الفصل التاسع والتسعون: أفكار عميقة
كان الضغط هائلاً ، لدرجة أن "مور " شعر به يثقل كاهل عظامه الهرمة ، مختبراً حدود قوته الكامنة. ومن حوله كان المتنافسون الشباب يصارعون للبقاء ؛ فلهيب "ليساندرا " كان يترنح ويخبو ، وجليد "ثيرون " بدأ يتصدع ، أما انتقالات "كايل " الآنية فقد غدت أقصر مسافة وأكثر ارتباكاً.
رفع "مور " صوته جهوراً ، ليخترق ذلك الثقل الجاثم على الصدور:
"تذكروا تدريبكم! "
حملت كلماته سحراً خفياً ؛ لم يكن كافياً لمجابهة حضور "داغون " الطاغي ، لكنه كان كافياً لتركيز الأذهان وتبديد غشاوة الخوف.
"ليساندرا! ما هي القاعدة الأولى للنار حين تواجه قوة قاهرة ؟ "
التفتت عينا الفتاة إليه بحدة ، وقد انقبض فكها من شدة الجهد ، وقالت "لا تقابلي القوة بمثلها ، بل واجهيها بالدهاء ".
"إذن كفي عن محاولة إحراقه ، وابدئي بالتفكير فيما يمكنكِ إحراقه من حوله! "
لمعت شرارة الفهم في عينيها ، فتبدلت نيرانها ؛ لم تعد موجهة نحو "داغون " ذاته ، بل انصبت على الأرض من تحته ، والهواء من حوله ، لتخلق حواجز حرارية تشوه الرؤية وتعرقل الحركة.
"ثيرون! أهذا جليدٌ في وجه إله ؟ "
أجاب الفتى بصوت متهدج لكنه واثق "الاحتواء ، لا التدمير.. لا يمكنني تجميده ، لكن يمكنني تجميد خياراته ".
"إذن افعلها! "
انتشر الجليد عبر أرض الحلبة ، ليس باتجاه "داغون " بل أحاط به ؛ جدران ، وسواتر ، وعقبات ترسم مسارات حركته وتضيق عليه الخناق ، لتخلق قفصاً من الاحتمالات المتجمدة.
"كايل! أتتلاعب بالفراغ المكاني أمام خصم يفهم أبعاد المكان أكثر منك ؟ "
ظهر "كايل " بجانب "مور " وهو يلهث بشدة "لا تحاول التفوق عليه في المناورة ، بل تفوق عليه في التوقيت. إزاحات صغيرة ، لا قفزات كبيرة ".
"أحسنت. استمر في إرباكه. لا تكن أبداً حيث يتوقع ، ولا تستقر في مكانك لزمن يكفي للتنبؤ بحركتك القادمة ".
اختفى "كايل " مجدداً ، وأصبحت انتقالاته أقصر وأكثر عشوائية ، فبدت مستفزة للخصم بدلاً من كونها مجرد استعراض مبهج.
التفت "مور " نحو الآخرين ، أولئك العشرات من السحرة الشباب الذين احتشدوا رغم فرائصهم المرتعدة.
"يا فتى (قلب الحجر)! دفاعاتك لن توقفه ، لكنها قد تعيقه. حيث استخدمها لحماية بعضكم البعض ، لا لتواجهه منفرداً ".
أومأ الفتى ذو "قلب الحجر " برأسه ، لترتفع حواجزه الأرضية لا في وجه "داغون " بل لتطوق "ليساندرا " و "ثيرون " مانحة إياهما غطاءً للعمل.
"يا فتى الرعد! برقك سريع ، لكنه هو أسرع. لا تستهدفه مباشرة ، بل استهدف ما قد يفعله ، والمكان الذي قد يتحرك إليه. اجعل فعلك تنبؤاً لا مجرد رد فعل ".
تحولت الطاقة المتسارعة ، فلم تعد تضرب "داغون " مباشرة ، بل أخذت ترسم أنماطاً في الهواء ، ناسجة شباكاً من الاحتمالات التي قد تقتنصه إذا ما تحرك في اتجاهات معينة.
تنقل "مور " بينهم جميعاً ، كأنه مركز السكينة في قلب العاصفة ، يمنح كل متنافس دوراً محدداً ومهمة بعينها ؛ طريقة للمساهمة لا تتطلب مضاهاة قوة الإله بشكل مباشر. حيث كان يغزلهم معاً كخيوط في نسيج واحد ، ليصنع شيئاً أعظم مما يمكن لأي منهم تحقيقه بمفرده.
وبينما كان يعمل ، شرد ذهنه قليلاً.
فكر قائلاً "خمسة وثلاثون عاماً.. قضيت خمسة وثلاثين عاماً في هذا العالم ، متظاهراً بأنني مجرد معلم بسيط ، أراقب هؤلاء القوم وهم يكبرون ".
بدأ الأمر كخطة استراتيجية ؛ وسيلة لمراقبة صحوة "داغون " والاستعداد للحظة التي سيتحرك فيها ذلك الإله أخيراً. و لكن في مكان ما على طول الطريق ، تحولت الاستراتيجية إلى شيء آخر تماماً.
تذكر طفولته ، إن كان يصح تسميتها كذلك ؛ فقد وُلد بجمجمة غير مكتملة التكوين ، ووجه يجعل الآخرين يجفلون منه ، فلم يعرف طعم اللين أو القبول قط. حيث كان الأطفال يفرون منه ، والكبار يهمسون بصلوات الحماية من شره. نشأ وحيداً في الظلال ، وتعلم القتال لأن القتال كان الشيء الوحيد الذي لا يتطلب من أحد أن ينظر إلى وجهه.
والآن ، هنا ، في هذا العالم الذي ساعد في بنائه ، منح الآخرين ما لم يحظَ به قط.
"ليساندرا " التي فقدت والديها وهي صغيرة ، وجدت فيه الموجه الذي آمن بها. و "ثيرون " الذي كادت توقعات عائلته أن تسحقه ، وجد فيه المعلم الذي يقدر الانضباط أكثر من القوة الخام. و "كايل " ذلك الاستثناء الذي لا ينتمي لقبيلة ولا يملك تاريخاً ، وجد مكاناً يكون فيه الاختلاف ميزةً لا تهديداً.
لم يكونوا يعرفون وجهه الحقيقي ، ولا تلك الجمجمة المشوهة الناقصة تحت القناع السحري الذي يرتديه. حيث كانوا يعرفون "مور " ؛ "مور " اللطيف ، الصبور ، واسع المعرفة بشكل لا يصدق.. وأحبوه لما هو عليه ، لا لما يبدو عليه.
تساءل في نفسه "لو رأوني على حقيقتي ، لو عرفوا كنهي.. هل سيظلون ينظرون إليّ بالنظرة ذاتها ؟ "
لم يكن يعرف ، وربما لن يعرف أبداً. و لكن الآن ، وفي هذه اللحظة كان يدرك أنه في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه تماماً.
معلماً.. موجهاً.. ومرشداً.
إنه الوطن.
باغتته هذه الفكرة ؛ فهو لم يشعر بمعنى هذه الكلمة منذ آلاف السنين.
أعادت ضحكة "داغون " وعيه إلى الحاضر. حيث كان الإله يراقب استعداداتهم بتسلية حقيقية ، دون أن يحرك ساكناً للتدخل.
قال "داغون " "ذكاء شديد.. لقد دربتهم جيداً أيها العجوز. إنهم يعملون معاً ككائن حي واحد ، بتنسيق وإتقان ". ثم ضاقت عيناه وأردف "لكن التنسيق لا قيمة له إلا إذا كنت قادراً حقاً على إيذائي ".
اعتدل "مور " في وقفته ، ملاقياً نظرات الإله بثبات.
قال بهدوء "أنت على حق ، ربما لا يمكننا إيذاؤك بشكل جدي أو دائم ". ثم ابتسم وأضاف "لكن ليس هذا هو الهدف ".
"إذن ما هو الهدف ؟ "
نظر "مور " إلى الوجوه الشابة من حوله ؛ وجوه خائفة لكنها عازمة ، مترددة لكنها مقبلة. حيث فكر في كل ما تعلموه ، وكل ما أصبحوا عليه ، وكل ما يمكنهم أن يكونوه في المستقبل.
رفع صوته ليسمعه الجميع "الهدف هو أنكم لا تقاتلون من أجل النصر ، بل تقاتلون من أجل التعلم. لتختبروا أنفسكم أمام ما يُفترض أنه مستحيل. لتكتشفوا معدنكم الحقيقي وقدراتكم حين لا توجد شبكة أمان ، ولا سند خلفي ، ولا فرص ثانية ".
التفت مجدداً نحو "داغون ":
"قبل خمسة وثلاثين عاماً ، أُنقذ هذا العالم على يد فتى واحد امتلك قوة تفوق الإدراك. و لقد منحنا السلام ، ومنحنا الوقت ، وأعطانا الفرصة لنرتقي ونصبح شيئاً أعظم ". وبسط ذراعيه ليشمل الساحة والمتنافسين والاستاد بأكمله "وقد انتهزنا تلك الفرصة. بنينا ، وكبرنا ، وتطورنا. وهؤلاء الأطفال -هؤلاء الأطفال العباقرة الموهوبون الشجعان- هم الدليل القاطع على ذلك ".
صمت "داغون " وظل يراقب.
قال "مور " "لذا تفضل.. أرِهم ما يمكن لإله أن يفعله. استعرض أقصى حدود قوتك ، وامنحهم معياراً يقيسون به أنفسهم ". ارتفع صوته مفعماً بالفخر والحب والإصرار الشديد "وعندما تنتهي ، حين تظن أنك علمتهم معنى الخوف ، سيعلمونك هم ما تعلموه من دروس ".
نظر إلى "ليساندرا " و "ثيرون " و "كايل " وإلى البقية جميعاً.
وقال بصوت منخفض "أطلقوا العنان لكل ما لديكم.. جميعاً. لا تدخروا وسعاً ، وأروا هذا الإله ما وصلت إليه (ماغيكا) ".
للحظة خاطفة ، ساد سكون تام.
ثم انفجرت نيران "ليساندرا " ؛ لم تكن تلك النار المنضبطة كما كانت قبل قليل ، بل جحيماً مستعراً حال الساحة إلى أتون من لهب. واستجاب جليد "ثيرون " ليس في مواجهة النار بل مكملاً لها ، فخلق بخاراً يحجب الرؤية ويحمل حرارة لافحة. أما "كايل " فقد ومض في اثني عشر موقعاً في ثانية واحدة ، فجعلت تشوهاته الفراغية تتبع أثره أمراً مستحيلاً.
وانضم البقية إلى الهجوم ؛ "قلب الحجر " رفع حواجزاً توجه مسار الفوضى ، و "الرعد " أضاف صواعق تتراقص عبر البخار ، حيث ساهمت عشرات السلالات بمهاراتها الفريدة في هذا الهجوم الكاسح.
اتسعت عينا "داغون ".
لم يكن ذلك خوفاً ، بل كان شيئاً آخر.
كانت "الدهشة ".
فكر "مور " وهو يراقب طلابه يقاتلون "لهذا السبب بقيت هنا ".
ولأول مرة في وجوده الطويل والموحش ، شعر حقاً بأنه ينتمي إلى هذا المكان.