الفصل 263: الفصل 47: الوحوش تتدفق إلى الشق
لم يتلكأ "ميرفي " ولو للحظة ؛ إذ استدار وعاد مسرعاً نحو السطح ، مقتفياً أثر الشق المتعرج الذي هبط منه. حيث كانت خطواته خفيفة بينما يهرع عبر المسار الذي تمازجت فيه جدران الصخور الوعرة مع ضوء أحمر خافت وكئيب.
حافظ "ميرفي " على طاقة "التشي " الخاصة به مكبوتة تماماً ، دافعاً بآثار تقنيتي "وهم الألف وجه " و "خاتم الظل " إلى أقصى حدودهما حتى غدا جسده طيفاً يستحيل الإمساك به في ذلك الضوء الخافت ، وكأنه يذوب في محيطه.
بدأ الضوء الأحمر القاتم للسماء يتسرب إلى الشق من الخارج ، مشيراً إلى اقترابه من المخرج السطحي. ولكن ، في اللحظة التي أوشك فيها على بلوغ المخرج ، تسلل ضجيج غريب عبر جدران الصخور المتعرجة ليصل إلى أذنيه.
في البدء كان صوتاً قادماً من مسافة بعيدة ؛ جوقة من الفحيح والزئير المنخفض ، يعلو ويهبط بكثافة تكفي لتقشعر لها الأبدان. حيث كان صخباً صادر عن آلاف الوحوش التي تزأر في آن واحد ، ضجيج مشحون بالهياج والجوع. تداخل مع ذلك الصوت حفيف قشورها القاسية وهي تحتك بالصخور ، ووقع أقدامها الثقيلة وهي تسحق الأرض ، إضافة إلى صوت "فحيح " تقشعر له الأبدان لشيء يتحرك بسرعة فائقة.
ثم تلا ذلك ارتجاف الأرض ؛ الاهتزاز المتواصل والرعدي لخطوات لا حصر لها تدوس التراب! انتقل الاهتزاز بوضوح عبر الجدران الصخرية والأرض تحت قدميه حتى جعل الحصى المتناثر عند حافة الشق يتهاوى.
فجأة ، أصبحت رائحة الكبريت والأرض المحروقة في الهواء طاغية ، كثيفة لدرجة أنها بدت ملموسة وهي تنهمر إلى داخل الشق ، ممتزجة برائحة نتنة لا تطاق ، وهي الرائحة الفريدة التي تنبعث من تجمع ضخم للوحوش.
تسمر "ميرفي " في مكانه ، وانبطح خلف صخرة بارزة عند منعطف في الشق ، كاتماً أنفاسه ومخفياً وجوده حتى صار كظل حقيقي على الحجر. أمال رأسه ليُنصت ، وبحذر شديد أطلق قوته الروحية مُوجهاً حواسه نحو مخرج الشق.
الفحيح ، الزئير المنخفض ، الاحتكاك ، الارتجاف ، والرائحة النتنة… كل العلامات كانت تشير إلى استنتاج واحد: في الخارج كان هناك حشد هائل يستحيل حصره من الوحوش يتجمع في هذه المنطقة بالذات. وكان حجمه يفوق بمراحل ذلك الكمين الذي واجهوه عند دخولهم "البرية الحمراء العميقة " لأول مرة.
"أنا محاصر ؟ " بردت عينا "ميرفي " لكنه لم يشعر بالمفاجأة. فمنذ ظهور "الساحر " وحتى الرنين الذي أثارته العملات الروحية القديمة كان قد توقع ألا تظل الأمور هادئة. فمن الواضح أنه في لعبة بهذا الحجم لم يكن "الساحر " سوى قطعة واحدة على رقعة الشطرنج ، وكان هناك لاعب يحرك تلك القطع.
"فقط لم أتوقع أن يكون رد فعلهم بهذه السرعة ، أو بهذا الحجم الهائل. "
تحرك "ميرفي " ببطء ليغير وضعيته ، باحثاً عن زاوية تسمح له بمراقبة الخارج دون أن ينكشف أمره. ألقى نظرة من مخرج الشق ، فرأى مشهداً يخطف الأنفاس ؛ فقد كان قاع الوادى القاحل الذي لم يكن يضم سوى صخور مسننة ونباتات محروقة متناثرة ، قد تحول الآن إلى محيط من اللون الأحمر القاتم.
كانت وحوش "البرية الحمراء العميقة " التي لا تُحصى ، بمختلف أشكالها وأحجامها ، تتدفق من كل اتجاه كأنها سدٌ قد انهار. قاد الهجوم أسرع "وحوش الاحتراق " الضخمة ، حيث كانت قشورها شديدة الاحمرار ، داكنة لدرجة تقترب من السواد ، تعكس بريقاً معدنياً بارداً تحت السماء الكئيبة. حيث كانت عيونها المركبة تشتعل بلهب ذهبي داكن أكثر وحشية من المعتاد ، ويسيل اللعاب الأكّال من فكوكها. حيث كانت تتدافع فوق بعضها البعض مدفوعة بجوع لا يُقاوم ، تندفع بجنون نحو المداخل المختلفة لـ "منحدر وادى الصدع " بما في ذلك الشق الذي يختبئ فيه "ميرفي ".
وخلفها مباشرة كانت "ديدان صخور الأرض " وهي مخلوقات أكبر حجماً تشبه التلال المتحركة ؛ إذ كانت أجسادها الضخمة تحفر أثلاماً محروقة في الأرض أثناء مرورها ، وكانت أفواهها الضارية تفتح وتغلق ، نافثة سحباً ضخمة من الضباب السام الممتزج بشظايا كريستالية حتى بدا أن الهواء ذاته يئن من الألم في أعقابها.
والأكثر إثارة للقلق ، أنه كان يتخلل هذا المد الوحشي أفراد ذوو أشكال أغرب ؛ كائنات نحيلة تشبه الأطياف تستطيع نفث حمض لزج ، وأخرى تغطي قشورها نقوش غامضة ومتوهجة قادرة على إصدار صرخات لتعطيل الموجات الروحية. حتى أنه استطاع تمييز بضعة "وحوش احتراق عملاقة " -من النوع نفسه الذي قاتله في "بلدة الخشب الجديدة "- كانت أجسادها أكبر حجماً من "وحش الاحتراق " العادي ، وقشورها سوداء حالكة.
لقد بدا وكأنها فقدت غرائزها الإقليمية المعتادة ، لتتحد مؤقتاً تحت قيادة إرادة عليا ، وكان هدفها واضحاً "منحدر وادى الصدع ".
كانت طلائع الحشد قد اقتحمت الوادى بالفعل ، ومع ازدياد حماسها وهياجها ، بدأت تصطدم بجنون وتمزق الجدران الصخرية المحيطة بمخالبها وفكوكها ، بل وبأجسادها بأكملها ، محاولة شق طريقها إلى الأعماق. وبطبيعة الحال أصبح مدخل الشق الذي يتواجد فيه "ميرفي " هدفاً لتركيزها.
كان أحد "وحوش الاحتراق " الضخمة هو أول من أدخل رأسه البشع إلى الداخل ، ومسحت عيناه المركبتان ذات اللون الذهبي الداكن أعماق الشق الكئيبة وهو يطلق فحيحاً منخفضاً ومتردداً. تلاه الثاني ثم الثالث حتى ازدحم المدخل بها. بدا أنهم التقطوا رائحة "فريسة " سابقة فازدادوا هياجاً.
فحيح—!
أطلق أحد الوحوش دفعة من الهواء الحارق المتقد من فكيه ، وغرز أطرافه الأمامية السميكة في حافة الشق ، وبدأ يعصر جسده ليدخل. احتكت قشرته الصلبة بالصخر محدثة صريراً مزعجاً ، مما تسبب في تساقط الحطام.
ضاقت عينا "ميرفي " وتراجع بصمت إلى أعماق الشق ، نحو تجويف ضيق تكون من تراكم الطبقات الصخرية. حيث كان هناك نتوء صخري معلق فوق التجويف ، والأرض في الأسفل غير مستوية ، والضوء كان خافتاً هنا أيضاً ؛ لقد كان مخبأً مثالياً.
أسند ظهره إلى الجدار الصخري البارد ، وذاب تماماً في الظلال.