الفصل 174:
في البداية ، أخذ «جاب» نسخاً من الدفاتر الأصلية إلى منزله ، بنية استغلال وقت فراغه لتعديلها بصورةٍ أكثر منطقية.
لم يكن يرى في ذلك عملاً إجرامياً ؛ ففي ذلك الوقت كانت مجموعة «ليستون» لا تزال واحدة من أهم الشركات في مدينة «سابين». وبصفته محاسباً كان يدرك جيداً طبيعة العلاقة التكافلية الحاسمة بين الشركات والحكومة. بل كان من الممكن أن تدعم دار البلدية مجموعة «ليستون» في تعديل دفاترها لتجنب التورط في فضيحة مجموعة «إيفر برايت».
أما فيما يخص التباين بين مجموعتي الدفاتر ؟ لم يكن ذلك ليشكل معضلة ؛ إذ كان سيُنظر إليه ببساطة على أنه محاولة من طرفٍ ما للإطاحة بقطب الصناعة في مدينة «سابين» عبر وسائل دنيئة ، مما سيتسبب في فقدان مواطني «سابين» لوظائفهم وترك عشرات الآلاف من العائلات دون أمان. ناهيك عن أن دار البلدية والعمدة نفسه لن يوافقا على ذلك وكذلك مواطنو «سابين». لقد تجسدت هنا قيمة وقوة الحمائية المحلية ؛ فمثل تلك الشركات التي لا تخسر قضاياها على أرضها ولا تواجه مشاكل قانونية محلية لم تكن فوق القانون ، بل إن قيمة استمرار وجودها فاقت بمراحل قيمة سقوطها. ومع أن وجودها قد يضر ببعض الرأسماليين إلا أنه يفيد أغلبية الناس العاديين ، لذا كان لزاماً عليها أن تبقى.
غير أن الوضع اختلف الآن ؛ فقد باتت كل من دار البلدية وحكومة الولاية غير راضيتين عن المجموعة ، وأصبحت الدفاتر الأصلية التي في حوزة «جاب» -والتي لم تكن تشكل أزمة في البداية- «جمرةً خبيثة» يخشى حملها.
من منظور عقلاني كان تدميرها هو التصرف الأنسب ؛ فبدون هذه الدفاتر الأصلية حتى لو اكتُشفت ثغرات في حسابات المجموعة ، فإن التحقق منها سيستغرق وقتاً طويلاً ، مما سيؤدي إلى إطالة أمد التحقيق. وستكون الإجراءات القانونية طويلة لدرجة تجعل الناس ينسون الأمر تدريجياً ، وبحلول ذلك الوقت ، قد تكون المجموعة قد غادرت المدينة بالفعل ، بينما قد لا تُقبل طلبات التحقيق الخاصة بها من الأساس.
إلا أن صوتاً في أعماق «جاب» كان يخبره بضرورة الاحتفاظ بهذه الدفاتر ؛ فمن يعتاد التعامل مع الأرقام ، يكتسب عادةً صغيرة تتمثل في الاحتفاظ بخطة بديلة. ففي حال وقوع المحظور ، من الحكمة دائماً أن يكون لدى المرء ورقة رابحة.
في اليوم التالي ، استخدمت «فيرا» حسابها المصرفي الأجنبي المسجل لفتح حساب تسوية عابرة للحدود في بنك «بروروحي» بمدينة «سابين» ، كما فتحت صندوق أمانات مرتبطاً بذلك الحساب الأجنبي ، مؤمّناً بكلمة سر للتحقق. حيث كانت هذه خدمة شائعة ؛ ففي الوقت الراهن لم تكن هناك عملة دولية ذات أهمية حقيقية ، وبينما قد توجد عملة موحدة نسبياً داخل الأقاليم الكبرى ، ظلت التسويات الدولية تفتقر إلى عملة تداول عالمية رئيسية. وفي التجارة العابرة للحدود كان التجار غالباً ما يوكلون تسوية العملات إلى بنوك تتمتع بمؤهلات الصرف الأجنبي ، وعلى الرغم من ادعاء العديد من البنوك امتلاكها لهذه المؤهلات إلا أن التفاوت بينها ظل قائماً.
سجلت «فيرا» حساباً تجارياً ، مما سهل عليها التعامل مع التهرب الضريبي القانوني لنفسها أو لعملائها. وفي «اتحاد بايلور» كان لجميع المحاسبين المسجلين تقريباً بضع قنوات أو حسابات من هذا النوع. وبفضل المسيرة المهنية الناجحة لـ«جاب» وما يتمتع به من «المستوى العالي» من علاقات تمكنت «فيرا» أيضاً من تسجيل حساب خارجي (أوفشور) كهذا. ثم أرسلت الدفاتر التي أعطاها إياها «جاب» ، إلى جانب بعض الأدلة التي تدين المجموعة ، إلى بنك «بروروحي» لحفظها.
غالباً ما كانت شروط فتح صناديق الأمانات هذه فريدة ، وتتضمن نوعاً من الأختام أو الآليات ، أشبه بما يُعرض في الأفلام حيث تُستخدم ورقة نقدية ممزقة كمفتاح. و لكن الأكثر شيوعاً هو استخدام كلمة سر ؛ فمع وجود الرمز الصحيح ، يستطيع أي شخص فتح الصندوق. وبالمقابل ، فبدون كلمة السر ، لا يمكن لأحد أن يفتح هذه الصناديق بسهولة حتى لو تيقن الجميع من وجود محتويات غير قانونية بداخلها.
وحتى تقديم طلب للمحكمة للحصول على إذن بالفتح يعد إجراءً طويلاً ؛ حيث يبذل القسم القانوني في البنك قصارى جهده لمنع المحكمة والقضاة من الموافقة على هذه الطلبات لضمان خصوصية العميل ، وهو أمر حيوي لسمعة البنك.
بعد الانتهاء من كل شيء ، وصلت «فيرا» إلى مكتبها. حيث كان قسم المالية بالكامل قد توسع لأكثر من ضعف حجمه الأصلي ، وإلى جانب دورها كرئيسة للقسم ، قامت بتوظيف أكثر من عشرين موظفاً ؛ عمل بعضهم في المكتب ، بينما توزع الآخرون بين الشركات التابعة ، شاغلين مناصب هامة.
ومع دخولها كان الموظفون يتوقفون عن أعمالهم مهما كانت مشغولة ليحيّوها بابتسامة ، مما منح «فيرا» شعوراً فريداً بالرضا. لم تستطع وصفه بدقة ، لكنها كانت سعيدة لأن عملها وقدراتها قد نالا التقدير. وما إن جلست حتى ألقت نظرة على بضع وثائق على مكتبها بانتظار توقيعها ، وقبل أن تشرع في مراجعتها ، طرقت سكرتيرتها الباب.
يومياً بعد وصول «فيرا» كانت السكرتيرة التي كانت زميلتها في الدراسة أيضاً ، تحضر لها كوباً من القهوة الطازجة. حيث كانت جمعيات الخريجين ونوادى الطلاب منتشرة في أرجاء «اتحاد بايلور» وتُعتبر من أكثر العلاقات موثوقية. و قبل ذلك لم تكن «فيرا» على تواصل يذكر مع هذه الزميلة التي تصغرها سناً ، بل لم تكن تعرفها حتى ، لكن عندما احتاجت إلى سكرتيرة كان أول ما خطر ببالها التواصل مع ناديها الجامعي ، فزكوا لها هذه الفتاة ، وقبلتها «فيرا».
قالت بابتسامة: «اتركيها هناك». وبينما كانت تنظر إلى الفتاة التي بدت على وجهها ملامح الحذر والإعجاب ، خفّت حدة الثقل في قلبها قليلاً.
وضعت الفتاة كوب القهوة والصحن على زاوية المكتب ، وبدلاً من المغادرة فوراً ، أخبرتها أن «لينش» قد مرّ للتوّ ويأمل أن تستطيع «فيرا» زيارة مكتبه عندما يتسنى لها الوقت.
نادراً ما كان «لينش» يستدعي «فيرا» ؛ فإذا احتاج شيئاً كان يأتي هو بنفسه. وأحياناً كانت «فيرا» تخبره بأنه لا داعي لأن يتكبد عناء المجيء ، إذ كانت تشعر بأن تردده المتكرر على مكتبها سيؤدي حتماً إلى القيل والقال ، كما رأت أن ذلك غير ضروري في وجود الهاتف.
ومع ذلك ما لم تتوقعه «فيرا» كان رد «لينش»: «إذا رآكِ الناس تدخلين مكتبي باستمرار ، فما الذي سيظنونه ؟ سيظنون أنكِ استغللتِ وجهكِ الجميل لتصلي إلى منصبكِ الحالي ، بل وأكثر من ذلك... إنه أمر مجحف بحقكِ. لكن إذا ذهبتُ أنا إلى مكتبكِ ، فلن تراودهم مثل هذه الأفكار ؛ قد يظنون أنني معجب بكِ ، لكنهم لن ينظروا إليكِ بازدراء. نعلم جميعاً أن هناك الكثير من الظلم في المجتمع ، لكننا لا نستطيع تغييره ؛ كل ما يمكننا فعله هو محاولة تجنبه».
لولا أنها متزوجة ، وتكبر «لينش» بسنوات كثيرة ، ولديها طفل ، ربما كانت «فيرا» قد فكرت في «لينش». فعلى الأقل كان يعرف كيف يحترم المرأة ويهتم بها بطريقة لم تعهدها «فيرا» من قبل. وقلة في المجتمع من يفعلون ذلك. ومن الصعب ألا تُعجب بشابٍ يعرف كيف يجذب القلوب ، وإن كان ذلك الإعجاب أفلاطونياً بحتاً.
أومأت «فيرا» برأسها في تحفظ. وبعد أن غادرت السكرتيرة ، ارتشفت قهوتها ، وألقت نظرة على الوثائق ، ثم توجهت إلى مكتب «لينش».
كانوا يستأجرون حالياً مكتباً من شركة مالية تم حلّها لمخالفتها بعض اللوائح ، وسيعرض هذا المكتب للمزاد بعد الانتهاء من التعامل مع جميع أنشطتها غير القانونية. وفي غضون ذلك استأجره «لينش».
بعد وقت قصير ، ظهرت «فيرا» في مكتب «لينش». ظهرت على بعض النساء هناك تعبيرات غريبة ، بدا وكأنهن يتضامن مع «فيرا» ، واصفات تصرفات «لينش» بأنها تحرش في مكان العمل. و لكن كان هناك أيضاً من انحزن لـ«لينش» ، مع شعور بالاستياء منه لأنه لم يلتفت إليهن. فمع وجود كل هؤلاء الفتيات في المكتب ، لماذا ينجذب لمن لديها طفل بالفعل ؟
عند دخولها ، أغلقت «فيرا» الباب كعادتها وجلست بشكل طبيعي على الكرسي المقابل لـ«لينش». كانت مسترخية ، ولا يظهر عليها ارتباك المرؤوس أمام رئيسه. حتى إنها مازحت قائلة: «لم ترَ تعبيرات وجوه الفتيات عندما دخلتُ هذه الغرفة ؛ لا بد أنهن يتمنين لو كنّ هن من يأتين إلى هنا بدلاً مني».
ابتسم «لينش» متجنباً ذلك الموضوع الذي قد يحمل حرجاً ، وقال: «لقد أنهيتُ بالفعل التعاون مع المستثمرين من "كورلاند " وستصل أموالهم قريباً. وحينها ، سأحتاج إلى مساعدتكِ في إدارة شؤوني المالية الشخصية».
كان «لينش» قد باع أسهمه بسعر متفق عليه من الطرفين ، لذا ستذهب الأموال إلى حسابه الشخصي ، لا إلى حساب الشركة. وبالطبع كانت هذه الأرباح خاضعة للضريبة ، وكانت «فيرا» تتولى أيضاً إدارة الشؤون المالية الشخصية لـ«لينش».
أومأت برأسها ، ودوّنت الملاحظة ، ثم سألت عرضاً: «هل نحتاج إلى دراسة التخطيط الضريبي ؟».
قطّب «لينش» حاجبيه للحظة قبل أن يتنهد قائلاً: «لنلتزم بالإجراءات القياسية. لا ينبغي لنا السعي وراء تهرب ضريبي عدواني ؛ لندفع ما يتوجب علينا ، ولكن ليس أكثر من اللازم».
تتعدد طرق التهرب من الضرائب ، حيث يستخدم النظام الضريبي الفيدرالي كلاً من الطرق النسبية وطرق الحصص ، حيث تكون الأخيرة أكثر شيوعاً ، لكن الأولى توفر مرونة أكبر. ووفقاً لهيئة الضرائب الفيدرالية ، فإن الأفراد مثل «لينش» الذين يكسبون أكثر من خمسين ألفاً شهرياً ، يجب أن يدفعوا ما لا يقل عن خمسة وخمسين بالمائة من الضرائب المختلفة. و لكن في الواقع ، غالباً ما يدفع هؤلاء مبالغ زهيدة.