Switch Mode

نقطة الصفر في نهاية العالم: رفض مغادرة المنزل 1

الحجر الأخير+


الفصل الأول: الحجر الأخير

أصابني الحجر الأول في أضلاعي.

لم أصرخ ، فقد تعلمتُ أن الصراخ لا يجدي نفعاً ، بل يجعلهم يلقون الحجارة بقوة أكبر ويصيبون أهدافهم بدقة أكثر. حيث كانت الحشود تتوق إلى عرضٍ مسلٍ ، أرادوا إثبات أنهم أقوى مني بمراحل.. أرادوا مني أن أنكسر ، أن أتوسل ، أن أثبت لهم أنني ضعيفة كما يشتهون أن أكون.

لكنني لم أمنحهم ذلك.

أصاب الحجر الثاني كتفي ، وسمعتُ صوت تهشم عظامي بوضوح ، شعرتُ بالصدع في جسدي أكثر مما سمعته بأذني.

ارتجفت ركبتاي ، لكن الحبال التي قيدتني إلى العمود في وسط فناء المجمع ظلت تشدني للأعلى. سالت الدماء دافئة على ذراعي ، وتغلغلت في نسيج سترتي الممزقة التي كانت يوماً ما تحميني في العواصف الثلجية ، أما الآن فلم تعد سوى خرقة أخرى لن تنجو من الجحيم الذي نعيشه.

"خائنة! " صرخ أحدهم ، فكدت أضحك.

خائنة.

وكأنني كنت يوماً أنتمي إليهم بما يكفي لأخونهم.

أصاب الحجر الثالث وجهي فشق شفتي. تذوقتُ طعم النحاس الناتج عن دمائي مختلطاً بالتراب الذي غطى جسدي.

تغامت رؤيتي ، لكنني لا أزال أبصرها.. "جيانغ ميلين ".. تقف في مقدمة الحشود كقديسة ترعى مراسم إعدام.

حتى في هذه اللحظة كانت فاتنة. حيث كان شعرها مصففاً في جديلة أنيقة ، ولم يلطخ وجهها ذرة غبار واحدة ، رغم الكارثة التي كانت تعصف بخارج هذه الجدران.

أحاط بها رجالها الستة كحرس شرف ؛ كان "شين كايانغ " عن يمينها ، وفياً ككلب مطيع ، و "تاو جون " عن يسارها ، ترتسم على وجهه ابتسامته الكاريزمية المعهودة ، وكأنه يشاهد مسرحية لا جريمة قتل.

أما "ليو تشنج " فلم يجرؤ على ملاقاة عينيّ. جيد ، فعلى الأقل كان في أحدهم ذرة من حياء.

"لقد فتحت البوابات! " دوى صوت "ميلين " بوضوح عبر فناء المجمع الذي سكنّاه على مدار السنوات الخمس الماضية ، خارقاً صخب الغوغاء. "لقد أدخلت الموتى الأحياء! المئات ماتوا بسببها! "

ألقي حجر آخر.. أصاب صدغي هذه المرة.

لثانية خاطفة ، مالت الأرض بي ، واضطررت للرمش بقوة لأمنع نفسي من الإغماء. سالت الدماء إلى عيني لزجة وساخنة ، لكن المدهش هو مقدار ما يمكن للمرء أن يعتاد عليه إذا اضطر لذلك.

والأمر المثير للسخرية حقاً أنني لم أكن أنا من فتحت البوابات.

كنتُ على الجدار الشرقي حين وقعت الحادثة ، رأيتُ الحشود تتدفق عبر المدخل الرئيسي ، ورأيتُ الحراس يُتمزقون إرباً قبل أن يتمكنوا حتى من رفع أسلحتهم. قاتلتُ طريقي للعودة ، مستخدمةً قدراتي النباتية لأجر الناجين إلى بر الأمان ، ثم صمدتُ بمفردي في الخط الدفاعي حتى وصلت التعزيزات.

لكن لم يبدُ أن أحداً يتذكر تلك الحقيقة البسيطة ؛ لم يتذكروا سوى دموع "ميلين " واتهاماتها المرتجفة ، والطريقة التي أشارت بها إلي قائلة "رأيتها ، رأيتها تفعل ذلك ".

كاذبة.

حقيرة.

لكن "هالة البطلة " كان من الصعب مواجهتها حتى وإن لم أكن في رواية سخيفة.

لا "ميلين " كانت بطلة قصة حياتها فحسب.. إحدى تلك الحقيرات المحظوظات اللواتي يبدون دائماً متقدمات على الجميع بخطوة.

اصطدم حجر بحجم قبضتي بمعدتي ، فانحنيتُ بقدر ما سمحت لي الحبال المشدودة حول صدري ، لاهثةً بحثاً عن هواءٍ لن يأتي.

كانت أضلاعي مكسورة.. لا شك في ذلك فكل شهيق كان كمن يبتلع الزجاج.

بالطبع كانت هذه اللحظة مثالية للحشود ليبدؤوا بالهتاف "خائنة! خائنة! خائنة! "

تجاهلتُ كلماتهم.. فـ "كلام الناس لا يغني ولا يسمن من جوع ". لقد نجوتُ مما هو أسوأ ؛ زحفتُ عبر مجارٍ ممتلئة بالجثث ، وأكلتُ الخنافس والديدان لأبقى على قيد الحياة ، ومرت علي ثلاثة أسابيع بلا ماء. كُسرت ذراعي على يد كلب متحول فأعدتُ جبسها بنفسي باستخدام عصا وسلك معدني. قتلتُ رجالاً حاولوا سلب ما أملك من نزر يسير ، وشاهدتُ أناساً طيبين يموتون لأنني رفضت إنقاذهم.

هذا ؟ هذا ليس سوى يوم ثلاثاء عادي في زمن الكارثة.

إلا أنه لم يكن كذلك هذه المرة.

لأنني لم أفعل شيئاً خاطئاً.

أصاب حجر آخر ترقوتي هذه المرة ، وتردد صدى تهشم العظم في جمجمتي.

"شين روشي. " اقترب صوت "ميلين " الناعم مني وهي تمشي نحوي ، بينما كان رجالها يشقون صفوف الحشود كأنها من العائلة المالكة. وعندما توقفت أمامي كانت قريبة بما يكفي لأرى الرضا في عينيها. "هل لديكِ ما تقولينه ؟ "

لم أكن ممن يضيعون الكلمات ، لذا بصقتُ بملء فمي دماً عند قدميها.

لم تهتز ابتسامتها. "ظننت ذلك. "

"لماذا ؟ " لم يكن هذا ما أردت قوله ؛ فبالنسبة لي كان السؤال عن السبب علامة ضعف ، لكن الكلمة الوحيدة خرجت من حنجرتي رغماً عني ، بالكاد مسموعة.

انحنت نحوي ، متوقفة عن رجمي للحظة ، واقتربت بما يكفي لأسمعها وحدي "كان عليكِ فقط ألا تكوني متفوقة أكثر من اللازم ، أليس كذلك ؟ "

كان صوتها رقيقاً ، يكاد يكون حنوناً. "كنتِ كفؤة أكثر من اللازم ، وقوية أكثر من اللازم. حيث كان رجالي ينظرون إليكِ كأنكِ شيء مميز ، ولم أكن لأسمح بحدوث ذلك. " استقامت وهي تمسد جديلتها بيدها الرقيقة. "لكن لا أحد يأخذ ما أملك دون أن يدفع الثمن. "

تداعى الإدراك في عقلي كالمياه الباردة.

كانت هي من فتحت البوابات ، وهي من تسببت في مقتل أولئك الناس ، وكانت تلفق التهمة لي لأنها غارت من كوني نافعة.. لأن رجالها احترموا مهاراتي.. لأنني كنت قادرة على فعل ما لا تستطيعه هي.

بدأتُ بالضحك.

كان الأمر مؤلماً ، بحق الجحيم كان مؤلماً ولذيذاً في آن. كل ضحكة كانت ترسل موجة من العذاب عبر أضلاعي المكسورة وعضلاتي الممزقة ، لكنني لم أستطع التوقف.

كانت السخافة هي المحرك ؛ أن أنجو عشر سنوات من الجحيم ، وأقاتل حشود الموتى ، لأنتهي ميتة لأن فتاة جميلة غارت لأن رجالها نظروا إليّ أكثر من اللازم.

لم أكن لأراهم جذابين في المقام الأول.. كانوا "كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول ".. لكن من أنا لأقول ذلك عن فريق "دارلينغ نايت شيد " التابع لمجمع "شيونغبو " ؟

"أهناك شيء مضحك ؟ " سألت "ميلين " وقد اكتسى صوتها بحدة الآن.

بكل شجاعة ، واجهت عينيها. "في حياتك القادمة " قلتُ بصوت أجش ، غير قادرة على إخفاء ابتسامة السخرية على وجهي "حاولي أن تكوني أقل بؤساً. "

تلوى وجهها وتراجعت للخلف ، رافعة يدها لتصفعني على وجهي.

تسارعت الحجارة الآن ، وفقدتُ عدّ الضربات على صدري وساقي ووجهي.. وفي كل مكان.

تفتت وعيي إلى قطع حادة. رأيتُ ومضات من حياتي: المخزن الذي وجدتُ فيه سلاحي الأول ، الدبابة التي سرقتها من مخبأ الأسلحة الأسطوري ، اللحظة التي أدركتُ فيها أن قدراتي الأرضية تقتلني من الداخل إلى الخارج.

رأيتُ والديّ ، محطمين وبلا فائدة. رأيتُ نفسي في الرابعة من عمري أتعلم الطبخ لأنه لم يكن هناك من يفعل ذلك. رأيتُ نفسي في السادسة عشرة ، مضطرة لترك المدرسة لأعمل لأن الخيار كان إما العمل أو الموت.

رأيتُ كل المرات التي رفضتُ فيها الانكسار.

ولن تكون هذه المرة مختلفة.

أصاب حجر حنجرتي ، محطماً قصبتي الهوائية. عجزتُ عن أخذ نفس عميق ، وصبغ العالم بالرمادي عند أطرافه بينما تلاشت الأصوات من حولي إلى زئير خافت. خذلتني ركبتاي ، لكن الحبال ظلت تشدني كدمية مقطوعة الخيوط.

ظهر وجه "ميلين " المبتسم في مجال رؤيتي للمرة الأخيرة. "في حياتك القادمة " همست وهي تراقب الحياة تتسرب من عينيّ "ابقي في المنزل. ولا تنافسي على ما ليس لكِ. "

اصطدم الحجر الأخير بجمجمتي.

وحل الظلام في كل شيء.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط