«لقد تملّكني الهلاك مجدداً ، أليس كذلك ؟»
كانت تلك آخر خواطر «ألدن» قبل دنو أجله المحتوم.
لترقد روحه بسلام....أو هكذا كان يأمل على الأقل.
بدلاً من ذلك وقع في سمعه همسٌ خافت ، خافتٌ للغاية:
«أعده لي.»
كان صوت «سايفر» دون أدنى شك... لكن نبرتها الهادئة الواثقة التي عهدها قد تلاشت.
«قلتُ: أعده لي.» كررت كلماتها بنبرةٍ أكثر حدةً قليلاً.
حافظ «ألدن» على ملامح جامدة ، وتقدم بخطواتٍ وئيدة ، ثم وضع قطعة الملابس الداخلية على الطاولة بصمت.
ساد صمتٌ قصيرٌ لم تنبس فيه «سايفر» ببنت شفة.
ثم... صفعةٌ مدوية.
شعر «ألدن» بألمٍ لاذع في خده الأيسر ، وتردد صدى الصفعة في أرجاء الغرفة.
تمتمت «سايفر» بين أسنانها وهي ترمقه بنظرةٍ تحقيرية كما لو كان أحطَّ السفلة: «يا لك من منحرف.»
كاد رأس «ألدن» يلتفت بزاوية تسعين درجة من قوة الضربة.
ولحسن حظه كان من الواضح أنها كبحت جماح قوتها ؛ فلو أنها لم تفعل لصار أثراً بعد عين ، ولربما التصق بالجدار خلفه.
لم تكن ترغب في قتله ؛ ليس طالما كانت هناك فرصةٌ لأن يكلفها ذلك حياة ابنتها.
صار خده أحمر قانٍ يضطرم حرارة ، لكن «ألدن» لم ينبس ببنت شفة ، ولم يرفَّ له جفن.
ومع ذلك كان عقله في ضجيجٍ لا يهدأ.
أجل... لقد استحق ذلك بلا شك.
لقد أخبرته «فانيا» سابقاً أن قدرتها «السرقة» تعمل بعشوائيةٍ أحياناً ، لكنه ظنَّ أنها مجرد عجزٍ في التحكم بالمهارة.
يا له من خطأٍ فادح!
لقد ظنَّ أن حواسه الفائقة ودقته في التحكم ستتغلبان على أي عشوائية.
وللغرور ثمنٌ باهظ.
عاد إلى مقعده في صمتٍ مطبق ، ولم يحاول تقديم أي تبرير.
ولماذا يفعل ؟
لقد قرأ قصصاً كثيرةً حاول فيها البطل حلَّ سوء التفاهم... فلم يزده ذلك إلا تورطاً.
مهما قال ، فلن يصدقوه ، وهذا ما كان جلياً في نظرات «فانيا».
كانت تنظر إليه وكأنه ارتكب جرائم حربٍ أمام عينيها.
لقد كانت تدرك كيف تعمل قدرتها ، ومع ذلك وجّهت إليه تلك النظرات.
كانت تلك النظرات برهاناً كافياً على أنه قد غاص رسمياً في أعماق الانحطاط في عينيها.
خيّم صمتٌ محرجٌ على الغرفة قبل أن تتحدث «سايفر» مجدداً:
«فانيا ، اخرجي. أحتاج للتحدث معه على انفراد.»
ترددت «فانيا» وبدا عليها الامتعاض مما حدث للتو ، لكن نظرةً واحدة من «سايفر» كانت كفيلةً بدفعها للخروج على الفور.
«ضعيفة.» سخر «ألدن» في قرارة نفسه ، ليلهي عقله عن الشعور بالمهانة.
وما إن أُغلق الباب حتى عادت عينا «سايفر» لتستقرا عليه.
قالت: «أدرك الآن لمَ تصفك الشائعات باللعوب والمنحط. أنت حقاً ترقى لمستوى هذه الألقاب.»
رد عليها: «لستُ كذلك. و لقد كان خطأً عرضياً.»
ضحكت «سايفر» بتسلية وقالت: «الخطأ قد يحدث مرةً واحدة ، أما أنت فقد تجاوزت ذلك بكثير.»
لم تدعه يكمل الرد ، وأضافت: «لنصل إلى صلب الموضوع. ماذا تريد يا ألدن درافن ؟ أم هل عليّ مناداتك بألدن فقط الآن ؟»
لم يتفاجأ «ألدن» بمعرفتها بأمر نبذه من العائلة ، فذلك يشير إلى أنها تمتلك جواسيس حتى داخل عائلة «درافن».
ابتسم «ألدن» ابتسامةً خفيفة وقال: «ألدن فحسب ، يكفي.»
«لا تبدو متأثراً بقرار طردك.»
«هل يمكننا الحديث في العمل ؟» لم تكن لديه رغبةٌ في الخوض في تفاصيل حياته الخاصة.
ارتجفت شفتا «سايفر» قليلاً ، لكنها لم تعلق على ذلك.
«إذن ، ما الذي تريده ؟»
تنفس بعمق ، فلا جدوى من المراوغة.
«أريد أن أكون عضواً في سوق الأوبسيديان.»
في البدء كان هدفه أن يصبح عضواً من فئة الـ هام جداً ، لكن بعد أن رأى حجم عمليات السوق ، بدل رأيه.
أراد المزيد.
أراد أن يكون جزءاً منهم.
أما السبب ؟
فلم يكن معقداً ؛ أراد فقط حمايةً وظهيراً.
لقد أدرك أن سوق الأوبسيديان أقوى بكثير مما يبدو ، فمجرد حديث «سايفر» العفوي عن معلوماتٍ سرية تخص عائلة «درافن» كان برهاناً كافياً على نفوذهم.
علاوةً على ذلك رأى «ألدن» في طريقه رمزاً على أحد التماثيل في القاعة الرئيسية.
رمزٌ عرفه من الرواية: سيفٌ متوهج يخترق شمساً سوداء.
كان ذلك رمزاً لواحدةٍ من أكثر المنظمات السرية رعباً وقوةً في الإمبراطورية: «وفاق الضياء».
إذن كان سوق الأوبسيديان مجرد واجهة ، غطاءٌ متقن لشيءٍ أكبر بكثير.
وبما أن النخبة تنحني لـ «سايفر» ، فمن الواضح أنها تشغل منصباً رفيعاً في ذلك الوفاق.
هذا ما يفسر سهولة اختطافها لـ «سيليس» في الرواية.
لم يُذكر في الرواية شيءٌ عن صلتها بهذه المنظمة ، ليس بشكلٍ صريحٍ على الأقل ، لكن بعد مقتل «سايفر» ، قُدِّمت المنظمة كجهةٍ شريرة هاجمت «لوسيان» مراراً وتكراراً للقضاء عليه.
وهذا تحديداً هو السبب في رسوخها في ذاكرته.
لم ينجح الوفاق في قتل «لوسيان» ، لكنهم أزهقوا روح شخصيةٍ محورية: «زيفير» الذي لقي حتفه وهو يحاول إنقاذ «أورايليا» خلال إحدى هجماتهم.
وعلى حد علمه ، قام «لوسيان» لاحقاً بتدمير المنظمة حين وصل إلى رتبة «سيد الأسياد» ، بعدما عثر على معلوماتٍ تدين فساد العائلة الإمبراطورية ؛ إذ كانت المنظمة تعمل في الحقيقة للقضاء على الفساد ، وتتصدى لطغيان النبلاء والأسرة الحاكمة.
والآن ، بعدما علم «ألدن» بصلة «سايفر» بهم لم يكن ليضيع فرصة الانضمام إليهم.
رمشت «سايفر» بدهشةٍ من طلبه ، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ ساخرة: «أنت طموحٌ للغاية ، أليس كذلك ؟»
صمت «ألدن» ، تاركاً لها مجالاً لاستيعاب الأمر.
«هل تظنُّ أن بإمكانك الدخول إلى هنا ، وإظهار قليلٍ من الثقة ، ليتم الترحيب بك في منظمتنا ؟»
لم تكن نبرتها ساخرة ، بل كانت مليئةً بالفضول والتسلية.
رد «ألدن»: «أطلب فرصةً فحسب.»
اتسعت ابتسامة «سايفر» ، لكن بريقاً حاداً وحسابياً لمع في عينيها.
«إذاً ، أثبت ذلك.»
رفع «ألدن» حاجبه متسائلاً: «أثبت ماذا بالضبط ؟»
قالت «سايفر» وقد تلاشت كل الحرارة من صوتها: «القوة. إن أردت أن تكون واحداً منا ، فأرني أنك لست مجرد أحمقٍ يملك لساناً سليطاً ومهارةً محظوظة.»
لم يتراجع «ألدن». فقد كان يتوقع هذا ، بل إنه خطط له.
قال: «حسناً ، مع من سأواجه ؟»
ضاقت عينا «سايفر» برضاها عن عدم تردده ، وضغطت على جهازها اللوحي جانبها.
قالت «سايفر» بلا مبالاة: «رين ، متدربٌ في الرتبة الابتدائية. أعلم أن رتبتك أدنى من رتبته ، لكن لا يلزمك هزيمته ؛ إن صمدت أمامه لعشر دقائق فقط ، سأعتبر ذلك فوزاً لك.»
هز «ألدن» كتفيه ولم يرد ، بل اكتفى بإيماءهٍ هادئة.
لكن عقله كان يضجُّ بفكرةٍ أخرى:
عشر دقائق ؟
سأنهي الأمر في خمس.