الفصل 270: الطيران
كان هواء الليل بارداً، يحمل برودة خفيفةً جعلت يد زوي الصغيرة تشعر بالوخز في يد جوليان. شدّ جوليان قبضته عليها غريزيًا، وتسرب دفءُه إلى بشرتها بينما كانا يسيران تحت ضوء خافت من مصابيح الشوارع.
كان السوق الليلي الصاخب الذي تجولوا فيه بمثابة سيمفونية من الحياة، وهو تناقض صارخ مع الصمت والتركيز الشديدين اللذين يميزان معاركهما المعتادة.
"زوي" بدأ جوليان حديثه بصوت منخفض وهادئ، دون أن ينظر إليها بل إلى الأمام مباشرة. "كيف تشعرين؟ أن تكوني مع الجميع هكذا. هل أنتِ… مرتاحة؟"
لم تحرّك زوي رأسها، وهي تراقب بهدوء بائعًا يعرض بلورات متوهجة. ولكن بعد لحظة صمت، تحدثت بصوتها الهادئ والمباشر كعادتها، ولكنه يحمل معنى واضحًا.
"الأمر ليس مملًا."
ارتسمت ابتسامة خفيفة، تكاد لا تُرى، على شفتي جوليان. كان ذلك مدحًا عظيمًا منها.
ثم طرح سؤالاً أكثر دقة، بنبرة لطيفة ولكنها مباشرة: "هل تشتاقين إلى والدك؟"
هذه المرة، تعثرت خطوات زوي لنصف ثانية. ونظرت إلى أسفل نحو أيديهما المتشابكة، ثم إلى الشارع المزدحم، وبدا أن عينيها الجامدتين تنظران من خلال الناس.
"…نعم" اعترفت. كانت الكلمة بسيطة وثقيلة في آن واحد. ثم صمتت مجددًا، وهي تكافح للتعبير عن مشاعرها المعقدة، وارتسمت على جبينها عبسة خفيفة. وانتظر جوليان بصبر.
وأخيرًا، رفعت نظرها إليه، وكانت نظرتها واضحة.
"أفتقده. ولكن… " توقفت للحظة، تبحث عن الكلمات. "…يُشتت انتباهي. لأن…"
أشارت بإيماءة مبهمة إلى المشهد النابض بالحياة من حولهم، والثرثرة، والضحك، وأكشاك الطعام التي تفوح منها رائحة الطعام، ووجود الأشخاص الذين تعيش معهم الآن.
"…لأن الجميع صاخبون. ودافئون."
ضغط على يدها ضغطة مطمئنة. "أرى. وهذا جيد."
قال جوليان بصوت منخفض أشبه بالهدير في سكون الليل: "لنتمشَّ قليلاً."
توقفت زوي عن المشي والتفتت لتنظر إليه. حيث كانت عيناها الكبيرتان، اللتان عادة ما تكونان خاليتين من أي تعبير، مثبتتين على وجهه بكثافة غير عادية.
"هل هناك شيء تريدينه؟" سأل جوليان، مدركًا النظرة المحددة التي تلقتها عندما تشكلت رغبة في ذهنها.
أومأت زوي ببطء. حيث كان صوتها همسًا ناعمًا وواضحًا في هواء الليل.
"أريد… أن أطير."
ابتسامة صادقة ودافئة، نادرة الظهور، ارتسمت على وجه جوليان. كان الطلب نقياً للغاية، يعكس جوهر زوي، لدرجة أنه تجاوز كل تحفظاته المعتادة.
دون أن ينبس ببنت شفة، جثا على ركبة واحدة. وقال: "تمسكي جيدًا."
أحاطت زوي عنقه بذراعيها على الفور وثقتها به مطلقة. وما إن شعرت بالأمان حتى فعّل جوليان قدرته على التحكم بالجاذبية.
أحاطت بهم هالة خفيفة متلألئة. وبدفعة لطيفة تتحدى قوانين الفيزياء، ارتفعوا عن الأرض. فلم يكن انطلاقًا عنيفًا، بل صعودًا سلسًا دون عناء، كما لو أن الهواء نفسه قد تحول إلى سلم صلب يصعدونه.
انقطع نفس زوي للحظة، صوت خفيف ومفاجئ. واتسعت عيناها، ليس خوفًا، بل بدهشة خالصة لا تشوبها شائبة، بينما كان العالم يتلاشى من تحتها.
تحوّل السوق الصاخب إلى لوحة من الأضواء والألوان المتغيرة، وخفّت الأصوات لتتحول إلى همهمة موسيقية بعيدة. لامست نسمات الليل الباردة وجوههما، فأصبحت رفيقة لهما في رحلتهما بدلًا من أن تكون برودة على الأرض.
أمسكها جوليان بإحكام، وذراعه تدعم ظهرها بينما كانا يحلقان فوق المدينة.
نظر جوليان إلى الفتاة التي بين ذراعيه، وشعرها الفضي يتمايل برفق مع نسيم المرتفعات. سألها بصوت أخفض من المعتاد، يكاد يضيع في الريح: "هل يعجبكِ؟"
ردّت زوي بسلسلة من الإيماءات السريعة والمبهجة، وعيناها تلمعان وهي تستمتع بالمنظر البانورامي لأضواء المدينة أسفلهم. وقد تحوّل خط فمها المعتاد إلى ابتسامة صغيرة لا تخطئها العين.
"لطالما أردتُ قول هذا." أخذت نفسًا قصيرًا مرتعشًا. "شكرًا لك… لأنك أريتني العالم الخارجي."
أحكمت ذراعيها حوله قليلاً.
"أنه لا تزال هناك… أشياء جميلة في هذا العالم."
كلماتها، البسيطة والمباشرة، أثرت في جوليان بقوة تفوق أي ضربة جسدية. حيث كان يعلم أن ماضيها كان محاطًا بالعزلة، عالم ربما يقتصر على البقاء والصمت.
بالنسبة له كانت هذه المدينة حصنًا مهدّمًا في عالم محطم. أما بالنسبة لها، من خلال عينيه، فقد أصبحت مكانًا تستطيع فيه أن ترى الجمال – في الأضواء المتلألئة في الأسفل، وفي اتساع السماء، وفي هذه اللحظات الهادئة من التحليق المشترك.
لم يُجب بكلمات. أي رد بدا قاصرًا. وبدلًا من ذلك ضمّها إليه، فكان عناقه بمثابة عهد صامت. سيضمن لها أن ترى المزيد. سيُريها كل ما تبقى من جمال هذا العالم القاسي.
كان همهمة جاذبيته الهادئة الصوت الوحيد بينهما لبرهة طويلة، كأنها تهويدة بين النجوم. وفي الأسفل، استمرت المدينة في حياتها، غافلة عن الشفاء الصغير والعميق الذي يحدث فوق أسطحها.
وأخيرًا، تكلم بصوت منخفض وثابت، وكأنه وعد يتردد في شعرها.
"يسعدني سماع ذلك."
ثم تذكر جوليان شيئًا.
انتقلت نظرة جوليان من وجهها إلى سماء الليل الزرقاء الداكنة الشاسعة. خطرت له فكرة منطقية. سألها بفضول حقيقي: "ألا تستطيعين الطيران بمفردك؟" أجابت: "بفضل مهارة الوحش لديكِ، من المفترض أن يكون التحول إلى مخلوق ذي أجنحة ممكنًا."
انتشرت حمرة خفيفة وردية اللون على وجنتي زوي على الفور. خفضت رأسها، وأخفت وجهها على كتفه، وخرج صوتها كتمتمة مكتومة وخجولة.
"…أنا أستطيع."
توقفت للحظة، تجمع شجاعتها، ثم رفعت رأسها قليلاً لتلتقي عيناها بعينيه لثانية خاطفة قبل أن تنظر بعيدًا مرة أخرى.
"…لكنني أردت أن أطير… معك."
أثار اعترافها البسيط والصادق في قلب جوليان دفئًا مفاجئًا. ونظر إليها، نظر إليها بتمعن. وفي تلك اللحظة لم يرَ المقاتلة الشرسة ولا الفتاة الغامضة المنعزلة. بل رأى شابة، تعبر بخجل عن مشاعرها بالطريقة الوحيدة التي تعرفها.
عندما رأته يحدق بها بتلك الشدة، بلغ خجل زوي ذروته. حيث أطلقت صوتًا خافتًا مرتبكًا، ودفنت وجهها المحمر تمامًا في ثنية عنقه، وشدّت قبضتها عليه.
لم يسخر جوليان منها ولم يمازحها. بل فاضت في داخله مشاعر حنان عميقة. وشعر بحرارة احمرار وجنتيها الخفيفة تلامس بشرته. عدّل قبضته عليها، متأكدًا من أنها في أمان وراحة.
"أرى" همس، كلماتٌ كانت موجهةً إليها وحدها. اهتزّ صوته الرقيق عبر صدره ووصل إلى صدرها. "إذن… سنطير معًا هكذا متى شئتِ."
بين ذراعيه، معلقةً بين الأرض والنجوم، أومأت زوي برأسها أومأً خفيفةً راضيةً على رقبته. وبالنسبة لها كان الطيران بمفردها مجرد وسيلة تنقل. أما الطيران معه؟ فكان شعورًا لا تستطيع وصفه، لكنها لم ترغب أبدًا في أن ينتهي.