**الفصل الخامس والستون: التحول**
«تتباهى بقوة الآلهة ، أليس كذلك ؟ أود رؤية ذلك!» ضحك التنين الفيضي الأسود بملء فيه ، وتابع: «لقد مر زمن طويل منذ أن خضت نزالاً جيداً يُثلج الصدر!»
لم يكد ينهِ كلماته حتى تساقطت فجأة مئات من كرات النار الضخمة من السماء ، لتصطدم بالأرض حيث كان يقف الاثنان. حيث كانت تلك الكرات تتوهج بلون ذهبي وقرمزي تتخلله خيوط بيضاء ، دليلاً على حرارة لا تُحتمل ولا يمكن تصورها. حيث كانت كل كرة منها تغلف قطعة من أوبيتو يتجاوز عرضها ثلاثة أمتار ، وكان وقعها عنيفاً ومدوياً لدرجة خُيّل معها أنها ستخترق أعماق الأرض.
ارتطمت كل كرة بالأرض بانفجارٍ أصمّ ، حافرةً فوهات عميقة ، وبسبب الحرارة الشديدة ، تحولت التربة في مواقع الارتطام فوراً إلى بقع زجاجية لامعة. و لكن الأمر الأكثر رعباً هو أن هذا الدمار الشامل كان محصوراً في نطاق لا يكاد يتجاوز ثلاثين متراً ؛ مما أدى إلى تحول الجنود ذوي الدروع الذهبية إلى برك من البرونز المنصهر.
هل ما زال الاثنان على قيد الحياة ؟ لم يكن "هي لينغتشوان " بعيداً عن ذلك إذ ضغط بكفيه على أذنيه بقوة ، خشية أن يمزق الانفجار طبلتي أذنيه.
كلما زادت قوة التقنية الإلهية ، استغرق إعدادها وقتاً أطول. حيث كان التنين الفيضي الأسود قادراً على استدعاء وابل من النيازك بمجرد نفضة من ذيله ، وبدا الأمر وكأنه لا يبذل فيه جهداً. ولكن بعيداً عن حقيقة أن هذا العالم هو ملعبه الخاص ، فمن المرجح أن سخريته السابقة منهما لم تكن سوى حيلة ذكية لكسب الوقت لإعداد تقنيته الإلهية في الخفاء. فلا يوجد ما هو أكثر إزعاجاً من روح أثرية واعية ، وخاصة إذا كانت بمكر البشر.
بدا التنين الفيضي وكأنه يسيطر تماماً على الموقف بالأسفل. ومع أزيز منخفض ، بدأت أشكال جديدة تظهر من الدخان الأسود المتصاعد على الأرض.
نهضت قردة شيطانية جديدة من الأرض ، مدفوعة بوابل النار المستمر من السماء. و في هذه المرة كانت أضخم وأشرس من سابقاتها ، وكانت تتحرك بسرعة مريبة ، بينما كانت تيارات الحمم البركانية تسيل على أجسادها ، وتصدر فحيحاً كلما قطرت قطرة منها على الأرض. وما إن اتخذت هيئتها حتى اندفعت في اتجاه آخر.
هناك ، وفرت كومة من الأنقاض -معظمها حطام السور الجنوبي المنهار- ملاذاً مثالياً للاختباء. و لكن مثل هذه الحيل لا تجدي نفعاً أمام التنين الفيضي ؛ إذ لم يكن بحاجة حتى للنظر ليعرف الموقع الدقيق لخصميه.
لم يكن الاثنان بالقرب من موقع سقوط الكرات النارية ، فربما استخدم "سون فوبينغ " تعويذة هروب لسحب "نيان سونغيو " ونفسه إلى مسافة سبعين متراً في اللحظة الأخيرة. ولكن ما إن ظهرا حتى استدارت المدافع الدفاعية العشرة فوق سور المدينة فجأة ، مصوبةً نحو موقعهما بدقة. تحدث التنين الفيضي الأسود من فوق برج البوابة وهو في غاية الارتياح: «لقد فجرتما منزلي قبل قليل ، ألم يكن ذلك ممتعاً ؟»
انطلقت السهام والصخور المشتعلة والقذائف المسننة دفعة واحدة ، لتنهال عليهما في وابل قاتل. حيث كان "نيان سونغيو " متحمساً لاستخدام القذائف المسننة سابقاً ، لكنه بدا الآن في حالة يرثى لها ؛ إذ امتلأ درعه المصنوع من صدفة السلحفاة بالشظايا حتى إنه أُصيب بسهمين في ساقه.
كان جسده بالكامل محاطاً بوهج أزرق خافت. و لقد نجح بالفعل في تحمل وابلين من السهام وجولة من الصخور المشتعلة ، ولكن لسوء الحظ لم يكن "سون فوبينغ " مبالغاً ؛ فقد أصبحت رموز التفويض عديمة الفائدة هنا ، وكل ذرة من الطاقة الحقيقية ينفقها تكلفه أضعاف المعتاد. ومع ذلك نجح في كسب القليل من الوقت لـ "سون فوبينغ " وباستخدام تعويذة هروب أخرى عبر باطن الأرض ، تحرك الاثنان جانباً ثلاثين متراً أخرى.
عاد التنين الفيضي الأسود على برج البوابة يحك رأسه بكسل وقال: «حسناً ، لا داعي للعجلة ، فهذا مجرد إحماء ، والمرح الحقيقي لم يبدأ بعد».
لم يكد ينهِ جملته حتى تدفقت أسراب من الخفافيش من فتحات التهوية في سور المدينة ، وفي لحظات حُجبت السماء فوق السور الجنوبي ؛ إذ بلغت أعدادها عشرات الآلاف. و على الفور غاص نصفها نحو الأرض وتحول إلى خمسة نمور رملية رشيقة ، بينما انقسم الباقون في الجو ، وتشكلوا على هيئة طيور وحشية بأجنحة خفاش ومناقير حادة.
كانت القردة الشيطانية قوية لكنها بطيئة ، مما منح "نيان سونغيو " مساحة للمناورة. ولإدراكه لهذا النقص ، استدعى التنين الفيضي نمور الرمل الرشيقة لسد ثغراته الهجومية ، بينما شنت الطيور الوحشية هجوماً جوياً. ومع الهجمات المنسقة من الأعلى والأرض ، بدا الأمر وكأن التنين يريد أن يرى إن كان بإمكانهما الفرار إلى السماء نفسها.
ومع ذلك اتضح في هذه اللحظة أن "نيان سونغيو " ليس لقمة سائغة. فبمجرد دخول نمور الرمل في المعركة ، أصبح حمل الدرع والسيف معاً أمراً مرهقاً ، لذا وضع درع السلحفاة جانباً وسحب "تشانغداو " (سيفاً طويلاً). و من بعيد ، رأى "هي لينغتشوان " خطين من الضوء الأزرق يتراقصان صعوداً وهبوطاً. حيث كانت حركات "نيان سونغيو " سريعة ودقيقة وقاسية ؛ وكان سيفه يتحرك كأنه تنين ينسج في الهواء. وأمام براعة سيفه لم تستطع نمور الرمل ولا القردة الشيطانية الاقتراب منه.
لكن في عالم التنين الفيضي ، هل هناك شيء دون ثمن ؟ في هذا الوقت القصير ، أصيب "نيان سونغيو " بما لا يقل عن اثني عشر جرحاً متفاوتة الخطورة ، ودماؤه تلطخ ثيابه. حيث كانت أقسى ضربة من أحد الطيور الوحشية عندما انقض عليه ؛ ورغم أنه نجح في شطر الطائر إلى نصفين إلا أن منقاره الحاد ترك جرحاً غائراً يمتد من زاوية جبينه حتى ذقنه ، وكاد يفقأ عينه.
راقب "هي لينغتشوان " ذلك وتمتم: «هذا جنون! منذ متى كانت الوحوش قادرة على تغيير أشكالها هكذا ؟»
حتى وإن لم يكن "هي لينغتشوان " قارئاً نهماً إلا أنه كان يعرف قاعدة حديدية في هذا العالم: سواء كان بشراً أو وحوشاً ، فلا يمكن لأحد أن يتحول كلياً إلى كائن آخر إلا إذا امتلك بالفطرة قدرة على المحاكاة أو التحول. ببساطة ، لا يمكن لـ بني آدم أن يتحولوا لوحوش ، ولا الوحوش لبشر ؛ فالخفاش يظل خفاشاً ولا يتحول لنمر أو طائر. أما وحش الضفدع ، فيمكنه النمو من شرغوف إلى ضفدع بالغ ، لأن ذلك مساره الطبيعي.
يمكن لـ بني آدم ، عبر تقنيات إلهية معينة ، تغيير أجزاء من أجسادهم ، لكن تلك التغيرات لا تدوم ، ولها ثمن باهظ وآثار جانبية. و لهذا اعتبرت قاعدة حديدية لا تكسر أبداً. ومع ذلك كانت هذه الخفافيش تغير أشكال أجنحتها ، ألم يكن هذا انتهاكاً صارخاً للقواعد ؟
ابتسم "ماو تاو " ابتسامة مريرة وقال: «في مكان كهذا ، هل بقي شيء غريب ليعتقد ؟»
فجأة قد سمع "هي لينغتشوان " هبوب ريح حاد من الأعلى وأشار بسرعة للصمت ، لكن الأوان كان قد فات. و هبط طائر وحشي على الأنقاض على بُعد أقل من ثلاثة أمتار منهما ، وتبادلا النظرات في ذهول. ولم يدركا مدى ضخامة هذا الكائن إلا حين هبط ؛ فقد كان بطوله واقفاً يقارب طول "هي لينغتشوان " نفسه.
كان له أجنحة تشبه أجنحة الخفافيش ، رقيقة وغشائية ، مع عظمة صدر بارزة كعارضة سفينة التنين. وعند انكماشها كانت أطراف الأجنحة مزودة بمخالب معقوفة و كل مخلب أسود منها أطول من إصبع إنسان. حيث كان منقاره يشبه المنجل ، طويلاً وحاداً كالشفرة ، وبنكرة واحدة منه كان من شبه المؤكد أن يهشم الجمجمة.
سحب "ماو تاو " المرعوب سيفه ، لكن "هي لينغتشوان " أشار بأصابعه بهدوء هامساً: «لا تتحرك!»
بينما كانا تحت نظرات تلك العيون الصفراء الطينية ، شعر "هي لينغتشوان " بوخز في فروة رأسه. حيث كان هذا الكائن وحشاً تكوّن من دمج عدة كائنات. وبجانب نمور الرمل وطيور الوحش ، من يعلم ما الذي يمكن أن يصبح عليه أيضاً ؟ علاوة على ذلك لا يمكن قتل هذه الأشياء نهائياً ؛ مهما حاولا ، فإنها لا تموت.
وبينما كان "هي لينغتشوان " يفكر في حل ، أمال الطائر الوحشي رأسه وكأنه يفكر في أمر ما أيضاً. لم يجرؤ أي منهما على التنفس. وبعد بضع نبضات من القلب ، فقد الطائر اهتمامه ، واستدار ، وبخفقة من أجنحته طار بعيداً.
كان "ماو تاو " غارقاً في عرقه ، وأطلق زفيراً طويلاً: «إذا خرجت من هنا حياً ، سأحرق البخور في المعبد ، وأجعل زوجتي تعد مأدبة لحم للأجداد. لا بد أن أجدادنا يحرسوننا! هذا وحش يجد حتى معلّم الدولة "سون " والقائد "نيان " صعوبة في التعامل معه».
قال "هي لينغتشوان " وهو يحدق في التنين الفيضي فوق بوابة المدينة: «هذا لا علاقة له بأجدادك. لماذا لا تعتقد أنه لم يكن عدائياً تجاهنا ؟». كل هذه الوحوش استدعاها التنين الفيضي ، لتكون عيونه وقبضاته ، تتحرك بأمره. وبما أن الطائر رآهما وتركهما يرحلان ، فهذا يعني أن التنين لا ينوي مهاجمتهما.
لقد كان الاثنان ، بالإضافة إلى "نيان سونغيو " يثيرون الفوضى في هذا الوهم ويشعلون النيران في كل مكان ، فلماذا كان التنين الفيضي الأسود يرغب في تركهما وشأنهما ؟