لقد أورثت هزيمة "كاسفان " في مطلع العام اضطراباً عارماً ، تلتها أسابيع من الجمود ، ثم اندلعت ثورات المتدربين وتوالت موجات الهروب الجماعي حتى بلغ الأمر بالمتدربين حد التمرد العلني واحتلال القلاع.
كل ذلك جعل "ريتشارد " يشعر بإنهاك شديد ؛ فقد كان الملك يجهد في ترميم العلاقات المتصدعة داخل المملكة ، لا بين الفرسان والمتدربين فحسب ، بل بين الفرسان أنفسهم.
قال "جولز " -قائد فرسان الكأس المقدسة- مباشرة ودون مقدمات ، وهو يضع أدوات مائدته جانباً مخاطباً ريتشارد "أعتذر يا جلالة الملك ، لكن السيدة قد أرسلت نبوءة: جيش ضخم من البرابرة قد نزل على جزيرة (لاندري) ، ففتك بعشرات الآلاف من الرعية ، ودمر معبد السيدة. علينا فوراً حشد جيش من الفرسان لتعزيز دوقية (ليونيس) ، وإلا فإن قوات اللورد (دالهيد) لن تصمد أمام جيش الفوضى الجرار هذا. و لقد تجلت لي السيدة في منامي ، وقالت إن هذا العدو يمتلك قوة غير مسبوقة ".
"طرق! ".. ارتجفت يد "ريتشارد " قليلاً ، فسقطت شوكته الفضية على الأرض.
اعتلت وجه "ريتشارد " ملامح الحزن والغضب "لماذا.. لماذا تأتي المصائب دائماً مجتمعة ؟ حثالة الفوضى.. يعرفون حقاً كيف يختارون أوقاتهم ، فالمملكة في أوهن حالاتها الآن ، أتعلم ذلك يا (جولز) ؟ "
أجاب "جولز " "أدرك ذلك ". لم يكن "جولز " غافلاً عن الوضع السياسي ، بل على العكس كان يدرك تمام الإدراك التحديات الراهنة التي تواجه مملكة الفرسان.
هز "ريتشارد " رأسه وقال ببطء "تدرك ؟ تدرك ؟ بل أنت لا تدرك يا عزيزي (جولز) ، يا قائد فرسان الكأس المقدسة ؛ لقد تكبد الجزء الشمالي من المملكة خسائر فادحة في تمرد المتدربين هذا ، والأمن مضطرب ، وأنا أحتاج إلى الكثير من القوات لحفظ النظام ، والآن تريد انتزاعهم مني. أتعلم كم سيؤثر هذا ؟ "
استقرت عينا "جولز " ببريق حازم وهو ينظر مباشرة إلى "ريتشارد " "يا جلالة الملك ، ليس أمامنا خيار ، يجب كبح غزو الفوضى ، وعلينا مواجهة العدو وجهاً لوجه! إن الفوضى هي العدو اللدود لمملكة الفرسان ، ويجب القضاء عليهم أولاً ، وإلا ستلتهم النيران المملكة بأسرها ، وسيُذبح عدد لا يُحصى من الناس! "
رد "ريتشارد " بحدة وهو يلتقط أدواته الفضية ويضعها بعنف على المائدة "لا حاجة لأن تذكرني ، فأنا أعلم ما هي الأولويات القصوى ، وأعرف أي الأعداء هم الخصوم الحقيقيون الذين يجب على المملكة التركيز عليهم! لقد كان والدي يحدثني عن تهديد الفوضى وأنا في الثالثة من عمري! "
صمت "جولز " مذهولاً من غضب الملك ، وسرعان ما أدرك قلة كياسة موقفه فاعتذر سريعاً "أعتذر يا جلالة الملك ، فقد جانبت الصواب ".
زمّ "ريتشارد " شفتيه وأغمض عينيه ، وبدا جسده يرتجف من الغيظ ، محاولاً السيطرة على مشاعره. حيث كان "جولز " ذا ملامح وقورة ، وبدا وكأن هيئته تشع بضوء التفاني كالشمس ؛ فقد جاء حاملاً مشيئة الإلهة ، عازماً على إتمام ولائه وواجبه تجاه السيدة ، منتظراً رد الملك.
قال "ريتشارد " وهو يتنفس الصعداء "يا (جولز) ، تعبئة الجيش ليست بالأمر الهين.. لقد قلت لك إن المملكة ضعيفة جداً الآن ، والاضطرابات طويلة الأمد جعلت الأمن هشاً ، وإذا أعلنت التعبئة بسبب غزو الفوضى في هذا الوقت ، فسيثير ذلك حتماً ذعراً بين الناس.. إن أعداد الفرسان والقوات في (كولونا) قد تدنت لأدنى مستوياتها منذ عشرين عاماً. و علاوة على ذلك هناك قضية أخرى بالغة الأهمية ، وهي أن مخازن الحبوب لم يتبقَّ فيها سوى النزر اليسير ".
أومأ "جولز " بحذر ؛ فمعظم الحبوب التي حُصدت حديثاً من الشمال إما نُهبت أو دمرها المتمردون قبل أن تُجمع ، وحتى ما جُمع منها كانت أجور العمال الذين أرسلهم تجار (مارينبورغ) تتجاوز بكثير تكاليف حصاد المتدربين لها بأنفسهم.
أمنٌ غير مستقر ، وأعداد قوات غير كفؤ ، ومخزون الحبوب ضئيل ؛ فإذا أرادت مملكة الفرسان الآن حشد جيش للزحف ، فستواجه ذعراً شعبياً وروحاً معنوية منهارة ، وقد يتعرض مستوى الأمن الذي تحسن مؤخراً لاختبار قاسٍ من جديد. ومع ذلك كان الملك يدرك تماماً سبب خطورة تهديد الفوضى ؛ ففي مواجهة غزو الفوضى من الشمال ، عليه أن يستجيب لنداء "جنية البحيرة " ويرسل التعزيزات.
بعد صمت طويل ، شارك "ريتشارد " "جولز " ما يواجهه من صعاب ، ففكر "جولز " قليلاً وقال للملك "يا جلالة الملك.. يمكننا طلب العون من دوقيات الجنوب ، حيث الوضع السياسي مستقر نسبياً. سواء كان اللورد (بوهيموند) من (باستوني) أو اللورد (فرانسوا) من (وينفورد) ، أو غيرهم من الدوقيات ، فأراضيهم مستقرة ومزدهرة منذ أمد بعيد ، ولديهم الفائض لدعمنا ".
أومأ "ريتشارد " ببطء "آه ، فهمت. و في مواجهة عدو عظيم ، يجب تنحية الضغائن الشخصية ووجهات النظر الداخلية جانباً ، فأهم شيء في قتال الفوضى هو الوحدة. سأكتب رسائل أطلب فيها القوات والمؤن من الجنوب ".
نهض "ريتشارد " من مقعده ، وبدا من جسده الهرم وكأن ظلالاً من أمجاد الماضي قد انبعثت "اجمعوا القوات! يا (جولز)! مهما كان الثمن ، لا ينبغي أن نسمح للفوضى بأن تطأ أرض الإلهة! سأستدعي الجيش باسم الملك ، وليكن هذا الجيش تحت إمرتك ، وخذ من مخازن الحبوب ما تستطيع ".
"طلبي الوحيد منك يا (جولز) ، هو أن تعود بالنصر ".
"حاضر! " وقف "جولز " بشموخ ، نظر إلى "ريتشارد " ثم استدار وغادر القصر الملكي.
راقب "ريتشارد " طيف "جولز " الراحل وأومأ برأسه "أرض الإلهة لن تطأها أقدام حثالة الفوضى! "
أنهى الملك طعامه بسرعة ودخل قاعة العرش ليبدأ بكتابة الرسائل ؛ مستنجداً بدوقيات الجنوب ، فأرسل إلى (بوهيموند) ، و(فرانسوا) ، و(بودريك) ، و(ثيودوريك).. وكذلك (لاين).
وبمجرد كتابة الرسائل ، التقط "ريتشارد " الرق ، وتناول ريشة الكتابة وغمسها في المحبرة ، لكنه سرعان ما وضعها جانباً ، ناظراً إلى طلب الاستغاثة المكتوب ، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة مريرة.
كانت الريشة تُرفع وتُوضع مراراً ، والأصابع المرتجفة والملامح المتغيرة على وجه "ريتشارد " كانت تنبئ بمدى الصراع الذي يعتري الملك. عاطفياً لم يكن يرغب في كتابة هذه الرسائل ، فقد كانت ضربة لهيبته الشخصية ولسلطته الملكية. ومع ذلك فإن "بريتانيا " لم تكن كالإمبراطورية التي يستطيع فيها أمراء ناخبون أقوياء تجاهل أوامر الإمبراطور مباشرة.
وفي "بريتانيا " ورغم تمتع الدوقيات بوضع مستقل كان "ريتشارد " يعلم أنهم تحت تأثير روح الفرسان والتفاني العميق لجنية البحيرة ، سيستجيبون حتماً إذا طلب منهم العون.
ألقى الملك نظرة صامتة إلى الوراء ، حيث كانت صور ملوك الفرسان السابقين خلفه تراقب ، بدءاً من أول ملك فارس "الموحد " آرثر ، وصولاً إلى سلفه "الطاغية " جون الثاني الذي أطاحت به "ساحرة بحيرة الإله " وفرسان الكأس المقدسة من على العرش.
"هاه ، أصعب كلمة يخطها المرء في حياته هي اسمه " أطلق "ريتشارد " ضحكة باردة فجأة ، وأخذ نفساً عميقاً ، وضغط بيده اليسرى المرتجفة على يده اليمنى التي تمسك الريشة ، وكتب اسمه أخيراً.
"أيها الحراس ، ارسلوا هذه الرسائل إلى كاتدرائية الكأس المقدسة! "
"حاضر! "..
استغرق حشد الجيش وقتاً أطول مما توقعه "جولز " ؛ فقد احتاج جيش الفرسان إلى أسبوع أو أكثر لجمع ما يزيد قليلاً عن نصف القوات في "كولونا " وبدلاً من ثلاثة آلاف فارس وعشرين ألف جندي كما كان مأمولاً لم يتجمع سوى ألفي فارس وثلاثة عشر ألف رجل.
أدرك حينها لماذا كان "ريتشارد " قلقاً للغاية بشأن هذا الأمر.
"لا يمكننا الانتظار أكثر! حركوا القوات! "