قبل رحيلها ، ألقت "ديزيريه " نظرةً خفيَّةً على "موجيانا " التي غطَّى الترابُ وأوراقُ الشجر جسدَها ، فترقرقت لمحةٌ من الأسى على وجه روح الغابة الأنثوية الملتوي الخبيث ؛ إذ استبدَّ بها شعورٌ بالذنب تجاه ما اقترفته يداها.
لكنَّها ما إن استحضرت خطَّتها في ذهنها حتى تملَّكها اليقين بأن خيانة "موجيانا " أمرٌ يستحق العناء ، فكلُّ ذلك لم يكن إلا بسبب أولئك الـ "وود ألجان " اللعينين الذين أخلَّ وجودُهم بتوازن "أيسلورون " إخلالاً جسيماً. فعلى مدى آلاف السنين ، شهدت روح الغابة أفعالهم الوحشية وسلوكياتهم الاستفزازية تجاه أعدائهم الخارجيين. وحتى لو كان الـ "وود ألجان " يقاتلون بضراوة لحماية الغابة ، فقد كانت "ديزيريه " المكلومة والممزقة لم تعد قادرة على استيعاب تلك المشاعر أو التعاطف معها.
أما الآن ، فكل ما تصبو إليه هو القضاء على جميع الـ "وود ألجان " في "أيسلورون " وإعادة الغابة إلى سيادة أرواح الأشجار ، ومن أجل هذه الغاية ، هي على استعداد للتضحية بكل شيء.
وبعد رحيل روح الغابة لم يتبقَّ في ساحة الغابة سوى "موجيانا " و "مانفريد ".
كان شعر "موجيانا " الذهبيُّ البديع الذي يتلألأ تحت ضوء الشمس ، متلبداً بالتراب. وبين الأشجار كان ثمَّة مذبحٌ مدنَّس بالدناسة وطاقة الموتى الأحياء ، مُحاطٌ بعظامٍ بيضاء ، ومزدانٌ بكنوزٍ شتى ، ووسائد مطرَّزة ، وغيرها من الزخارف الباذخة التي تعكس ترف مصاصي الدماء الفج.
قالت "موجيانا " وهي تُطلق لعنةً خبيثة "أهذا هو هدفك يا مانفريد فون كاستاين ؟ تَبًّا لك! ". لكن "مانفريد " ظلَّ غير مبالٍ وردَّ عليها "لو لعنتِني في أوجِ قوتك ، لربما كان للأمر شأن ".
كان الكونت مصاص الدماء المهيب "مانفريد فون كاستاين " ينحدر من الإمبراطورية في حقبة "فوضى الأباطرة الثلاثة " سيئة السمعة ، حين برزت عائلات مصاصي الدماء من "هلفانيا " لا سيما عشيرة "فون كاستاين " بقيادة "فلاد " الذي استولى على لقب أمير "هلفانيا " الناخب ، محولاً إقليم الأمير الناخب بأكمله إلى مملكة موحشة ، وموطنٍ للموتى الأحياء.
ومن بينهم كان القائد الأكثر شهرةً من مصاصي الدماء هو "فلاد فون كاستاين " ؛ الذي كاد يهزم الإمبراطورية برمتها ، لولا أن أدرك الأمراء الناخبون حجم التهديد ، فتوحدوا ضده ، مما أدى إلى هزيمته وتطهير جيش الإمبراطورية لأراضي "هلفانيا ".
وخلال صراع داخلي داخل عائلة "كاستاين " حول الهيمنة ، التزم "مانفريد " الحذرَ والحيطة ، نائياً بنفسه عن الصراع على السلطة ، ومكرساً وقتَه لدراسة سحر الموتى الأحياء ، متخفياً في زي نبيل بشري يتجول حول العالم.
وسعياً وراء معرفة أعمق بفنون استحضار الأرواح ، سافر وحيداً إلى أرض "نيكوهارا " البعيدة والقديمة ، مهد استحضار الأرواح. وفي ذلك المكان المشؤوم ، ومن خلال أبحاثه المضنية ، أتقن "مانفريد " كل أسرار ذلك الفن ، وعاد إلى "هلفانيا " ليصبح القائد الجديد لمصاصي الدماء.
وخلال "معركة هيلفن " هزمت الإمبراطورية "مانفريد " وفيلق الموتى الأحياء التابع له مرة أخرى ، ولكن من المعروف أن مصاصي الدماء عصاةٌ على الموت. استقرت عينا "موجيانا " الخضراوان على رأس "مانفريد " الأصلع ؛ فقد أدركت ساحرة البحيرة أن هذا مصاص الدماء المهيب قد عاد مجدداً.
كانت ساحرة إله البحيرة موضوعةً على المذبح ، ويداها وقدماها مقيَّدتان بإحكام. حاولت التفكير في طريق للفرار بينما كانت تحاول فهم ما حدث "أسرُك لي لا يخدم أي غرض. تاريخيًّا كانت ساحرات إله البحيرة يمُتن في المعركة ، ولكن طالما بقيت السيدة ، ستولد ساحرة جديدة من نبية إله البحيرة الجديدة. خطتُك لن تنجح! ".
ردَّ "مانفريد " ببرود على كلمات "موجيانا " "ربما تحاولين استقاء المزيد من الحقائق مني ، ولكن لسوء حظك ، يجب أن أخبرك أنك مجرد قطعةٍ لبعث السيد ، ولا أعرف تفاصيلَ أكثر. "أخان " و كلبُ السيد الوفي لم يخبرني بما هو أبعد من ذلك ". ثم أخرج المجلد السادس من مجلدات "ناغاش " التسعة ، ووجهه نحو "موجيانا " وبدأ في إلقاء تعويذاته.
حتى وهي أسيرة كانت ساحرة إله البحيرة لا تزال تمتلك "مانا " مفعمةً ومباركةً من "جنية البحيرة " مما جعل من المستحيل على "مانفريد " منحها "قُبلة الدم " لتحويلها إلى مصاصة دماء مباشرة ؛ إذ إن محاولة فعل ذلك كانت ستسبب ضرراً جسيماً لـ "مانفريد " نفسه.
لذا كان عليه أولاً استنزاف القوة السحرية من "موجيانا " فأطلق الكونت مصاص الدماء "تعويذة الحلقة السادسة: استنزاف الحياة ".
"آه! أوه! " تدفقت "المانا " من "موجيانا " دون سيطرة ، ولم تستطع ساحرة إله البحيرة التحكم في جسدها بينما كانت كمية كبيرة من "المانا " تُسحب منها ، مما جعلها تصرخ بألم لا يطاق. التوى وجهها الجميل من فرط العذاب ، وكاد احتضار قوتها السحرية أن يدفعها إلى الجنون.
تبددت "المانا " ذات اللون الأخضر الزمردي جزئيًّا في الهواء ، وتحوَّل بعضها إلى سحر أسود مرعب ، بينما تلقى "مانفريد " تلك الهدية من ساحرة إله البحيرة ليزداد قوةً.
ما العمل ؟ ما العمل ؟ أجبر الألمُ "موجيانا " على الحفاظ على وعيها الصافي ، بينما كانت تفكر بجدية في مسارات الهروب. لم يتبقَّ لديها سوى القليل من الوقت ؛ فبمجرد استنزاف قوتها السحرية بالكامل ، ستكون تلك هي اللحظة التي ترضخ فيها لـ "قُبلة الدم " وتتحول إلى مصاصة دماء!
تناقصت "المانا " حتى أوشكت على النضوب ، وازداد الوضع حرجاً مع بزغ الفجر وبداية تسلل ضوء النهار.
وفجأة ، شعرت ساحرة إله البحيرة اليائسة بحرارة لافحة في أسفل بطنها.
لقد كان ذلك الختم الذي تركه "لاين " وهو عبارة عن قلب فضي بأجنحة ممتدة ، يعلوه شعار سيف طويل يضيء ببريق ساطع.
غمرت "موجيانا " موجةٌ عارمة من المشاعر وهي تغمض عينيها ، جاهدةً لاستشعار الطاقة المتقدة داخل الختم. و في داخل ذلك الختم كانت طاقة "لاين " الروحية زرقاء اللون مستمرة في العمل ، ولم تتأثر -لسبب غامض- بسائل روح الشجرة القديمة الخاص بروح الغابة.
لقد أثارت تعويذة "استنزاف الحياة " للكونت مصاص الدماء آليةَ الدفاع الخاصة بالختم ، مما أدى إلى تفعيله!
جمعت "موجيانا " ما تبقى لها من قوة ، محاولةً توجيه القوة السحرية الموجودة داخل ختم "لاين ".
"لاين! أعِرني قوتك.. أنا بحاجة إليك! ".
وعلى نحوٍ إعجازي ، فُتح الختم ، وتدفقت الطاقة الكامنة فيه إلى جسد "موجيانا ". ورغم ضآلتها كانت تكفى لساحرة إله البحيرة من المستوى المقدس أن تُلقي تعويذاتها!
وهكذا ، جاهدت "موجيانا " لرفع معصمها ، وتمتمت بصوت خافت بتعويذة من الحلقة الرابعة:
"غضب الغابة! "
انفجرت الأشواك والأغصان من الأرض ، وقيدت "مانفريد " وجسده بقوة. كُسرت تعويذة "استنزاف الحياة " وتسببت الآثار العكسية للتعويذة في ألم شديد في رأس الكونت ، مما جعله يمسك رأسه من فرط الوجع وهو يصرخ "آه! ".
وبشكل غريزي ، ألقى الكونت بسيفه الطويل "نصل التدنيس " نحو "موجيانا ".
"أوه! " تبعتها آهة ألم من ساحرة إله البحيرة.
انفجرت طاقة الزمرد المتبددة في الهواء ، مشكلةً سحابة كثيفة من الدخان.
"تبًّا! تبًّا! تبًّا! هذه المرأة اللعينة تمكنت حقًّا من إخفاء ذرة أخيرة من المانا! " زمجر "مانفريد " في غضب ، وومضت قوة سحره الأسود المهولة ، مما جعل الأغصان والأشواك التي تقيده تتفتت إلى شظايا ورماد تحت تأثير طاقته التآكلية ، مشتتةً الدخان الكثيف بالكامل.
وعندما رفع بصره لم يجد في المذبح سوى أثرٍ لقطرات دم ، دون أي أثر لـ "موجيانا ".
"آه! " هدر "مانفريد " في ثورة غضب عارمة ، فهل أفلتت ساحرة إله البحيرة من بين يديه ؟
كان الكونت ساحراً كبيراً للموتى الأحياء ، وبلحظة من التفرس ، حدد الاتجاه الذي سلكته "موجيانا " عبر تقنية الانتقال الآني للفرار. و لقد حُقنت ساحرة إله البحيرة بثلاث جرعات من "سائل روح الشجرة القديمة " وأصيبت بـ "نصل التدنيس " الخاص به ؛ لذا فإن الحركة العادية كانت تشكل تحدياً لها ، ولا بد أن تقنيتها في الانتقال لم تذهب بها بعيداً.
"طاردوها! "
التقط "مانفريد " "نصل التدنيس " واندفع في الاتجاه الذي فرَّت فيه "موجيانا "...
في الحقيقة لم تكن "موجيانا " قد ابتعدت كثيراً ، ربما حوالي ألف ومائتي متر عن المذبح. فظهرت ساحرة إله البحيرة من العدم ، وسقطت على وجهها عند جذور شجرة كبيرة ، وقد نُفِد ما لديها من "مانا ".
منعها شعورٌ طاغٍ بالإرهاق والوهن من الوقوف ، إذ كان جسدها خاوياً من أي قوة بسبب تأثير الجرعات. حيث تمسكت ساحرة إله البحيرة بجانبها الأيسر ، وكانت خيوط من الدماء الطازجة تتسرب عبر أصابعها ؛ فقد تفادت بصعوبة إصابة في مقتل ، لكنَّ خصرها الأيسر أصيب بجرح قطعي طويل.
تمتمت ساحرة إله البحيرة وهي تحاول النهوض بصعوبة "سيدتى ، يا سيدتي... قد لا أتمكن من خدمتِك بعد الآن يا موجيانا.. لاين... ربما كان يجدر بي أن أستمع إليكِ... ".