كان الشغل الشاغل لعامة الشعب في «ناجاريل» هو تصدير العمالة. فقد تهافتت مدارس محو الأمية على استقطاب الدارسين بشعارات رنانة مثل: «شهرٌ من التعلم ، يمنحك عمراً من السعادة» ، وكان كل ذلك بالمجان.
كان بوسع أي شخص الالتحاق بهذه المدارس بلا مقابل ، شريطة إتمام البرنامج والحصول على شهادة التخرج ، ومن ثم التقدم لمختلف الوظائف. أما تكاليف البرنامج التعليمي ، فكانت تُستقطع من أجورهم بنسبٍ متفاوتة بعد التوظيف ؛ حيث تكون الاستقطاعات مرتفعة في البداية ثم تتضاءل تدريجياً ، وبحلول العام الأول أو الثالث ، يكون المتدرب قد سدد كامل الرسوم. وفي غضون ذلك كان بمقدورهم جني أرباحٍ طيبة.
كانت هذه الترتيبات مُفصلة بوضوح في العقود الموقعة عند الالتحاق. فمن اختار استقطاعات أسبوعية زهيدة كان يتحمل فترة سداد أطول. وقد تبين للبعض -ممن دققوا النظر في بنود العقود- أن سداد المبلغ كاملاً مقدماً هو الخيار الأكثر جدوى ؛ إذ إن تمديد فترة السداد لخمس سنوات يعني دفع أكثر من ثلاثة أضعاف التكلفة الأصلية. ومع ذلك فضل الكثيرون خطط الثلاث أو الخمس سنوات ، لكون الاستقطاعات الأسبوعية ضئيلة بما لا يمس بمتطلبات حياتهم اليومية.
في الوقت الراهن لم يعد مؤهلاً للعمل خارج البلاد سوى من أتم دورات محو الأمية ، مما أذكى في البلاد هوساً تعليمياً واسع النطاق. وفضلاً عن ذلك اكتسبت المدارس المهنية التي تقدم تدريباً تقنياً من المستوى المتوسط والمبتدئ رواجاً كبيراً ؛ فالوظائف التقنية توفر أجوراً أعلى ، وعلاواتٍ أكثر ، وظروف عمل أفضل. فعلى سبيل المثال ، يحظى مشغلو الآليات الثقيلة وسائقو مركبات الهندسة بغرفٍ مزدوجة ، أو حتى غرفٍ خاصة ، وهو ما كان يُعد رفاهية تفوق بمراحل تكدسهم في غرفٍ مشتركة.
ولكي يظفر المرء بدخلٍ أوفر وظروفٍ أفضل كان لزاماً عليه رفع قدراته الشخصية ، بدءاً من أساسيات القراءة والكتابة.
لقد كانت «ناجاريل» نموذجاً كلاسيكياً للاستقطاب الاجتماعي ؛ فخلف النخبة كان الجميع يقبعون في قاع الهرم ، بعد أن وُئدت الطبقة الوسطى التي كانت موجودة سابقاً خلال عمليات التطهير الماضية. والآن ، بات أكثر من 95% من السكان -وهم أبناء الطبقة الكادحة- يتبادلون الحديث عن فرص العمل والتدريب ، عوضاً عن الاكتراث باجتماع الجمعية العمومية المنعقد حينها.
وفي القصر الملكي بالعاصمة ، تحلق حكام الأقاليم من كافة أنحاء «ناجاريل» حول مائدة مستديرة ضخمة ، يترأسهم الملك الذي كان في السابق ولياً للعهد. بدا الملك مسترخياً ، ولم تظهر عليه أي علامات للغضب أو الاستياء ، وخلا محياه من تلك المشاعر السلبية التي تكهنت بها الألسن.
حتى «الاتحاد» نفسه فوجئ بهذا التعاون. وببساطة كان الأمر أشبه بضيفٍ دخل للتو ، فإذا بالمضيف قد استلقى على فراشه ، متهيئاً ومستعداً. أثارت حماسته الريبة ؛ فظن البعض أنه يضمر مكراً ، لكن بعد اختبارات متكررة ، أيقنوا بصدق تعاونه ، وهنا فقط تبددت شكوكهم.
بالنسبة لولي العهد -الملك الشاب حالياً- كان الأمر في غاية البساطة ؛ فهو مجرد واجهة. حيث كان يوفر له الطعام والشراب ، بل إن الاتحاد تكفل بسداد تأميناته الاجتماعية ، وفتح له حساباً بنكياً ، وأودع فيه مبالغ بصفة دورية. حيث كان يرى في ذلك من أجمل ما حظي به في حياته ، ولو وافق الاتحاد ، لقام بحل الملكية برمتها وذهب لينعم بالحياة في كنف الاتحاد.
وفي المقابل ، بدا الحضور الآخرون أقل ارتياحاً منه بكثير.
تضمن جدول أعمال الاجتماع بندين ؛ الأول: تحول رسمي في نظام الحكم في «ناجاريل» ، من ملكية إقطاعية إلى نظام برلماني فيدرالي ، حيث يصبح حكام الأقاليم أعضاء في البرلمان بالتناوب على رئاسته ، مع منح الملك صوتاً واحداً في الرئاسة وثلاثة أصوات تمثيلية. و كما تقرر إلغاء المناصب بالوراثة ، والاستعاضة عنها بنظام انتخابي ، بحيث ينتخب كل إقليم -الذي سيُسمى ولاية- ممثليه. ورغم أن التنفيذ قد يعتريه بعض الوهن في البدء إلا أنه سيترسخ مع الزمن ، وكان هذا بمثابة العد التنازلي لنهاية الحكم الوراثي.
وإذا كان البند الأول يتعلق بتغيير البلاد ، فإن الثاني كان ضماناً لاستدامة هذا التغيير ؛ فقد أعلنت المملكة حل 90% من قواتها المسلحة ، مع إسناد مهام الدفاع لمقاولين من الاتحاد. وستسدد «ناجاريل» لهؤلاء المتعاقدين مبالغ سنوية لضمان الدفاع الوطني والاستقرار الداخلي ، ولم تبقَ تحت السلطة المحلية سوى قوات الشرطة.
وإلى جانب الحكام ، حضر الاجتماع عدد من موظفي الاتحاد ، يعملون كمستشارين لبعض حكام الأقاليم.
قال خادم الاتحاد الواقف بجانب الملك وهو ينحني برفق: «لقد حان الوقت يا صاحب السمو...».
استفاق الملك من أحلام اليقظة ، واعتدل في جلسته قليلاً وقال: «هل وصل الجميع ؟ إذن ، لنبدأ».
«أعلم أن لديكم جميعاً ما تقولونه ، سواء عبرتم عنه أم لم تعبروا ، فأنا أعلم بما تفكرون ، بل وأعرف تفاصيل أفكاركم».
«قد يسخر مني البعض ويصفني بالعديم الجدوى ، لكنني لا أبالي ، فليس لدي أدنى تعلق بهذا المكان».
«فساد ، تخلف ، جهل...».
سرد هذه المثالب بفظاظة ، بينما ظل مستشارا الاتحاد بجانبه يحافظان على ابتسامتيهما الوقورتين ؛ فلم يكن الملك مخطئاً. و لقد عُرف ولي العهد دائماً بكونه ممن درسوا في الخارج ولم يرغبوا في العودة أبداً ، وكان هناك كثيرون مثله -بمن فيهم أبناء حكام الأقاليم- ممن استقروا في الخارج طلباً لحياة أفضل.
كان الجميع يدرك أن الملك على حق ، لكن تقبل الحقيقة كان أمراً عصياً.
«كفى.. لندخل في صلب الموضوع».
قاطعه أحدهم ، فنظر إليه الملك نظرة جانبية وازدراه بابتسامة ساخرة: «حسناً ، لننتقل إلى الموضوع الرئيسي...».
قلب الملك بعض الأوراق على الطاولة بلامبالاة ثم أغلقها: «لقد عانت «ناجاريل» الكثير ، وقد آن الأوان لنواجه الواقع. فبدون إصلاح فوري ، لن نستطيع الصمود».
«من القاع إلى القمة ، تعاني كل طبقة اجتماعية من مشكلات متجذرة. و أنا لست هنا لتوزيع الاتهامات ، بل لنغير الواقع».
«قد تفتقر خبراتنا ، لكننا لسنا حمقى. بوسعنا أن نتعلم.. أن نتعلم من الأمم المتقدمة».
«يعد الاتحاد مثالاً رائعاً ؛ فهو يتصدر العالم في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والعلمية والصناعية وفي مجالات الرفاه العام».
«وهذا ليس وليد الصدفة ، ولهذا السبب تحديداً يجب أن ننهل من علمهم».
في داخل القاعة وخارجها ، وحتى في أروقة الاتحاد كان كثيرون يراقبون الاجتماع عن كثب ، حيث كانت أصوات الحاضرين تُنقل مباشرة عبر الأسلاك إلى آذان المستمعين ؛ بمن فيهم الرئيس وأعضاء مجلس الوزراء والسيد «ترومان» وأي شخص له أدنى صلة بالأمر.
منذ البداية كانت النهاية محسومة ، وما هذا الاجتماع إلا للسماح لـ «ناجاريل» بمغادرة المسرح بما تبقى لها من كرامة.
علاوة على ذلك لم يكن ما قاله الملك الشاب افتراءً أو تزييفاً ، فكل ما ذكره تقريباً كان حقائق.
لننظر إلى الوضع الراهن ؛ فالطبقة الكادحة في «ناجاريل» التي ظلت راكدة لأكثر من قرن ، قد انتعشت تماماً تحت وطأة التنمية الاقتصادية للاتحاد ، محققة نتائج تركت الطبقة الحاكمة في ذهول.
بدأ الناس يتوقون إلى التغيير ويراجعون أنفسهم ، وتدفقت موجات فكرية جديدة عبر المجتمع. وحتى دون ضغوط من الاتحاد لإصلاح النظام السياسي كان لا بد لشخص من الداخل أن ينهض للمطالبة بالتحول.
لم يفعل الاتحاد أكثر من تسريع تلك العملية ؛ فلم يكن ذلك إكراهاً ، ناهيك عن كونه غزواً ، بل كان "رعاية دافئة من أخوية أممية ".
مع استطالة النقاش ، انقضى الوقت لحظة تلو الأخرى ، ولم يبدُ على أيٍ من الحاضرين الارتياح ، فكيف لمن يوشك أن يتنازل عن سلطته أن يبتسم ؟
«...لنصوت».
حين نطق الملك الشاب بهذه الكلمات ، حبس الجميع أنفاسهم داخل القاعة وخارجها.
صمتٌ تام.. كان ذلك أول ما لاحظه الجميع ، واستمر لدقيقتين أو ثلاث.
وبإشارة من الخادم ، ابتسم الملك: «يبدو أنكم خجولون قليلاً ، لذا سأبدأ بنفسي. أصوت لصالح الاقتراح الأول: إصلاح وتقوية أمتنا عبر تغيير النظام السياسي الحالي في «ناجاريل»».
رفع يده ونظر حول القاعة ؛ فبدا على البعض التردد ، وعلى آخرين الامتعاض ، بينما ظل البعض بلا تعبيرات أو أطلقوا تنهيدات مكتومة.
«أنا أوافق...».
«موافق...».
رفع الجميع أيديهم ؛ فالمقاومة في هذه المرحلة صارت ضرباً من العبث. فمن أراد أن يكون شهيداً ، قد قضى نحبه بالفعل في سبيل معتقداته ، أما أولئك الذين تمسكوا بسلطاتهم حتى الآن ، فمن الواضح أنهم لم يمتلكوا تلك النوايا.
مر الاقتراح الأول بسلاسة ، وأتبعه الثاني بالسهولة ذاتها. فقد كان مقاولو الدفاع التابعون للاتحاد قد نشروا أفرادهم في أرجاء البلاد ، وصار معارضة القرار ضرباً من الجنون ؛ فلو صوت أحدهم بالرفض ، ربما قد يصيب منزله نيزك في اللحظة التالية!
وفي أقل من ساعة توقفت دولة -من الناحية العملية- عن الوجود.
في ذلك المساء كانت قصة «ناجاريل» المحلية التي لم تكن لتلفت الأنظار ، تتصدر عناوين الصحف العالمية. و لقد ساعد تعاون الملك الجديد في تجميل صورة الاتحاد في هذه القضية ، فقد كان واضحاً أنه لم يكن تحت الإكراه. وفي المؤتمر الصحفي اللاحق ، أدان علناً النظام الفاسد القديم أمام جمهور عالمي.
بل إنه كرر رغبته في حل الملكية بالكامل ، مصرحاً بأن ذلك سيكون البرهان النهائي على التزامه بالإصلاح.
لقد أصبح اسم «مملكة ناجاريل» جزءاً من التاريخ ، ومن هذه اللحظة ، سيُطلق عليها اسم «ناجاريل الجديدة التابعة للاتحاد».