحدث...؟" ارتجف، وتحولت ابتسامته الصغيرة إلى رعب شديد.

دار حول نفسه بجنون، باحثاً عن الآخرين، عن منزله، عن طريق العودة إلى الأمان الذي عرفه قبل لحظات. ولكن كل ما كان يراه هو كتلة بيضاء متصاعدة من العاصفة الثلجية وأكوام لا نهاية لها من الثلج.

"أمي؟ أبي؟" نادى بصوت خافت ويائس، لكن العاصفة ابتلعتهم.

"م-مرحباً؟" تعثر إلى الأمام، وغرست حذائه في الثلج الطري. "م-أي أحد؟"

لم يكن هناك رد.

لا يُسمع سوى هدير الرياح.

لم يعد العواء اللاذع مجرد صوت بل أصبح اعتداءً جسدياً.

كانت وجنتاه، اللتان كانتا ورديتين بالفعل من البرد الخادع للوهم، قد احمرتا بشدة، متشققتين بفعل الرياح العاتية اللاذعة للعاصفة الثلجية الحقيقية. ارتجف جسده كله بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وأصبحت دفء منزله الوهمي ذكرى قاسية تتلاشى.

امتلأت عيناه بالدموع، لكنه شد على فكيه، وكتم شهقاته.

البطل لا يبكي،

ذكّر نفسه بذلك مردداً الكلمات التي اعتادت والدته أن تقولها.

و... سيجد البطل دائماً طريقة.

بطريقة أو بأخرى.

في تلك اللحظة بالذات، وسط البيضة الفوضوية المتصاعدة، لاحظ شيئاً ما.

وميض خافت من الضوء، ليس ببعيد، ينبض برفق. وشعر وكأنه يناديه، واعداً إياه بالدفء والأمان في العاصفة القاحلة.

"م-ما هذا...؟" همس بصوتٍ خافتٍ يكاد لا يُسمع. حيث مدّ يده المرتجفة. "ه-هيه، ت-توقف!"

لكن الضوء بدا وكأنه يرقص مبتعداً، دائماً بعيداً عن متناول اليد، كضوء خادع ومثير للفضول.

انتظر!

مدفوعاً بأمل يائس يشبه أمل الأطفال، تعثر أمان إلى الأمام، مطارداً ذلك التوهج المراوغ، منجذباً أكثر فأكثر إلى قلب العاصفة الهائج، غير مدرك أن هذا النور الهادي لم يؤد إلا إلى هلاكه المحتوم.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط