الفصل السادس بعد المئة: الحلزون ذو الوجه البشري
تحت أعماق البحر ، ومض ظلٌ خاطفٌ كالسهم ، لكنه لم يكد يثير تموجاً في المياه ، وكأنه انصهر في جوف البحر وصار جزءاً منه.
حتى إن "دوك " مرّ بجانب سمكة صغيرة ، بيد أنها لم تلحظ وجوده أبداً ، وكانت غافلة عما فى الجوار تماماً.
سرعان ما وصل إلى المنطقة التي اكتشف فيها سابقاً "حلزونات الوجوه البشرية " ؛ كانت التضاريس هنا معقدة للغاية ، حيث تبرز شعاب مرجانية ضخمة وتلال متموجة.
تراكمت أعداد هائلة من الصخور فوق بعضها البعض ، مشكلةً أكواماً تشبه الروابي.
كانت حلزونات الوجوه البشرية تعيش في الشقوق بين هذه الصخور ، مما يتطلب بحثاً دقيقاً لرصدها.
كانت هذه الحلزونات شديدة الحذر ؛ فبمجرد اقتراب أي كائن بحري منها ، تنسحب فوراً لتختبئ داخل الشقوق.
أما التصميم الداخلي لتلك الروابي الصخرية فكان في غاية التعقيد ، مليئاً بالثقوب والمنافذ ، مما يجعل الإمساك بها مستحيلاً بمجرد دخولها إلى الداخل.
دخل "دوك " مباشرة في حالة التخفي ؛ وبقدرات تلك الحلزونات كان من الصعب عليها استشعار وجوده.
وما كان استصعبه الآخرون وعجزوا عن صيده كان "دوك " يجمعه كمن يلم الحصى ، يلقيها في "الخاتم المكاني " واحدة تلو الأخرى.
كان يستخدم حالياً الخاتم المكاني الذي أعطته إياه "هيلا " والذي يتمتع بمساحة تكفى بالداخل.
لم تذكر "هيلا " ما إذا كانت تريد استعادة الخاتم قبل مغادرتها ، لذا اعتقد "دوك " أنه سيحتفظ به لها كأمانة ، وسيفاتحها بالأمر فور خروجها من استراحتها.
قضى "دوك " قرابة نصف يوم في جمع أكثر من خمسين حلزوناً من ذوي الوجوه البشرية ، ورأى أن هذا القدر كافٍ في الوقت الحالي ، فقفل عائداً مباشرة.
بعد عودته كان عليه معالجة هذه الحلزونات بسرعة ؛ فقام بتقطيع لحم الحلزون من الجزء الأوسط وفصله ، ثم غمره في محلول حافظ لاستخدامه مستقبلاً.
الآن ، هذا العدد من الحلزونات يكفيه للاستخدام لفترة طويلة ؛ وأي فائض سيُحفظ مغموراً في زجاجات.
إن جرعة واحدة من "تأمل ضوء النجوم " لا تتطلب سوى عشرين جراماً من لحم الحلزون ، وحلزون واحد يمتلك من اللحم ما يكفي لصنع حصتين.
بعد عودة "دوك " إلى جزيرة الأكاديمية ، ذهب خصيصاً لشراء حوض كبير ، وفور عودته إلى السكن ، سكب جميع الحلزونات بداخله لتنقع في مياه البحر.
كانت العديد من الحلزونات على شفا الموت ، ولم تبدأ في التقاط أنفاسها إلا بعد نقعها في مياه البحر.
ومع ذلك لم يكن مكتوباً لها العيش إلا لفترة قصيرة ، إذ ستواجه قريباً نصل "دوك ".
التقط "دوك " حلزوناً ، متأملاً الوجه البشري المطبوع على صدفاته ومقلتي عينيه.
كانت جفون المقلتين تشبه الأصداف ؛ وعندما تنغلق ، تقوم الصدفة الخارجية بحماية العينين من أي أذى خارجي.
كانت عيون حلزون الوجوه البشرية تختلف عن عيون بني آدم ؛ فهي بيضاء نقية ، وفي مركزها نقطة حمراء صغيرة.
في هذه اللحظة ، أظهر الوجه الموجود على الحلزون تعبيراً بشرياً للغاية من الرعب ، وامتلأت عيناه بالخوف وهو يحدق في "دوك ".
كان فمه يفتح ويغلق باستمرار ، مثل سمكة تحاول شرب بعض الماء ، لكنه الآن ، وهو مرفوع في الهواء لم يكن يشرب سوى الريح.
بالكاد استطاع "دوك " أن يتبين من هذا الوجه ملامح تشبه ملامح رجل ، لكن كان من الصعب رؤيتها بوضوح.
أخرج خُطّافاً حديدياً يتوهج طرفه باللون الفضي ، وهي أداة مخصصة لاستخراج لحم الحلزون.
بدا وكأن الحلزون قد أدرك مصيره بمجرد رؤية هذا الخطاف ، فازداد تعبير وجهه ذعراً ، وبدأ جسده كله يرتجف ويتلوى ، محاولاً الإفلات من قبضة "دوك ".
لكن يد "دوك " كانت كالكماشة الحديدية ؛ وبقوته لم يكن هناك سبيل للحلزون ليزحزح نفسه حراً.
غرس "دوك " الخطاف الحديدي في الداخل وسحب لحم الحلزون الأبيض النقي ، جنباً إلى جنب مع بعض الأحشاء السوداء.
وعلى صدفة الحلزون ، فغر الوجه البشري فاهُ على اتساعه ، وجحظت عيناه بتعبير ينم عن ألم شديد وضراوة.
لكن ذلك التعبير تجمد في مكانه ؛ فقد فارق الحلزون الحياة تماماً.
بدأ الحوض المجاور يضطرب أيضاً ، حيث بدأت العديد من حلزونات الوجوه البشرية التي شهدت هذا المشهد ، بالتخبط والقفز حتى إن بعضها قفز خارج الحوض وبدأ يزحف ببطء نحو أماكن أخرى.
وقف "دوك " وأمسك بكل من هذه الحلزونات الهاربة واحداً تلو الآخر ، وأعادها إلى الحوض.
بعد معالجة الحلزون الذي بين يديه لم يتبقَ سوى قطعة من اللحم الأبيض النظيف ، ألقاها في حوض آخر مليء بالماء العذب.
وبلا مبالاة ، التقط "دوك " حلزوناً آخر ، فسمع صرخة حادة.
بالنظر إليه كان لهذا الحلزون وجه طفله صغيره كانت تبكي في تلك اللحظة.
ترددت اليد التي تمسك بالخطاف ؛ ووجد صعوبة في المضي قدماً.
إن عالم السحرة هو هكذا بالفعل ، يمتلئ دائماً بمخلوقات تحمل وجوهاً بشرية ، وكإنسان ، ستظل هناك دائماً ذرة من الشفقة.
كان هذا الحلزون صغيراً نسبياً ، ويبدو أنه لم ينضج تماماً بعد.
بعد تردد لبرهة ، وضع "دوك " هذا الحلزون جانباً.
فعلى أية حال مع وجود هذا العدد الكبير من الحلزونات ، سيختار فقط تلك التي يطاوعه قلبه على الإجهاز عليها.
تنهد والتقط حلزوناً آخر من الحوض ، مواصلاً استخراج اللحم منه.
ثم التقط حلزوناً آخراً واكتشف أن الوجه البشري عليه كان جميلاً بشكل غير متوقع ؛ كان الوجه بحد ذاته يمثل معايير الجمال المثالية ، بشفاه حمراء تفتح وتغلق ، وانحناءة شفاه لا تشوبها شائبة.
فكر بابتسامة "نظراً لوسامتك ، سأعفو عنك ".
لم يملك "دوك " إلا أن يفكر ، أليس هذا مجرد شكل آخر من أشكال الانتخاب الطبيعي الوحشي ؟
من بين أكثر من خمسين حلزوناً في الحوض الكبير لم يبقَ حياً في النهاية سوى خمسة عشر حلزوناً ، وهي التي لم يطق "دوك " إيذاءها.
ألقى بهذه الحلزونات في البحر على مسافة قصيرة من الشاطئ ، حيث كان المكان آمناً نسبياً ، تاركاً مصيرها للقدر.
في الوقت الحالي لم يكن بحاجة إلى كل ذلك العدد ، ويمكنه ببساطة الذهاب لاصطياد المزيد لاحقاً إذا لزم الأمر.
وضع "دوك " كل لحم الحلزون الذي تم نقعه وغسله جيداً في الماء العذب ، داخل زجاجات مجهزة مسبقاً بمحلول للحفظ طويل الأمد.
احتوت كل زجاجة صغيرة على بعض اللحم ، بدت وكأنها عينات مخبرية.
بعد ذلك توجه "دوك " إلى المدينة لشراء بعض المواد اللازمة لـ "جرعة تأمل ضوء النجوم " رغم أنه لم يشترِ أي "عشب ذهبي ".
في محاولته الأولى لم يشترِ الكثير ، بل اكتفى بمواد تكفي لخمس حصص فقط و كلفته حوالي مئة حجر سحري.
وعلى الرغم من أن الملاحظات في المذكرات كانت مفصلة للغاية إلا أنها لم تكن بالضرورة صحيحة أو فعالة تماماً ، فالمعرفة الحقيقية تأتي من الممارسة والتطبيق.
بعد الحصول على هذه المواد ، عاد "دوك " إلى جزيرة "هيلا " مستخدماً المختبر هناك لإجراء تجاربه توفيراً للمال.
عندما عاد كانت "هيلا " لا تزال داخل منزلها ولم تخرج بعد ، ويبدو أنها كانت بحاجة إلى مزيد من الراحة.
كانت "جرعة تأمل ضوء النجوم " جرعة من الدرجة الثانية ، وهي أكثر تعقيداً في التحضير مقارنة بـ "جرعة استعادة السحر الأساسية " وإن لم يكن الفارق كبيراً.
أجرى "دوك " تجاربه في المختبر بدقة متناهية ، وسرعان ما حصل على محلول أصفر شاحب بين يديه.
كان اللون مختلفاً بعض الشيء عن "جرعة تأمل ضوء النجوم " المعتادة ، والتي يفترض أن تكون صفراء ذهبية ، وليست بهذا الشحوب.