كان ذلك الصوتُ النحيلُ يفيضُ غطرسةً ووقاحة. وقفت خلف الثلاثةِ فتاةٌ شقراءُ ترتدي زيَّ النبلاءِ البريطانيين الأحمرَ والأزرق ، يحيطُ بها حشدٌ من الفرسانِ الذين يتولّون حراستها. حيث مدت يدَها الصغيرةَ وأشارت بوقاحةٍ نحو «لاين» قائلةً "من أين جاء هذا الفارسُ ؟ وكيف يجرؤُ على إزعاجِ الأختِ «سوريسيا»! اقبضوا عليه فوراً! "
"... "
"... "
تأزّم الموقفُ وساد ارتباكٌ شديد ؛ إذ وقع الفرسانُ المكلّفون بحمايةِ الفتاةِ في حيرةٍ من أمرهم ، لا يدرون أيهجمونَ أم يبقونَ في أماكنهم ، فلم يجدوا وسيلةً سوى الوقوفِ وإيماءُ الإشاراتِ المتكررةِ للفتاةِ لتكفَّ عن ذلك.
"ما بالكم ؟ يا «بونو»! باشروا العملَ أنتم ورجالكم! " لم تكن الفتاةُ بعدُ قد أدركت كنهَ ما يحدث ، وظلت تشيرُ بإصبعها نحو وجهِ «لاين» دون حراك ، مما دفعَ العديدَ من المارّةِ للتوقفِ ومشاهدةِ الموقف.
"آنستي... آنستي ، انظري إلى مقدمةِ هذا الفارس... " همسَ حارسُها في أذنها مسرعاً.
"المقدمة ؟ همف! مجردُ بارونٍ لا شأنَ له ، ما الذي يستحقُ النظر ؟ " وضعت الفتاةُ يديها على خصرها ، وبدت ملامحُها السلطويةُ فظّةً وعدوانيةً "نفّذوا الأوامرَ بسرعة ، وإلا جعلتُ والدي يُسرّحكم جميعاً من الخدمة! "
قطّب «لاين» حاجبيه ، واستخدم نظراته بعفويةٍ ليستفسرَ من «سوريسيا».
من هذه ؟
"إنها «فيونا» ، حفيدةُ الدوق «ثيودوريك» حاكم «بورايليون». التقيتُ بها بضعَ مرات. " قطّبت «سوريسيا» حاجبيها هي الأخرى ، وقد ظهر جلياً استياؤها من وقاحةِ الفتاة "منذ ولادةِ «فيونا» وأراضي دوقية «بورايليون» في اضطرابٍ دائم ، لذا كانت تُرسَلُ أغلبَ وقتها إلى «كولونا» للدراسة ، محاطةً دائماً بخادماتِ القصر وفرسانِ العشيرة ، ولهذا... طبعُها ليس بالأمرِ المحمود. "
"يبدو أنها معجبةٌ بكِ ؟ " تابع «لاين» سؤالَه ، لكن «سوريسيا» هزّت رأسها نافيةً "لا ، هي لا تكنُّ لي أيَّ ودّ ، بل تبحثُ فحسب عن ذريعةٍ لإثارةِ المشاكل. "
"إنها عادتُها ؛ فـ«فيونا» دائماً على هذه الحال. حينما تشعرُ بالملل ، تبتكرُ سبلاً لتفتعلَ الأزمات. " تنهدت «سوريسيا» برفق "الناسُ إما يهابونها أو يسايرونها في طيشها ، وهذا ما يُشعرها بالنشوة. "
"... " لم يجد «لاين» ما يقولُه ، فتمتم بكلمة "مجنونة " بصوتٍ خافت ، غيرَ راغبٍ في إعارةِ استفزازاتِ الفتاةِ أيَّ اهتمامٍ آخر. عوضاً عن ذلك قال بهدوءٍ وثبات "إن كنتم عازمين على فعلِ شيءٍ ، فافعلوا ذلك بسرعة. ومع ذلك سيكون من الأفضلِ أن تدركوا عواقبَ أفعالكم. "
"اقبضوا عليه ، إنه مجردُ بارون ، وأيُّ عواقبَ ستكون ؟ " كان وجهُ الفتاةِ يفيضُ تكبّراً ، ولكن في منتصفِ حديثها ، غشيته نظرةُ ذعرٍ وصدمة.
هذا البارونُ الشابُّ هو فارسٌ من فرسانِ الكأسِ المقدسة ؟
"عذراً ، أعتذرُ بشدة! أيها الفارسُ النبيلُ من فرسانِ الكأسِ المقدسة لم تقصد الآنسةُ أيَّ سوءٍ ، نرجو أن تصفحَ عنها. و لقد ظنتك شخصاً آخر! " كانت «فيونا» لا تزالُ تحت وطأةِ الصدمة ، بينما تسارعَ فرسانُها نحو «لاين» ليعتذروا "نعتذرُ بشدة! "
"إذا كان لأحدٍ أيُّ شكوى ضدّي ، أنا «لاين ماكادو» ، فليكتب إلى قائدِ الفرسان «يوجين» من تنظيمِ فرسانِ الكأسِ المقدسة المتمركزِ في فرع «كولونا» ، أو مباشرةً إلى المقرِّ الرئيسيِّ للفرسان في دوقية «كاكاسونج». سأحتفظُ بذكرى وقاحتِك يا آنسة «فيونا» ، لكنني سأتجاوزُ عنكِ هذه المرة. فليكن هذا آخرَ عهدنا بمثلِ هذا التصرف. " أجاب «لاين» ببرود.
"... " عضّت «فيونا» شفتها بقوة. و أدركت الفتاةُ أنها وقعت في ورطة ، لكن كبرياءها منعها من النطقِ بكلماتِ الاعتذار ، فلم تجد سبيلاً سوى خفضِ رأسها بصمتٍ مذلّ.
وبعد أن ابتعد «لاين» ومرافقوه ، رفعت الفتاةُ يدها ولطمت فارسَ عشيرتها على وجهه "أيها الأحمق! و لماذا لم تذكرني بأنّ ذلك الرجلَ فارسٌ من فرسانِ الكأسِ المقدسة! "
"لكن... يا آنستي ، نحن لم ندرك ذلك أيضاً! "
"أيها الغبي! " وهوت لطمةٌ أخرى على خدِّ فارسِ العشيرة "الذنبُ كلُّه يقعُ على عاتقك ، انتظرْ فقط! لن أتركك وشأنك! سأخبرُ جدّي بما حدث اليوم! "..
كان «لاين» بمنأى عن ذلك الضجيجِ الخارجيّ ، بل على العكس لم يوقفِ الفارسُ المقدّسُ خطاه ، ومضى داخلاً إلى كاتدرائيةِ الكأسِ المقدسة.
كانت هذه الكنيسةُ المهيبةُ بقبتها العملاقةِ قائمةً حتى قبل تأسيسِ مملكةِ «بريتانيا». ففي ذلك الزمان كانت الكاتدرائيةُ الأولى تُستخدمُ للعبادةِ وتبجيلِ إلهِ عرق «الجان» آنذاك ، سيدِ العنقاء - «أسيان».
وفي القرونِ التي تلت ذلك مع تراجعِ «الإلف» وانحسارِ النفوذِ الإمبراطوريّ ، وبروزِ القوى النبيلةِ المحليةِ في «بريتانيا» ، تغيرت معبوداتُ هذه الكاتدرائيةِ باستمرار ، كما أُعيد بناؤها وتوسيعها مراراً وتكراراً مع تعاقبِ العصور.
حتى قبل نحوِ ثمانمئةِ عام ، مع القصةِ الأسطوريةِ للملكِ الفارسِ الأولِ لـ«بريتانيا» ، «آرثر».
لقد اخترقت رماحُهم الطويلةُ جراحَ الأرض ، وقطعت سيوفُهم الحادةُ شرورَ الظلام. وفي ظلِّ بركةِ «السيدة» ، آمن شعبُ «بريتانيا» بأنَّ فرسانهم لن يُهزموا أبداً. اثنا عشر فارساً من فرسانِ الكأسِ المقدسة ، توحّدوا تحت لواءِ «آرثر» ، وخاضوا إحدى عشرةَ معركةً كبرى قبل أن يصلَ «آرثر» وكلُّ الفرسانِ إلى سهولِ «كولونا».
كانت بلا شكٍ المعركةَ الأخيرة ، وهي أيضاً الأكثرَ أسطوريةً على الإطلاق.
في ذلك اليوم ، خرجت من غاباتِ «آردن» الجنوبيةِ الغربيةِ جيوشٌ لا تُحصى من الوحوشِ الضارية ، عابرةً نهرَ «سانس» ، ومندفعةً نحو «كولونا» ، بأعدادٍ تفوقُ أعدادَ الفرسانِ بعشرةِ أضعاف.
وفي ذلك اليوم ، شكّلت قبائلُ «الجلدِ الأخضر» حشوداً عظيمةً (واااغ!) ، عابرةً سلسلةَ جبالِ «الرمادي» ، ومشكّلةً طوفاناً لا يُردُّ ، لا يقلُّ عددهُ عن خمسينَ ألفاً.
وفي ذلك اليوم ، اجتاحت كائناتٌ شريرةٌ خارقةٌ للطبيعة ، متمثلةٌ في جرذانٍ عملاقةٍ بحجمِ البشر ، مدينةَ «كولونا» ، مدمّرةً نصفَ أرجائها. و تدفقتْ أعدادٌ لا حصرَ لها من الجرذانِ خارجَ بواباتِ المدينة ، لتظهرَ خلفَ جيشِ الفرسان.
وهكذا ، حُوصر «آرثر» وفرسانُه من قِبَلِ أعداءٍ يفوقونهم عدداً بأكثرَ من عشرينَ ضعفاً.