في نهاية المطاف، انقضت ساعتان، ثم أربع.
بعد ذلك، فقدت سيشان إحساسها بالوقت؛ فلم تعد تلحظ سوى أن الشمس قد لثمت الأفق، وأن المساحة البيضاء الشاسعة لتمثال "الإلهة الباكية" بدت وكأنها خُضبت باللون الأحمر القاني بفعل وهج الغروب المتوهج.
أو ربما كانت الأخاديد تفيض بالدماء فحسب، إذ كان موردريت يقود هجومين في آن واحد؛ أحدهما أسفل الشلال العظيم، والآخر أعلاه. وكان يغزو "الجزر المغلولة" في الوقت ذاته، بالإضافة إلى شن حرب ضارية ضد أعمق مستويات "الخلية" في "الجحيم الزجاجي".
ومن يدري أي أهوال أخرى كانت تحدث...
"تبدين متعبة يا سيشان."
ابتسم لها محارب "مستيقظ" يرتدي درعاً كاملاً ابتسامة دافئة من خلف قناع خوذته، بينما اندفع سيفه نحو قلبها. صدّت سيشان الهجمة بساعدها، ثم هوت ببراثن يدها الأخرى؛ فمزقت أصابعها المعدن المسحور كما لو كان ورقاً واهياً، وانتزعت حنجرة الرجل.
سقط صريعاً وهو يغص في دمائه.
لكن "التعويذة" لم تعلن عن قتله؛ لأن ذلك الرجل لم يكن سوى واحد من الأوعية التي لا تحصى لـ "أمير العدم"؛ فكل ما دمرته لم يكن إلا شظية ضئيلة من روحه، لا أكثر.
تسللت رائحة الدماء إلى منخريها، مما جعل الرؤية تظلم في عينيها ولا ترى سوى اللون الأحمر.
كانت تموت عطشاً.
يا لسخرية القدر! الجثث والدماء تحيط بها من كل جانب، ومع ذلك لم تستطع اقتناص لحظة واحدة لإرواء ظمأ "عيبها".
أطاحت بالجسد المتهاوي بضربة من كفها، ثم اندفعت للأمام، وعيناها مثبتتان على مخلوق كابوسي ضخم يعيث فساداً بين محاربي "عشيرة فالور" المستيقظين. وكأنما أحس بعطشها، أدار المخلوق عنقه الطويل، فسقط رأسه للخلف وتدلى رأساً على عقب فوق عموده الفقري المستطيل. حدقت بها عيناه المستديرتان ببريق زجاجي، وانفتح فمه الرهيب ليطلق صرخة تقشعر لها الأبدان.
أمكن سماع كلمات مألوفة من لغة البشر وسط صرخته غير الإنسانية:
"أنتِ... لا تبدين... بخير على الإطلاق..."
فعلت سيشان "سمتها" الكامنة، فتحولت إلى وحش كاسر. مزقت المخلوق العملاق بمخالبها وأنيابها، وتجرعت أخيراً نصيبها المستحق من الدماء.
كان دم الكائن البغيض فظيع الرائحة ومر المذاق.
دماء.. دماء.. كانت الدماء في كل مكان. "بحيرة الدموع" بأكملها كانت تصطبغ باللون الأحمر.
معظم تلك الدماء كانت تخص مخلوقات الكابوس، لكن الكثير من دماء البشر اختلط بها أيضاً.
وكلما طال أمد المعركة، زاد سفك الدماء.
وكلما زاد إراقة الدماء، ازدادت سيشان قوة؛ إذ كانت تلك هي بركة قدرتها المتنامية.
لقد غدت وحشاً يتغذى على القتل.
وعلى مقربة منها، كانت "أخوات الدم" يقاتلن أيضاً أوعية "أمير العدم". جعلتها قدرتها "المتسامية" أقوى وأكثر فتكاً من أي "سيد" صاعد، بل أقرب إلى "القديسين" منه إلى "السادة"، وقوتهن زادتها قوة بدورها، كما أن "جوهر روحها" كان يتجدد بسرعة أكبر بفضلهن. كانت تستخدم قدرتها كـ "مستيقظة" أيضاً، مما يجعل أعداءها ينزفون بغزارة أكبر، بينما تضمد جراح حلفائها وتوقف نزيفهم. لكن موردريت كان محقاً؛ لقد كانت منهكة.. منهكة تماماً، وقوات "المجال البشري" في تراجع مستمر.
طرحت سيشان جيفة الوحش أرضاً، مما أدى إلى اهتزاز اليابسة، ثم انقضت على العدو التالي.
استقبلها العدو بابتسامة لطيفة: "ها أنتِ ذي. يروق لي وجهكِ الحقيقي البشع أكثر بكثير..."
زمجرت سيشان في وجهه.
في الجوار، كان محاربو "عشيرة فالور" ومخلوقات الكابوس يضحكون عليها بذات الضحكة، وينظرون إليها بنفس النظرة المسلية، وتتداخل أصواتهم وعويلهم في جوقة جنونية واحدة.
حرّك "أمير العدم" جحافل أجساده بتناغمٍ غريبٍ لا يُصدق، كان انسجاماً مثالياً يُثير الرهبة. كان حماة "بحيرة الدموع" يذوبون ببطءٍ تحت وطأة هجومه الشرس، لكنهم كانوا يُبدون مقاومةً مستميتة، متشبثين بعنادٍ بكل شبرٍ من الأرض المُلطخة بالدماء.
كان "نصف الإله" المجنون الذي يحاربونه عدواً مرعباً، لكن جنود "عشيرة فالور" لم يكونوا لقمة سائغة؛ فقد كانوا جميعاً محاربين مخضرمين صقلتهم الكوارث، وسكبوا دماءهم وأسقطوا أعداءً عتاة في ساحات معارك لا حصر لها منذ بزوغ عصر "تعويذة الكابوس".
بل وأكثر من ذلك، لم يكونوا مجردين من المزايا في هذه الملحمة.
في الأعلى، اشتبكت "تايريس" مع دبور بلوري ضخم. حطمت مخالبها الدرع الشفاف للوحش، لكن الشظايا كانت كشفرات حادة قاتلة، فاخترقت لحم "الهاربي" المتألقة، مما جعلها تصرخ ألماً. وفي اللحظة التالية، أطبق الدبور فكيه على أحد جناحيها فمزقه.
نجت "تايريس" بأعجوبة من لسعة مخلوق الكابوس العظيم، وسقطت نحو الأرض غارقة في دمائها. ولكن في تلك اللحظة، انبعث نور خافت من تحت ريشها، فشفى جراحها وأصلح جناحها المحطم. وما إن فتحت جناحيها حتى انزلقت فوق سطح الماء، ثم انطلقت نحو السماء مرة أخرى لتصدم الدبور الجريح مجدداً.
ربما كانت "نيفيس" غائبة بجسدها، لكن بركتها ما زالت تحمي محاربي العالم الفاني، ويبدو أنها كانت تتابع هذه المعركة من مكان بعيد؛ فطالما لم يُقتلوا ضربة واحدة، فإن قواها ستشفيهم في نهاية المطاف.
كان ذلك هو الرعب الذي يواجه كل من يجرؤ على تحدي "المجال البشري".
لكن من المؤسف حقاً أن العديد من المحاربين الذين كانوا يدافعون عن "بحيرة الدموع" قد استسلموا لـ "أتباع الأحلام" بدلاً من ذلك.
"اللعنة عليه!"
مزّق رمح حادّ لحم سيشان، فتأوّهت من شدة الألم. أمسكت به بيدها ذات المخالب وحاولت كسره، لكن يبدو أن السلاح كان "ذكرى" من رتبة عالية جداً؛ فعلى الرغم من قوتها الوحشية، ظلّ مقبض الرمح متماسكاً ورفض التحطّم.
"ظننت أننا مقربان. آه، يؤلمني أن أراكِ تديرين ظهركِ لي يا سيشان، لتخدمي المرأة التي قتلت والدتكِ، يا للأسى..."
ابتسم "الوعاء الصاعد" ولوى الرمح، فزاد جرح سيشان ألماً مبرحاً اجتاح جسدها. ولحسن الحظ، في اللحظة التالية، هاجمه عدد من المحاربين "المستيقظين" من ثلاث جهات، دافعين إياه إلى الوراء. حدقت سيشان بهم للحظة، والدماء تقطر من أنيابها.
كانت متأكدة تماماً من أن هؤلاء المستيقظين كانوا عبيداً لـ "أستريون".
وفجأة، شعرت برغبة ملحة في الضحك.
كان الأمر سريالياً بحق، بل كان شائناً.
من كان يظن أن محاربي "مملكة الأغنية" سيقاتلون جنباً إلى جنب مع عبيد "عشيرة أستريون" في وئام تام يوماً ما؟
والأسوأ من ذلك كله، أنها لم تستطع إنكار مدى موثوقية وفائدة أتباع ملك "الأحلام"؛ فقد كانوا حقاً خير الحلفاء الذين يمكن للمرء أن يتمناهم.
"هل فقدتُ صوابي، أم أن العالم هو الذي جن جنونه؟"
كانت سيشان ممتنة تقريباً لأن "أستريون" وقف بجانبها في هذه المعركة.
وكما وعد، كان موجوداً للمساعدة.
لكن حتى مساعدته لم تكن تكفى لرجحان كفة هذه المعركة الدامية.
في الأعلى، فوق الشلال العظيم، غطت أغنية ساحرة على هدير المياه الصاخب.
بدا أن "كاي" قد اتخذ أخيراً هيئته "المتسامية" المهيبة.
"يوم أو يومان، أليس كذلك؟"
شعرت سيشان بدفء مهدئ يغسل الجرح العميق في جانبها.
كانت مستعدة للاكتفاء بالبقاء صامدة حتى بزوغ الفجر.