Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

الاعتماد على غول 289

النرد +


الفصل 289: الفصل 154: النرد

لم يعترِ جيمي خجلٌ من التحول الذي طرأ على تفكيره. و في الحقيقة حتى في غضون صباه الريفيّ ، حين لم يكن يفرّق بين الضفدع والعِلْجوم ، مرّ بتجارب مماثلة.

تذكّر عائلةً في القرية حالف ابنَها الثاني الحظُّ ، إذ وجد عملاً لائقاً برِفقة إحدى القوافل المتجهة إلى نيوم ، فكان يبعث إلى ذويه مالاً وفيراً كل شهر ، وكثيراً ما يعود حاملاً معه أشياء جديدة وممتعة من المدينة الكبيرة لأخيه الأصغر في المواسم والأعياد.

حتى بعد سنينَ طوالٍ ، ما زال يستحضرُ صورةَ ذلك الصغير وقد تدلّى المخاط من أنفه ، واقفاً على صخرةٍ بجوار البركة بابتسامةٍ يملؤها الفخر ، يستعرض الألعاب التي أحضرها أخوه من نيوم.

وبالحديث عن تلك الألعاب لم يكن ذلك الشيء ، في نظر جيمي الحاضر ، سوى نردٍ سداسيِّ الأوجهِ ، صُنع ببراعةٍ وإتقان. و في ذلك الحين لم يبدُ له جميلاً بشكلٍ لافتٍ هو الآخر. و على الأقل لم يكن يضاهي السيف الخشبي الذي كان أبوه قد نحتَه له جمالاً وجاذبية. ولم يفهم كيف لشيءٍ لا يتجاوز حجمَ الإبهام ، وسهلِ الضياعِ بين الأعشاب ، أن يُثير كل هذا الحماسَ في أرواح أقرانه ، فيجمعهم حول ذلك الصغير.

أكان ذلك مجرد كونه قد أتى من نيوم ، حاملاً معه هالةً من التميّز ؟

وفي وقت لاحق ، بينما كان الصغيرُ يمعنُ في التباهي أمام الجميع ، تزايد عدد الأطفال المتجمّعين حوله. وقف جيمي بين الحشود ، يراقبُ النرد السداسيَّ المَشويَّ من الطين وهو يدور ويهبط بصوتٍ رقيقٍ على الحصى ، وإذ شعرَ بالنظراتِ الحسودةِ من حوله ، بدأ تحولٌ طفيفٌ يطرأُ على فكر جيمي ، وهو ما زال قابضاً على سيفه الخشبي.

وبموافقةٍ من الصغير ، وتحت أنظار رفاقه المترقبة ، تقدم جيمي والتقط النردَ من الأرض. وللمرة الأولى ، أحسَّ ببرودة ملمس النرد ، وشاهد النقوش التي بدت له آنذاك في غاية الدقة والروعة. وكأنّ جيمي ، في تلك اللحظة بالذات ، قد أدرك أخيراً مكمنَ الجمال في ذلك النرد.

وبالحديث عن ذلك فإن ابنَ عمه لم يره ذلك التمثال منذ أيامٍ خلتْ. عادةً ما كان يحفظه ويصونه وكأنه كنْزٌ لا يُقدَّر بثمن ، يُبقيه قريباً منه حتى أثناء نومه أو عند قضاء حاجته. فقط في بعض الأحيان كان يستيقظ في جوف الليل نصفَ غافٍ ، فيرى ابنَ عمه جالساً وحيداً في إحدى زوايا المعسكر ، يتأمل المنحوتة الخشبية ويُمرّر يده عليها تحت ضوء النار الخافت ، وكأنه في ذهولٍ تامٍّ. ومع ذلك فقد كان يتذكر بوضوحٍ الخطوطَ والأنماطَ الطبيعيةَ والناعمةَ لذلك التمثال ، وشكلَه المنتصبَ الذي يشبهُ عنزةً أو غزالاً ، وتلك القرون الحلزونيةَ التي ترتفعُ إلى الأعلى...

"غيلين ، إلى أين المسير ؟ "

أعاد الصوتُ الأجشُّ الذي خالطه مسٌّ من السُّكر جيمي إلى رشده وواقعِه. التفتَ فرأى عبر ضوء نار المخيم رجلاً أحمرَ الوجهِ كثَّ اللحية ، ينادي على هيئةٍ تتلاشى رويداً رويداً عند أطراف المعسكر.

"لقضاء حاجتك ؟ انتظرني ، هِك... أنا آتٍ معك! "

"اليوم هو دور جاك في نصب فخاخ الإنذار ، وأنا لا أثق بقدراته تماماً ، لذا سأذهب لأتفقد الأمر. فاستمروا أنتم في شربكم. "

"تبّاً لجاك! " تمتم الرجل كث اللحية ، ثم عاد ليجلس مكانه.

"لو سألتني ، فإن غيلين قد أطال المكوث في غابة الضباب حتى أصبح يستشعر الأخطار في كل شاردة وواردة. "

قال مسافرٌ قريبٌ كان هو الآخر قد غلبهُ السُّكْرُ ، وهو نصفُ مستلقٍ على وسادة ، وقد ضيّق عينيه "أقطع هذا المسلك التجاري عدة مرات في العام ؛ لا ذكرَ فيه لشيطانٍ ، ولا تكاد ترى فيه خنزيراً برياً ، بل إنه لآمنٌ من بيتي. "

"مهلاً ، أليس من الطبيعي أن يكون كذلك وهو يمضي يوم الصيد بأكمله في الغابة ؟ لا عجبَ إذن أن تفوحَ منه رائحةُ الدم ، لا تذهبُ عنه بالغسل ، وكأنه 'دم أخضر ' ؛ لقد تشرَّبَها جسدُه كلُّه. "

كان حديثاً عابراً لا أكثر ، ولكن ما إن سمع أحدهم ذلك حتى بدا الرجل كث اللحية وكأن شيئاً قد طرأ على ذهنه ، فاشتعل اهتمامُه فجأةً. خفض صوته وألقى نظرةً ذات مغزى نحو العربة القابعة على مقربةٍ منهم.

"وبالحديث عن 'الدم الأخضر ' ، فلدينا شخصٌ في قافلتنا يرتبط بها بصلةٍ ما... "

"تش ، Q ، 'السيف الرمادي '! " تَمَتَّم مغامرٌ بِلَعْقِ شَفَتَيهِ حسداً "يُقال إنها قد بلغت بالفعل المستوى الاحترافي ، ولم تعد في مصافِّنا بعد الآن. "

"السيف الرمادي حقاً! ؟ "

لم يكن الجميع على علمٍ بما يدور ، وما أن انبعثت تلك الكلمات حتى صرخ مسافرٌ آخرُ في دهشةٍ بالغةٍ.

"أهي ذات الشعر الأسمر ؟ وبهذا العمر الغضّ! ؟ إذن لا خوف علينا بعد الآن! "

وبوجود محترفةٍ حقيقيةٍ تتمركز في القافلة ، أي خطرٍ قد يداهمُنا في هذا العالم الأرضي ؟ حتى لو تعرضوا لهجومٍ ، فإنه في أقصى الأحوال سيكون من قِبل بعض قطاع الطرق غير ذوي الشأن ، أو بضع عشرات من الغيلان.

وعلى الرغم من أن حديثه كان حديثَ سُكارى إلا أن ما قاله لم يكن مجافياً للمنطق تماماً. و في تلك اللحظة كانت القافلة تشقُّ طريقها من بلدة وادى النهر إلى نيوم ، ورغم أن الأرض كانت بريّةً مقفرةً إلا أنها كثيراً ما كانت تصادف مسافرين وقوافل عابرة ، وكل بضعة أيامٍ كانوا يعثرون على قرى صغيرة. حتى في غياهب الليل لم تكن الشياطين الخطيرة تظهر على الإطلاق تقريباً. وحتى بدون أن تتدخل شيا نان ، المغامرة المحترفة الوحيدة في القافلة كان الحراسُ المرافقون يتولون حلَّ الأمر. بإيجاز كانت المنطقة تُعدُّ آمنةً تماماً.

لم تحمل ليالي الرحلة الكثير من الترفيه ، ولكن مواضيعَ مثل 'الدم الأخضر ' ، و 'السيف الرمادي ' ، و 'المحترفين ' كانت تثيرُ الاهتمامَ ، لذلك انخرط المغامرون النشيطون ، في غياب أي متنفسٍ آخر ، في أحاديثَ صاخبةٍ وحماسيةٍ تغذّيها الخمرُ. بالطبع ، إن كنت تتوقع من هؤلاء الرجال الأميين مفتولي العضلات أن يخوضوا في أي نقاشٍ عميقٍ ، فذلك كان ضرباً من المستحيل. وفي نهاية المطاف لم تكن أحاديثهم تتجاوز بضعة محاورَ محددة:

العملات الذهبية ، النساء ، الشياطين...

إضافةً إلى الفقرة الكلاسيكية الأهم: المفاخرة.

"قبل عامين ، رافقت أخي الأكبر إلى جانب التندرا ؛ لم أرَ في حياتي ثلجاً بهذا الحجم قطّ ، وبدت المدينة بأكملها وكأنها قد كُسيت بالصقيع. "



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط