Switch Mode

كود بلاكستون 589

ازدراء العدو +


«ستقام مراسم استقبال رسمية صباح الغد...»

داخل غرف الفندق كانت البعثة الفيدرالية تعكف على مناقشة جدول أعمال الفعاليات الرسمية لليوم التالي.

في عُرف الدبلوماسية الدولية ، تحرص معظم الدول على الحفاظ على مستوى معين من الرسمية. ولم تكن «جيفرا» استثناءً من ذلك فقد كان لديها بروتوكولها الخاص ؛ فبدءاً من الاستقبال ووصولاً إلى الوداع ، تسير الإجراءات برمتها وفق نمط روتيني محدد.

ونظراً لتأخر الوقت ، أتمت البعثة إجراءات نزولها في الفندق للمبيت. وفي صباح الغد ، سيصل مسؤولون من مدينة الميناء لتمثيل «الامبراطور» في «جيفرا» واستقبال الوفد لأول مرة. وسيلقي الطرفان تصريحات إيجابية تخدم وسائل الإعلام ، من قبيل: «نأمل في تحقيق تعاون تجاري مثمر» ، وما شابه ذلك من العبارات.

بعد ذلك سيسافر الوفد بالقطار إلى العاصمة الإمبراطورية ليحظى بلقاء «الامبراطور».

تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من لقائهم به ، فإنه لن يناقش أي مسائل جوهرية تتعلق بالتعاون. فبصفته الرمز الأسمى لسلطة الدولة ، فإن إجراء لقاء كهذا يتطلب حضور نائب رئيس الاتحاد على أقل تقدير ، وأن تكون الزيارة ذات طابع سياسي أو عسكري.

كان هذا اللقاء مجرد مراسم شكلية ؛ عرضاً لإظهار الاحترام لـ«الامبراطور» في ظل هذه الملكية المتخلفة. فكان لزاماً عليهم مسايرتهم في تقاليدهم العتيقة.

لطالما تملك مواطني الاتحاد شعور غريب بالاستعلاء في نبراتهم كلما جرى الحديث عن الملكيات.

كان الجدول مزدحماً ومكثفاً ، فاجتمع أعضاء الوفد لوضع اللمسات الأخيرة قبل بدء فترة العمل الشاقة.

في تلك اللحظة ، طُرق باب الغرفة.

كانوا يقيمون في الطابق العلوي من الفندق ؛ إذ خُصص طابق كامل للوفد ، وإلى جانب الطاقم الدبلوماسي كان هناك ضباط أمن مكلفون بحمايتهم.

لم يخطر ببال أحد ممن في الغرفة أن الطارق غريب ؛ فما كان لأي شخص لا علاقه له بالموضوع أن يصل إلى هذا المستوى ، ناهيك عن أن يجرؤ على طرق هذا الباب.

توجّه العضو الأقل رتبة في الغرفة لفتح الباب ، ليدخل «لينش».

«مساء الخير أيها السادة!» كان وجهه يفيض بتلك الابتسامة الواثقة والمشرقة التي لا تفارقه ، والتي يصعب على المرء كرهها إلا إن كان أسود القلب.

استغرق الموجودون بضع ثوانٍ ليستوعبوا أنه «لينش».

لا يلامون على ذلك ؛ فقد كان اسمه مدرجاً في القائمة النهائية ، لكنه لم يسافر مع المجموعة. وقد ذكر السيد «ترومان» أنهم سيلتقون بـ«لينش» هنا.

لقد افترضوا أن «لينش» قد سبقهم إلى العاصمة الإمبراطورية وسيلتقي بهم هناك ، ففي مهمة دبلوماسية بهذا الحجم كان الوصول المبكر يعني عادةً تمهيد الطريق.

لم يتوقع أحد رؤيته هنا. وبعد لحظة من الدهشة ، نهض رئيس الوفد قائلاً: «سيد لينش ، ظننت أننا سنلتقي في العاصمة».

في الأصل كان من المفترض أن يترأس «ترومان» الوفد ، لكن الرئيس لم يستطع الاستغناء عنه ؛ فالانتخابات الولائية التي اختتمت للتو لم تهدئ من روع الرأي العام ، والانتخابات العامة باتت على الأبواب.

كان هذا أكثر الأوقات احتقاناً سياسياً في الاتحاد ؛ إذ تلت الانتخابات الولائية نظيرتها الوطنية مباشرة. ولم يكد الناس يتعافون من الحماس السياسي على مستوى الولايات حتى انزلقوا في فوضى الحملة الرئاسية.

جادل الخبراء بأن هذا التسلسل له مزاياه ؛ فنتائج الانتخابات الولائية غالباً ما تعطي إشارة إلى النتائج الوطنية ، وهي في جوهرها بمثابة إحماء للمواجهة النهائية في نهاية العام.

فالولايات التي حُسمت في الانتخابات الولائية يمكن الآن توطيدها أيديولوجياً لتقليل التقلبات. أما الولايات التي خُسرت ، فستصبح ساحات معركة للأحزاب الثلاثة ، مما يركز المزيد من الموارد والاهتمام هناك ويزيد من الكفاءة.

في هذه اللحظة الحاسمة لم يكن بالإمكان الاستغناء عن «ترومان» ، بصفته النائب الأكثر ثقة لدى الرئيس. وحتى لو فشلت المهمة الدبلوماسية ، فسيُعتبر ذلك أمراً ثانوياً في المخطط الكبير لتنمية البلاد. فبالنسبة لـ«ترومان» ، الرئيس هو كل شيء.

بعد جولات عدة من إعادة النظر ، أُسند المنصب إلى نائب وزير الخارجية ، وهو شخص كان يعرف «لينش» بالفعل من مفاوضات سابقة تتعلق بـ«ناجاريل».

رؤية «لينش» هنا منحته شعوراً غريباً بالطمأنينة.

تقدم لمصافحة «لينش» ، ولاحظ الجميع في الغرفة تغيراً في التراتبية المتصورة.

بتعريف من نائب وزير الخارجية ، تعرف «لينش» على الأعضاء الرئيسيين في الوفد.

إلى جانب نائب الوزير كان هناك المسؤول الأعلى في المكتب الفيدرالي للتجارة الدولية. حيث كان يسمى سابقاً «مكتب الموافقة على التجارة الدولية» ، لكن الرئيس الحالي حذف كلمة «الموافقة» لتمييز إدارته عن الإدارة السابقة.

ترددت شائعات بأن هذا المكتب سيتحول قريباً إلى إدارة حكومية كاملة. أما الآن ، فما زال رئيس المكتب ، والذي سيصبح قريباً أول وزير له ، يحمل رتبة منخفضة نسبياً ، وهو أمر مناسب لحجم هذه الزيارة.

ثم جاء المسؤول الثالث في مكتب الشؤون/السياسات الدولية ، وهو أحد مرؤوسي «ترومان» ، يليه المسؤولون من الدرجة الثانية والثالثة من إدارة الصناعة المحلية ، وإدارة التعليم والتطوير العلمي.

بشكل عام لم يكن مستوى الوفد رفيعاً. وبالنسبة لـ«لينش» كان الأمر أشبه بمهمة استطلاع ، مع توقعات ضئيلة بالتوصل إلى اتفاقات جوهرية.

كان ذلك طبيعياً. فقد دمر الاتحاد للتو أسطول «جيفرا» المسمى بـ«الأسطول الذي لا يقهر». والآن جاؤوا لمناقشة التعاون ، فكان من الطبيعي وجود مخاوف وتكهنات محلية. فـ«جيفرا» ، بصفتها ملكية متخلفة ، قد تستجيب بطريقة غير متوقعة ؛ ماذا لو قرر «الامبراطور» إعدامهم جميعاً ؟

كان هؤلاء الأشخاص ما زالون حبيسي عقلية «الحفاظ على المظهر» بدلاً من إدراك الحقيقة الجوهرية: في العلاقات الدولية ، المصالح هي الثابت الوحيد.

انسوا أمر «الأسطول الأول» حتى لو دمر الاتحاد كل أساطيل «جيفرا» ، وحتى لو تبول الرئيس على بوابات القصر الإمبراطوري ، طالما كانت المنافع المقدمة مجزية بما فيه الكفاية ، فسيظل «الامبراطور» يبتسم.

بعد التعرف على الجميع ، جلس «لينش» بجانب نائب الوزير ؛ فهو عضو في الوفد ومستشار له.

قال نائب الوزير ، وهو ما زال يظن أن «لينش» قد وصل للتو: «سيد لينش قد سمعت أنك ستصل قبلنا».

أومأ «لينش» برأسه قائلاً: «وصلت قبل يومين».

فكّر نائب الوزير في نفسه: هل تدرك مدى إرباك هذه الإجابة ؟ لكنه رد بسرعة ؛ فهذه وزارة الخارجية وليست إدارة النقل: «سيد لينش أنت بالفعل على دراية بالمنطقة ، هل لديك أي نصيحة لنا ؟».

ثم أضاف بلطف: «هل هناك أي شيء ينبغي أن ننتبه له ؟ العادات المحلية على سبيل المثال ؟».

أجاب «لينش» بتعبير جاد: «شارع بلوسوم القريب ممتع للغاية. هناك الكثير من المشروبات الجيدة ، وبعض الفتيات اللواتي يحتجن إلى... يد العون».

لم يعر أحد الأمر اهتماماً في البداية ؛ ففكرة أن يقول السيد الملياردير شيئاً بهذا القدر من البذاءة لم تدخل العقل حتى لم يستطع شاب أن يتمالك نفسه عن الضحك.

ربما وجد كلام «لينش» مضحكاً ، أو ربما وجد «لينش» نفسه كذلك. وأياً كان السبب ، فبمجرد أن ضحك ، انقلبت تعابير وجوه الجميع.

كان نائب الوزير ما زال يتساءل عما إذا كان «لينش» قد فقد عقله ، حين تابع «لينش» حديثه:

«أعلم أن بعضكم يظنني طائشاً ، لقولي أشياء كهذه في وقت كهذا...». زم شفتيه ثم أضاف: «لكني أريد توضيح نقطة ؛ لا تبالغوا في تقدير الجيفريين».

«قبل المعركة البحرية ، ربما كنا نخشى أسطولهم الذي لا يقهر ، وكنا سنزن مواقفنا بحذر».

«لكن ، أيها السادة ، نحن المنتصرون. و لقد أُبيد أسطول الأميرة العظمى لـ«جيفرا» تقريباً. و لقد سحقنا معنوياتهم!».

«في الوقت الراهن ، هم من يجب أن يتكهنوا بنوايانا ، وليس العكس. نحن المنتصرون».

«إذا تصرفتم بحذر مفرط ، وبوقار -بل بجبن- فسيسبب ذلك مشاكل كبيرة لمفاوضاتنا القادمة».

«سيبدؤون في استكشاف حدودنا ، واختبارنا خطوة بخطوة ، وتقديم مطالب غير معقولة. لأنكم لن تبدوا كوفد من اتحاد قوي ، بل كبعثة من دولة مهزومة ، اضطرت لطلب السلام بعد أن سحقتها «جيفرا»!».

«سيجعلهم ذلك يعتقدون أن انتصارنا في المعركة البحرية لم يكن حقيقياً. وقد يعتقدون حتى أننا لو تقاتلنا مجدداً ، فسنخسر. لذا أيها السادة ، يجب أن نظهر الثقة ، لا أن نختبئ في هذا الفندق!».

«أنا متأكد من وجود عيون لا تحصى تراقبنا ، داخل هذا الفندق وخارجه. إنهم يحللوننا ، ويقررون كيف يقتربون من المفاوضات بناءً على ما يلاحظونه الآن».

«بينما نظهر ظاهرياً أننا غير مبالين بالجيفريين بفضل انتصارنا البحري ، سنكون خلف الكواليس نعد استراتيجيتنا وخطة استجابتنا بالكامل بهدوء».

مسح نائب وزير الخارجية على لحيته وقال: «ما تقوله يبدو منطقياً. ما الذي تقترحه ؟».

بعد عشر دقائق ، اصطحب «لينش» بضعة أعضاء أقل أهمية في الوفد وتوجه مباشرة إلى شارع بلوسوم ، حيث أنفق المال ببذخ وساعد الفتيات اللواتي يحتجن إلى العون ؛ شارباً ومحتفلاً.

وصلت أخبار ذلك سريعاً إلى «الامبراطور» في «جيفرا» ، فغضب لفترة ، ثم تحول غضبه كله إلى تنهيدة عاجزة: «يا له من وقح».

عندما لا تستطيع هزيمة شخص ما ، لا تملك إلا أن تبتلع غصتك. ولأول مرة ، فهم كيف كان يشعر أصحاب الدول الصغيرة حين يواجهون «جيفرا» ؛ لم يكن شعوراً جيداً على الإطلاق.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط