الفصل 476: صمتٌ مريب
«إن تعزيز رفع قيمة عملة "ناغاريل " سيصبُّ في مصلحة تعاوننا المشترك ، وسيدعم استقلال "ناغاريل " الصناعي!»
في قلب مدينة "إيمينينس " كان السيد "ترومان " يتحاور مع دبلوماسي من مملكة "ناغاريل " لمناقشة مسألة رفع قيمة عملة "فاليير ". جلسا في فناءٍ فُرِشَ بعشبٍ أخضر نضير ، بلغت تكلفة القدم المربع الواحد منه 450 ألفاً ، وخلف سياجٍ متواضعٍ كانت تضجُّ الطريق بالحركة. حيث كان ذلك التباين بين هدوء المكان وضجيج ما يحيط به يضفي عليه سحراً فريداً.
كان المارَّة يختلسون النظر بين الفينة والأخرى إلى الرجلين الجالسين على العشب ؛ فبعضهم تعلو وجهه حيرةٌ حين يتعرف على أحدهما لكنه يعجز عن تذكر هويته تماماً ، أما أغلبهم فكانوا غارقين في لُجج حياتهم ، لا وقت لديهم للالتفات إلى ما لا صلة له بأعمالهم ، فمضوا مخلفين وراءهم مزيجاً من الغبطة والفضول.
إن عشباً يُقاس بالقدم بآلاف "السول " ليس ترفاً عادياً ، فهذه الرقع العشبية لا تبقى سوى شهرين أو ثلاثة قبل أن يستبدلها صاحب المنزل حالما تخبو نضارة لونها. حيث كانت مساحة العشب لا تقل عن مئة قدم مربع ، وتكلفة استبداله تفوق قدرة الكثيرين ، ولهذا كان مشهدها يثير في الأرواح طمعاً وحافزاً في آنٍ معاً ؛ فهي رمزٌ لأن الثروة هنا هي كل شيء.
استمر الرجلان في حديثهما ، وقد بدا وكأنهما جزءٌ من المشهد. حيث كان الدبلوماسي الناغارايلي يقلب قهوته بشرودٍ وذهنٍ مشغول. فمنذ تقديم أوراق اعتماده كان السيد "ترومان " يحثُّ على رفع قيمة "فاليير " لكن الدبلوماسي وحكومة "ناغاريل " المركزية أصروا على المماطلة ، ريباً منهم في نوايا الاتحاد.
من منظور "ناغاريل " كان رفع قيمة العملة مفيداً ؛ إذ يجعل أموالهم ذات قيمة أكبر ، ورغم أن ذلك لن يؤثر جذرياً على الاقتصاد الداخلي إلا أنه سيؤثر بوضوح على التجارة الخارجية ، وخاصة الواردات. فمثلاً ، لو أراد مواطنٌ من "ناغاريل " شراء سلعةٍ قيمتها 100 "سول " اتحادي ، فقد يدفع مقابلها 10,000 "فاليير " وبعد رفع قيمة العملة قد تنخفض التكلفة إلى 8,000 "فاليير " للسلعة ذاتها. ومن دون زيادة أو نقصان في المعروض النقدي ، سيكون بإمكانهم شراء المزيد بمالٍ أقل ؛ وهي منفعة لا جدال فيها لـ "ناغاريل " وشعبها ، وهذا بالضبط ما احتاجوه لتسريع التنمية: الدعم الاقتصادي.
لكن الجميع كانوا يشكون في نوايا الاتحاد. وطوال العملية الدبلوماسية ، نما لدى وفد "ناغاريل " وحكومتهم ودبلوماسييهم شعورٌ بالحذر والريبة تجاه مقاصد الاتحاد. فبينما يصف الكثيرون "ناغاريل " بالرجعية والهمجية كانوا هم يرون أن الطبقة الحاكمة في الاتحاد هي الهمجية الحقيقية.
قال الدبلوماسي بتعبيرٍ ينم عن العجز: «سيد ترومان ، أفهم مقاصدك ، وأنا أتواصل بفعالية مع حكومتي ، لكنني مجرد دبلوماسي ، والضغط عليَّ لا طائل منه». ظهر صوته مستعطفاً ، لكن الجميع يعلم أن هذا ليس سوى حديثٍ دبلوماسي معتاد.
ابتسم السيد "ترومان " ابتسامةً خفيفة ، وخلع نظارته الشمسية ليعبث بها قليلاً قبل أن يعيدها إلى وجهه ، وقال: «كيف تجد وقتك هنا في الاتحاد ؟».
ارتبك الدبلوماسي للحظة ، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه وانخرط في الحديث الودي: «ليس سيئاً. الحياة هنا أكثر ثراءً وإثارةً مما هي عليه في "ناغاريل " لكن الناس هنا يغلون قيمة المال والسلطة فوق كل اعتبار حتى يضيعوا في خضم رغباتهم. وهذا على نقيض "ناغاريل " ؛ حيث نمتلك إيماناً راسخاً ، فلا المال ولا السلطة يستطيعان زعزعة معتقداتنا. قد نكون فقراء مادياً ، لكننا أغنياء روحياً».
شرح الدبلوماسي مصطلح "الثراء الروحي " وهي عبارة تعلمها مؤخراً ، وشعر أنها تصف وضعهم بدقة: «نحن فقراء في الثروة الجسديه لكننا أغنياء في الروح». لم يكن بوسعه أن يكذب فيدعي أن "ناغاريل " أكثر ثراءً من الاتحاد أو تضاهيه ، ولا أن يزعم أنهم يفضلون الفقر ، لذا استخدم الثراء الروحي ليعوض النقص المادي ، حفظاً لماء وجهه ووجه بلاده.
ضحك السيد "ترومان " وقال: «أنت دبلوماسي صادق وذكي». وكلاهما أدرك المعنى الضمني لـ "ذكي ".
تابع "ترومان ": «الاتحاد يقود العالم في العلم والتكنولوجيا ، مما يتيح لنا خلق ثروة أكبر ومستويات معيشة أفضل. و كما نتمتع بهيكل اجتماعي حر ؛ فكل شيء متاح ، بما في ذلك الانتخابات». كان السيد "ترومان " متحدثاً بارعاً ، ولم يجد الدبلوماسي سبيلاً إلا الإيماء موافقاً.
ثم غيّر السيد "ترومان " دفة الحديث: «هل فكرت في الاستقرار هنا ؟».
كاد الدبلوماسي يسقط عن كرسيه ، فسارع لتعديل بنطاله ليخفي ارتباكه: «أنا مواطن ودبلوماسي من "ناغاريل ". سيد ترومان ، سؤالك هذا إهانة لكرامتي. إن كان هذا قصدك ، أعتقد أنه يجب علينا إنهاء هذا الحديث». كان حازماً وواضحاً في موقفه.
لكن السيد "ترومان " لم ينهِ كلامه بعد: «لقد بحثت في سيرتك ؛ أنت تنتمي إلى واحدة من كبرى عشائر "ناغاريل " ولم تُرسل إلى هنا لتعارضنا دبلوماسياً ، بل اتخذوك كبش فداء». كانت خلفية الدبلوماسي معروفة ؛ فقد درس في "جيفرا " حيث يرسل حكام "ناغاريل " الأثرياء أبناءهم للدراسة في الخارج. ومع ذلك كان الدبلوماسيون العائدون من "جيفرا " محل ريبة ، وكانت أفكاره غالباً ما تصطدم بالطبقة الحاكمة في "ناغاريل ".
على سبيل المثال ، إن تحسين جودة حياة الناس قد يعزز قوة الأمة ، لكنه قد يثير في الوقت ذاته أفكاراً خطيرة. إن بناء أمة قوية يتطلب تكاتف جميع العشائر والحكام ، وهو أمرٌ مستحيل في ظل صراعات دامت قروناً. حيث كانت الصراعات السياسية والدينية وتنازع السلطة وحشية ؛ فالخاسرون فيها مهددون بالفناء ، والوحدة كانت أمراً لا يمكن تصوره ، مما جعله خارجاً عن المألوف.
في الحقيقة ، إن فترته في "جيفرا " قد لقنته أفكاراً الامبراطورية ، رغم ادعائه رؤية عيوب "ناغاريل ". لم يكن محبوباً هناك ، وإرساله إلى الاتحاد كان تخلصاً منه ، ففشله سيبرر إلقاء اللوم عليه.
قال السيد "ترومان " بنظرة واثقة: «سمعت قصصاً عن أيامك في جامعة "جيفرا " الملكية. أنت صاحب رؤية ، لكن "ناغاريل " لا تستطيع دعم أحلامك ؛ بل قد يعتبرونك عدواً لهم. حيث يجب أن تتذكر "لينش " فقد قال يوماً ما أتفق معه فيه: أنت تمتلك موهبة استثنائية وتحتاج إلى مسرح مثالي ، و "ناغاريل " لا تملك ذلك لكننا هنا نملكه».
«أفكارك غير العملية لها فرصة هنا ، وأنا ، على الأقل ، أحب بعضاً منها. و لقد ذكرت للتو الثروة الروحية ؛ لا الثروة الجسديه ولا الروحية تهبطان من السماء ، فكلاهما يتطلبان السعي. وماذا عن سعيك أنت ؟».
بذلك أنهى السيد "ترومان " قهوته بجرعة واحدة ووقف: «فكر في عرضي. ابقَ هنا ، وسيكون لديك مسرحٌ أوسع بكثير. اتصل بي حينما تعقد العزم ؛ سأكون بانتظار أخبارك الطيبة».
بينما كان الدبلوماسي يراقب سيارة السيد "ترومان " تبتعد عن الطريق كان تعبير وجهه غريباً. حيث كان يعلم أن الاتحاد حقق في ماضيه ، لكنه لم يرَ في ذلك تدخلاً ، بل رأى فيه مدى تقديرهم له ؛ فأنت لا تهتم بشخصٍ ما إلا إذا كنت حريصاً على معرفة كل شيء عنه تماماً كمن يستقصي أدق التفاصيل عن شخص غريب يعجب به ، لكنه لا يكلف نفسه عناء فهم لماذا يتسكع متشردٌ في الطرقات.
كان الاتحاد يقدره ، وشعر بمزيج من الفخر والعبثية في آنٍ واحد. و كما أدرك أن غصن الزيتون الذي مُدَّ إليه كان تشجيعاً له ليتواصل مع حكومته ويقنعهم بالموافقة على رفع قيمة "فاليير ". لقد كان الجسر بين "ناغاريل " والاتحاد ، ورغم أن البعض اعتبره مصدر إزعاجٍ ودفعه إلى هنا إلا أن رأيه ما زال يحظى بالاحترام.
عاد إلى مقعده ، حيث غمرته أشعة الشمس الأكثر دفئاً ، مستمتعاً بالأشعة الساطعة والنسيم العليل والقهوة الأغنى ، بينما كانت أفكاره تتلاطم كأوراق الشجر في مهب الريح ؛ متداخلةً ومضطربة.