Switch Mode

كود بلاكستون 485

النهايات والبدايات +


الفصل 485: نهايات وبدايات

لو حدث هذا قبل بضع ساعات ، لغادر الشاب الغرفة كخادم مطيع حتى وإن لم يرغب في ذلك. و لكن كل شيء قد تبدل الآن ؛ فلم يغادر ، بل نظر إلى والده -السيد سايمون- وقال "أنت تخطط للرحيل... "

"سمعت كل شيء من كبير الخدم أنت تبيع كل شيء. "

"المصانع ، والمتاجر ، والمستودعات ، وما بداخلها ، لقد سرحت جميع العمال حتى هذا المنزل أصبح جزءاً من خطتك للبيع! " لم يكن صوت الفتى مرتفعاً ، لكنه وقع على مسمع السيد سايمون كالصاعقة.

أُسقِط في يد السيد سايمون ، فارتبك للحظة وقال "لا ، هذا غير صحيح! "

وللمرة الأولى لم يطأطئ الفتى رأسه صامتاً ، بل حدق مباشرة في الرجل الذي بدا الآن مذعوراً تحت الضغط ، مدركاً أنه لم يعد يملك تلك السطوة التي كانت يتوهمها يوماً.

"أنت مستعد للرحيل بالفعل ، وما إن يستحوذ أحدهم على أصولك حتى ترحل ، ولم تكن تنوي اصطحابي أو والدتي معك. فكنت ستتركنا خلفك دون شيء! "

لقد أصاب الحقيقة ، واستعاد السيد سايمون رباطة جأشه ، ليعود إلى لعب دوره المعهود.

"هذا ليس أمراً يعنيك ، أتفهم ؟ سأقولها مجدداً ، اخرج من هذه الغرفة ، الآن! " أشار السيد سايمون إلى الباب ، مستعيداً سلطته كأب ورب للأسرة.

أخذ الشاب ينزلق من خيبة الأمل إلى اليأس ، وهي حالة عانى منها مراراً وتكراراً ؛ وشعر بالظلام يبتلعه ببطء ولكن بثبات.

التوى وجهه ألماً ، وحاول رسم ابتسامة قسرية ، لكنها بدت كأنها تكشيرة من ألم. "يمكننا الرحيل معاً ، إلى أي مكان ، إلى بلادك ، أو أي مكان لم تطأه قدماك قط. نحن عائلة ، يجب أن نعيش معاً... "

"أخبرني أنك كنت ستأخذنا معك... "

صرخ ، لكن السيد سايمون بقي صامتاً كانت شفتاه مضمومتين بإحكام ، وقد خلت من اللون ، شاحبين كشحوب مزاجه.

لم يعترف قط بهذا الفتى الذي تشبه بشرته بشرة والدته أكثر مما تشبه بشرته ، كابن حقيقي له. ورغم علمه بأنها الحقيقة إلا أنه أبى إلا أن ينكرها.

كلما طالت إقامته ، ازداد حنينه إلى الزوجة التي خانته ، والابن الذي لم يكن يدعوه "أباً " إلا في رسائل يطلب فيها المال. أما هذه المرأة وذلك الطفل هنا ، فلم يكونا في نظره سوى أدوات ، وسيلة ليتأقلم مع المجتمع المحلي ؛ مزهرية ، وابن غير شرعي.

حطمت نظرة الغريب الباردة المليئة بالحقد ما تبقى لدى الفتى من أمل ضئيل. لم يغادر الغرفة ، بل توجه إلى الأريكة وجلس ، ممسكاً رأسه بكلتا يديه ، مستسلماً لاضطرابه.

"لماذا ؟ إن كنت لا تحب أمي ولا تحبني ، لماذا تزوجتها وأنجبتني ؟ " تساءل بمرارة.

لطالما راوده هذا السؤال من قبل ، لكنه كان يمني نفسه دائماً بأنه مجرد وهم. كيف لأب ألا يحب طفله ؟

حتى أنه كان يختلق الأعذار للسيد سايمون ؛ ربما كان يعبر عن حبه بطريقة مختلفة ، ربما كان يراقبه بصمت...

لقد حاول خداع نفسه بتصديق تلك الأكاذيب ، لكن اتضح أنها محض هراء.

تحدث السيد سايمون أخيراً ببرود "لأنه لولا ابن مثلك ، لما تعامل معي أهل هذا البلد. "

"كنت أعلم ما يدور في خلدهم ؛ ظنوا أنك سترث كل شيء مني ، وظنوا أنك واحد منهم.. من أهل ناغاريل الأصليين... " توقف السيد سايمون وقد غلبته عواطفه ، ثم أكمل "وأنت بالفعل من أهل ناغاريل. "

تسربت ابتسامة غريبة إلى وجهه "أما أنا فلا. ولا ينبغي لابني أن يكون كذلك. "

"كنت على حق. لم أرَك قط كابن لي ، ولم أخطط يوماً لأخذك معي. لا أطيقك ، والآن وقد انتهت منفعتك ، لن آخذك معي بالتأكيد! "

"ماذا ؟ أردت المعرفة ، وقد أخبرتك. أأنت راضٍ بهذه الإجابة ؟ "

"إذاً ، جُرَّ أذيال الخيبة واخرج من غرفتي. و مجرد رؤيتك تثير اشمئزازي! "

انهمرت الدموع على وجه الشاب ، وارتجفت عضلات وجهه لا إرادياً. وبامتزاج الدموع والمخاط ، بدا منظره مثيراً للشفقة.

"إذاً لم تحبني قط ؟ أبداً ؟ " سأل سؤاله الأخير.

تردد السيد سايمون ، ثم هز رأسه "ولا مرة. "

"لطالما ظننت أنك لا تحبني لأنني لست جيداً بما يكفي... حتى حين كنت أعلم أنني أكذب على نفسي. "

"لقد أهدرت فرصتك الأخيرة. أرجوك... دعني أناديك 'بابا ' لمرة واحدة فقط... "

في لهجة ناغاريل المحلية "بابا " كلمة أكثر حناناً وألفة من كلمة "أب " الرسمية. قلة من الناس يستخدمون المصطلحات الرسمية في حياتهم اليومية إلا إن أجبرتهم تربيتهم أو تعليمهم على ذلك ؛ فمعظمهم يستخدم كلمات أكثر دفئاً.

وبينما تجمد السيد سايمون في ذهول ، التقط الشاب بندقية الصيد من على الأريكة ورفعها. تغير تعبير السيد سايمون إلى شيء غريب ؛ كأنه خيبة أمل.

"لن تضغط على الزناد. أنت لا تملك الشجاعة. سأترك لك ولوالدتك بعض المال ، ما يكفي لعيش كريم. و الآن كف عن قول هذه الترهات ، ضع السلاح أرضاً ، واخرج من غرفتي... "

دويّ!

بدا أن صوت الطلقة المدوية قد ابتلع العالم بأسره. وبينما كان السيد سايمون يحدق في لحظه النار ، تذكر شيئاً من بداية أيامه هنا.

"بريتون " الصياد الماهر ، هو من آواه حين لم يكن لسايمون مكان يذهب إليه. حيث كان لسايمون نجاحات تجارية سابقة وبعض العلاقات في وطنه ، وهو ما أثار اهتمام "بريتون " الذي لم يكن يضم إليه إلا ذوي المنفعة.

وليبهر "بريتون " رتب سايمون توريد عدة بنادق صيد عالية الجودة. لم تكن أسلحة حربية ، لكنها كانت استثنائية للصيد.

عيارات أكبر ، سرعة فوهة أعلى ، وقوة تمزيق مرعبة ؛ لقد أخبره صانع السلاح بفخر أن حتى فيلاً هائجاً يمكن إسقاطه بها.

فقط باعد بين قدميك ، وثبّت أخمص البندقية في كتفك ، وصوّب نحو رأس الفيل ، ثم اضغط الزناد.

ومع دويّ الرصاصة سيسقط الفيل كدمية قماشية ، لا يقوم بعدها أبداً.

سقط السيد سايمون إلى الخلف ببطء ، رأى قطرات الدم معلقة في الهواء ، تهوي بتثاقل. فلم يكن الدم أحمر قانياً كما يتخيل الناس كان داكناً.

رأى شظايا عظم متطايرة... وحتى مقلة عين أخرى ، ما زال عصبها عالقاً بقطعة من العضلات ، تسبح في الهواء. حيث كان يرى الرعب في تلك العين ، ويرى انعكاس صورته فيها.

مخلوق مثير للشفقة ، وقد نُسف نصف رأسه.

بصوت ارتطام ثقيل ، انهار السيد سايمون. تشنج جسده لفترة وجيزة ، ثم سكن تماماً بينما كان الدم يتدفق من جمجمته.

نهض الشاب مجدداً بعد أن أطاحت به قوة الارتداد. انفتح الباب فجأة ، واندفع كبير الخدم والشاب الآخر إلى الداخل ، ليقع بصرهما فوراً على جثة السيد سايمون.

بدا الشاب الآخر مبتهجاً ، أما كبير الخدم ، فكان أكثر تجلداً ، حيث سحب مفرش المائدة عن الطاولة ووضعه برفق فوق رأس السيد سايمون المشوه.

تشرب القماش الأبيض بالدماء سريعاً. مسح الشاب دموع وجهه ونظر إلى السيد سايمون الهامد على الأرض ، وقلبه يضطرب بشتى المشاعر. و لقد أدرك أن ما رآه يوماً كجبل لا يتزحزح ، قد انهار أمامه الآن. و لقد أدرك أن حياة الإنسان هشة حقاً.

لم يعرف كيف يصف ما يشعر به -تلاطمت المشاعر في جوفه- لكنه أيقن أكثر من أي وقت مضى أن عليه مسؤوليات جديدة الآن.

"ما الذي علي فعله تالياً ؟ " سأل الشاب ، ملتفتاً نحو رفيقه. "لقد أثبتُّ صدق نواياي. "

أومأ الآخر موافقاً تماماً "من هذه اللحظة ، سأتولى أنا كل شيء. و من الآن فصاعداً ، ستكون أنت وعائلتك وممتلكاتك تحت حماية ورعاية 'حزب شباب ناغاريل '! "

تعالت أصوات طلقات نارية في الجوار من حين لآخر ، لكنها سرعان ما خبت.

كان الاضطراب قد امتد إلى هذه المنطقة. وكان لبعض الناس أطماع في منزل السيد سايمون ؛ ففي نهاية المطاف كان الجميع يعلم بين الأجانب هنا أنه من أثرى الأثرياء.

لكن ما إن اقتربوا لاقتحام المكان حتى رأوا جثة على العشب وقد غُطي رأسها. حيث كان هناك شبان يهتفون بصوت عالٍ بأن عصابة قد اقتحمت المكان وقتلت السيد سايمون.

كما أعلنوا أن ابن السيد سايمون -وهو فتى من أهل ناغاريل- سيرث ثروته وأملاكه ، وأنه عضو في "حزب شباب ناغاريل ".

ومن أراد تجنب المتاعب لنفسه ولعائلته ، فمن الأفضل له الابتعاد عن هذا العقار.

ورغم أن "حزب شباب ناغاريل " لم يكن يمتلك نفوذاً حقيقياً أو شهرة واسعة إلا أنهم كانوا يمتلكون السلاح ، والسلاح في ذلك الوقت كان أقوى وسيلة للإقناع.

تذكر الناس السيد سايمون الميت ، وتذكروا الحزب ، وتذكروا الأسلحة التي كانت في أيديهم.

دبّ الذعر في قلوبهم ، فرحلوا.

جالساً في غرفة المعيشة مقابل والدته التي لم تبدُ عليها علامات الحزن ، حدق الشاب بذهول عبر النافذة نحو السماء.

لم يكن يعلم إن كان قد اتخذ القرار الصائب ، لكن على أقل تقدير كان يقاتل من أجل فرصة.

فرصة ليتحكم في مصيره بنفسه.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط