«أخ...» صَرَّ قِدِّيسُ السَّيْفِ على أسنانِهِ ، مُعانياً في مُجاراةِ «كَين». استمرَّ الأخيرُ في توجيهِ لَكَماتِهِ إليه ، وكانت كُلُّ لَكْمَةٍ أقوى مِمَّا سبَقَتْها.
تابعَ قِدِّيسُ السَّيْفِ اشتباكَهُ معَهُ ، يتبادلانِ الضَّرباتِ ضربةً بضربة. أرجحَ سيفَهُ بقوةٍ هائلةٍ كادت أن تقطعَ كُلَّ شيءٍ في دائرةٍ قُطْرُها مِائتا متر ، لكنَّ «كَين» اكتفى بلكمِ الهجمةِ بقوةٍ يكفىٍ لتبديدِ ذلكَ العزمِ وتشتيتِ تلكَ الطاقة.
مضى «كَين» قُدُماً وسَدَّدَ لَكماتِهِ بسرعةٍ أكبر ، وشيئاً فشيئاً ، وجدَ قِدِّيسُ السَّيْفِ نفسَهُ مُضطَرًّا إلى اتِّخاذِ موقفِ الدِّفاع.
«كنتُ أقوى مِنهُ في البداية.» فكَّرَ قِدِّيسُ السَّيْفِ ، مُستحضِراً ما حدثَ في مُستَهَلِّ القِتال.
لقد بَزَّ «كَين» بسهولةٍ مُتناهية ، بل إنَّهُ شعرَ حينَها أنَّ لا شيءَ يُمكِنُ أن يوقِفَهُ. ولكن ، بعدَ بضعِ دقائقَ فحسب ، اكتسبَ «كَين» من القوةِ ما جعلهُ نِدًّا له فى تبادلِ الضَّربات ، وبعدَ خمسِ دقائقَ أخرى ، غدا «كَين» أقوى مِنهُ بكثير.
«هذا غيرُ منطقيٍّ البتة. لا ينبغي لِحجمِ الضَّررِ على جسدِهِ أن يكونَ بهذا القَدْر. أعلمُ أنَّ لديهِ القُدرةَ على تحويلِ الإصاباتِ إلى قوةٍ جسدِيَّة ، ولهذا يُلقَّبُ بـ "الهائج ".»
«لكنَّني لم أُلحِقْ بهِ من الإصاباتِ ما يكفي لِحشدِ كُلِّ هذهِ القوة. كيفَ أمكنَهُ أن...» صَمَتَ قِدِّيسُ السَّيْفِ فجأةً وكأنَّ نوراً من الإدراكِ قد لاحَ لَهُ. «لا تقلْ لي...»
اعتَرَت قِدِّيسَ السَّيْفِ صدمةٌ في غُمارِ القِتال ، وقد تسبَّبَت تلكَ الفكرةُ في تشتيتِ ذِهنِهِ ، ولَم يُفوِّت «كَين» تلكَ الفرصةَ البتة.
لَكَمَهُ «كَين» في وجهِهِ ، فطارَ جسدُهُ مُبتَعِداً.
«أخ...» صَرَّ قِدِّيسُ السَّيْفِ على أسنانِهِ.
«أتظُنُّ أنَّ لديكَ تَرَفَ السَّرحانِ وأنتَ تُقاتِلُني...» ابتسمَ «كَين» ابتسامةً عريضةً وهو يُطقطِقُ أصابِعَهُ. «ينبغي لي أن أُبرِحَكَ ضرباً حتى تُصابَ بخللٍ في دِماغِكَ.»
صاحَ قِدِّيسُ السَّيْفِ: «أنتَ... قُدرتُكَ على تحويلِ الضَّررِ ، لا تقتصرُ على الإصاباتِ الجسدِيَّةِ فحسب. أنتَ تعتبرُ كُلَّ شيءٍ ضرراً ، سواءً كانَ استنزافاً للياقةِ المادىَّةِ ، أو حتى اشتباكَنا هذا...»
ابتسمَ «كَين» بسخريةٍ وقال: «حسَناً ، إن استخدمتَ سيفَكَ بما يكفي ، فسيُثْلَمُ نصلُهُ. ألا تظُنُّ أنَّهُ من المنطقيِّ معاملةُ تلكَ الأمورِ كأضرار ؟ لستَ أوَّلَ مَن يتوصَّلُ إلى هذا الاستنتاج. و لقد أدركَ جميعُ أعدائي السَّابِقينَ ذلك لكنَّ قِلَّةً منهم مَن استطاعوا روايةَ الحكاية. أمَّا أولئكَ الذينَ نَجَوا ، فلم يكلِّفوا أنفُسَهُم عناءَ نَشرِ تلكَ المعلومات.»
صَرَّ قِدِّيسُ السَّيْفِ على أسنانِهِ ؛ لقد خدعَ «كَين» الجميع. حيث كانَ جُلُّ النَّاسِ يظنُّونَ أنَّ قُوَّةَ «كَين» محصورةٌ في الإصاباتِ فقط.
أرادَ «كَين» مواصلةَ سَحقِهِ ، لكنَّهُ لَحظَ فجأةً حركةً مُريبةً من مَجموعةِ الأعداءِ.
«!!!» ألقى «كَين» نظرةً جانبيَّة ، فرأى الأعداءَ يلوذونَ بالفرارِ خارجَ الغابة.
اندفعَ قِدِّيسُ السَّيْفِ نحوَهُ مُجدَّداً ووجَّهَ ضربةً مُنخفِضة.
«أنا لستُ مُشتَّتَ الذِّهنِ ، أيُّها المبتدئ.» لَكَمَهُ «كَين» مباشرةً ، دافِعاً قِدِّيسَ السَّيْفِ إلى الوراءِ.
«أجل ، لكنَّكَ مُشتَّتٌ بما يكفي كي لا تفهمَ قَصدي.» أرجحَ قِدِّيسُ السَّيْفِ نصلَهُ بزاويَةٍ مائلة ، مُرسِلاً ضربةَ سيفِهِ باتِّجاهِ «كَين».
اضطُرَّ «كَين» لتلقِّي تلكَ القوةِ في مُواجهةٍ مباشرة ، لكنَّ قِدِّيسَ السَّيْفِ استغلَّ هذا الوقتَ ليفلتَ ويُسارِعَ بالهروب.
«لقد عرفتُ نُقطةَ ضُعفِكَ الآن. لا تظُنَّ أنَّ هذهِ هي النِّهاية.» تذمَّرَ قِدِّيسُ السَّيْفِ.
«!!!» ذُهِلَ «كَين» ، ولكنَّهُ أدركَ فجأةً ما كانَ العدوُّ يحاولُ القيامَ بِهِ.
***
في ساحةِ القِتالِ الأخرى كانَ «جان» في حيرةٍ تامَّة. «مهلاً! إلى أينَ تذهبونَ يا رِفاق ؟! »
كانَ «جان» يحاولُ مُلاحقَتَهُم بينما حاولَ سبعةٌ من البشرِ من الفئةِ الثَّامنةِ المغادرةَ فجأة.
«هاه ؟» حتى «كلوفيس» ارتبكَ لثانيةٍ واحدة. لِماذا قد يُغادِرُ هؤلاءِ البشرُ من الفئةِ الثَّامنة ؟
ومعَ ذلك كشفت ردَّةُ فعلِ «جان» عن الإجابة.
«!!!» اتَّسَعَت عينا «كلوفيس» ذُعراً. و لقد كانت إجابةً تفاجأت حتى شخصاً مِثلَهُ. «لا تخبرني أنَّ...»
«خلفَهُم. لا تدعوهُم يفلتونَ من بينِ أيديكم!» صرخَ «كلوفيس» ، مُتتبِّعاً هدفَهُ الخاص.
كانَ الآخرونَ ما زالونَ في حالةِ ارتباك ، لكنَّهُم اتبعوا قيادةَ «كلوفيس». أمَّا أولئكَ الذينَ بقيَ أعداؤُهُم ، فقد ظلُّوا مُركِّزينَ على أهدافِهِم.
كان «جاي» على وشكِ هزيمةِ خصمِهِ ، لذا لم يكن ليرغبَ في تركِهِ يرحلُ بأيِّ حالٍ من الأحوال.
غطسَت «ريا» محاوِلةً إلهاءَ أحدِ الأعداءِ ، بينما أطلقت «كاناريا» النَّارَ على آخر. نجحوا في إيقافِ اثنينِ مِنهُم ، لكنَّ البقيَّةَ كانوا قد خرجوا من الغابة.
لقد أخبرَهُم «سيِّدُ الظَّلامِ» أنَّ القِتالَ خارجَ الغابةِ مَمنوع. وفي اللَّحظةِ التي غادروا فيها الغابة لم تكن هناكَ طائلٌ من مُلاحقَتِهِم.
أدركت «ميلودي» السَّببَ بعدَ وقتٍ قصير ، فكانت هي مَن أبلغَت الجميعَ بالأمر: «هؤلاءِ الذينَ يُغادِرونَ هُم تعزيزاتُ النَّبيّ. لا بُدَّ أنَّ هذهِ كانت نِيَّتَهُم منذُ البداية.»
«لا بُدَّ أنَّهُم جاؤوا إلى هنا بأمرٍ للانسحابِ في اللَّحظةِ التي لا تميلُ فيها الكِفَّةُ لصالحِهِم.»
«بعبارةٍ أخرى ، هذهِ المُسابقةُ ليست سوى خِداع. لو نجحَ النَّبيُّ ، لاستطاعَ القضاءَ على حفلِ القرابينِ والاستيلاءَ على مُرتزِقةِ القمَرِ المُظلِم.»
«لكنَّ نِيَّتَهُ الحقيقيَّةَ كانت اختبارَ «كلوفيس»... أرادَ أن يرى إن كانَ لدى «كلوفيس» ورقةٌ رابحةٌ أخرى أم لا. وهذهِ المرَّة تمَّ كشفُ الهائج. حيث كانوا يفرُّونَ للحفاظِ على قُوَّتِهِم الحاليَّة.»
«لا يُمكِنُنا السماحُ لَهُم بالرَّحيل. سيَنقُلونَ هذهِ المعلوماتِ إلى النَّبيّ. لا ، قد يكونُ هناكَ سببٌ آخر.»
«لو تحرَّكَ سيِّدُ الظَّلامِ لمنعِهِم جميعاً من الهُروب ، فقد يُثبِتُ ذلكَ أنَّ سيِّدَ الظَّلامِ كانَ في صفِّنا طوالَ الوقت.»
كانوا واثقينَ من أنَّ سيِّدَ الظَّلامِ لن يفعلَ شيئاً ما لم يرغب في كشفِ أوراقِهِ. ولكن حتى لو فعلَ ذلك فلن يُمانِعَ النَّبيُّ ؛ لأنَّهُ سيستخدِمُ تلكَ المعلوماتِ في طُرُقٍ كثيرة.
صَرَّ «كلوفيس» على أسنانِهِ محاوِلاً إيقافَهُم ، لكنَّ الأوانَ كانَ قد فات. ستَّةٌ مِنهُم كانوا قد غادروا الغابةَ بالفعل. ومُلاحقتُهُم لن تعودَ عليهِم بأيِّ فائدة.
وحتى لو كانوا مُستعِدِّينَ للاستبعادِ وتركِ البقيَّةِ لِمَن ظلُّوا داخلَ الغابة ، فقد يرتدُّ ذلكَ عليهِم سلباً لأنَّهُ منحَ «جان» فرصةً للقتال.
لهذا السَّبب لم يكن أمامَ «كلوفيس» خيارٌ سوى العودة.
«أخ...» صَرَّ «كلوفيس» على أسنانِهِ. لقد كانَ مُنتصِراً طوالَ الوقتِ ضدَّ النَّبيّ ، لكنَّ هذهِ كانت لوردَما المرَّةُ الأولى التي يتلاعبُ فيها النَّبيُّ بِهِ.
وحتى لو نجحَ في الفوزِ بالمُسابقةِ وكسبَ مُرتزِقةَ القمَرِ المُظلِمِ كحليفٍ لَهُ ، فقد أجبرَهُ النَّبيُّ على كشفِ ورقتِهِ الرَّابحة.
لم يشعُرْ وكأنَّهُ نصرٌ على الإطلاق.