في شهر أغسطس ، وفي ذروة الصيف ، هبت رياح قائظة عبر السهول ، تلسع بجمرها جيشاً كان يشق طريقه في الحقول. لم يمضِ وقت طويل حتى تبللت ثياب الجنود بالعرق ، وأصبحت دروع الفرسان ومرافقيهم ساخنة لا تُطاق ، مما اضطر الجيش للتوقف مراراً من أجل الراحة.
توقف "لين " أيضاً ؛ فهو بفضل درعه الروحاني لم يكن يشعر بوطأة الحر. ونظر الفارس الجوال "أوليفيه " إلى الشمس المتوقدة في كبد السماء ، ومسح العرق عن جبينه قائلاً "يا باروني ، أليس هذا الطقس شديد القسوة ؟ "
رد "لين " مشيراً بيده إلى أنه لا يحتاج إلى مساعدة مرافقه "ألم تعتد على القتال في مثل هذه الأجواء يا أوليفيه ؟ " كان البارون يقود حصانه سيراً على قدميه ، مرتدياً درعه المعزز بالطاقة الطاقة الروحية ، يقطع السهول بخفة. وعلى النقيض كان "هيكس " و "أوليفيه " يواجهان صعوبات جمة ، إذ احتاجا إلى مساعدة مرافقيهم لامتطاء خيولهم والترجل عنها حتى إن ارتداء دروعهما ، بوجود المساعدة كان يتطلب جهداً جهيداً.
ضحك الفارس الشاب ، ذو اللحية والعينين المتقدتين عزماً ، بتفاؤل "الأمر محتمل. فبصفتنا فرساناً ، يجب علينا تخطي كل الظروف المناخية ؛ ومثل هذه الصعاب البسيطة لن تثني عزيمتي. أليست هذه هي الحياة ؟ "
كان تفاؤل "أوليفيه " الفطري وروحه التي لا تلين من الصفات التي يقدرها "لين " كثيراً في هذا الشاب ، فربت على كتف الفارس الجوال قائلاً "واصل على هذا المنوال ، فأنا أتطلع لرؤية أدائك! "
أجاب أوليفيه "بالتأكيد يا باروني. " ثم أخرج كيس الماء وشرب منه حتى ارتوى ؛ وبما أن نهراً كان قريباً لم يضطر الجنود للقلق بشأن الماء.
توقف الجنود كذلك للراحة ، وتوجهوا نحو النهر القريب لجمع الماء ، مما خلق قدراً من الفوضى. غير أن "هيكس " سرعان ما أمرهم بجلب الماء على دفعات ونظم حراسة للموقع. حيث كان المجندون الجدد ، رغم افتقارهم إلى المهارة ، أكثر طاعة من كثير من المحاربين القدامى ، خاصة بوجود "لين " فارس الكأس المقدسة ، بينهم ، مما رفع معنوياتهم بشكل كبير. فوجود فارس الكأس المقدسة يبعث في أرواح المتدربين شجاعة عظيمة ، ويعزز من كفاءتهم القتالية.
وبينما كان جيش "لين " في استراحته ، تصاعد الغبار على الطريق البعيد ، معلناً وصول جيش كبير. وقد رفرفت رايات مرفوعة عالياً يزينها حصان مجنح (بيغاسوس) أبيض ناصع. و لقد وصل جيش دوق "وينفورد ".
كان الماركيز "كونلي أسكوت " يمتطي حصان حرب من سلالة "جاغان " الأصيلة ، ويرتدي درعاً صفائحياً كاملاً وخوذة ذات منقار بديعة الصنع ، ممسكاً باللجام. وإلى جانبه كانت تركب ابنة الدوق "سوريسيا كوماني أنتيري ". كانت الفارسة الباسيلة ترتدي أيضاً مجموعة من الدروع الفضية الصفائحية المسحورة والمزينة بنقوش جميلة ، توازن بين الجمال والعملية.
وخلفهم ركب عشرات الفرسان ، يتبعهم مئات من مراقبي الفرسان والضباط والجوالة ، وفي المؤخرة كانت هناك حشود من المشاة. حيث كانت دوقية "وينفورد " قد أرسلت ما يقرب من ألفي جندي لهذه الحملة.
قال "لين " وهو يقف أمام حصانه مرحباً بهما "طاب مساؤكما يا لورد أسكوت ، والآنسة سوريسيا. "
ردت الفارسة وقد أشرقت عيناها حين رأت "لين " وشعار عائلة الكأس المقدسة الذي بحوزته ، ولوحت له ، بينما مسح الماركيز "كونلي " لحيته الصغيرة وقال "طاب مساؤك يا لورد لين ، لقد وصلت مبكراً جداً. "
أجاب "لين " بإخلاص "بطبيعة الحال الوصول المبكر يجنبنا أن ننتظر أحداً أو نُنتظر. "
وهكذا ، وحد الجيشان قواهما واتجها نحو معسكر "فاليريم ". كان معسكر "فاليريم " يبعد عدة مئات من الكيلومترات عن نقطة انطلاقهما ؛ حيث كان عليهما الالتفاف حول غابة "شارون " وعبور دوقية "بولدرو " شمالاً ، ثم الوصول إلى معسكر "فاليريم " عند الحافة الشمالية لغابة "أردن " خط الدفاع الأخير ضد الوحوش. حيث كان من المقرر أن يجتمع جيش الفرسان هناك قبل التقدم نحو قلعة "يولسن " داخل غابة "أردن " وهي خط الدفاع الرئيسي لـ "بريتانيا " في الغابة وأكبر حصونها.
أخرجت "سوريسيا " شارة درع من ملابسها ؛ كانت رمزاً منحه إياها الدوق "وينفورد " يخولها قيادة هذا الجيش المتجه إلى معسكر "فاليريم ". كان العديد من فرسان "وينفورد " على معرفة بـ "لين " فحيوه بحرارة ، وكان الكثير منهم قد شاركوا "لين " في جهود سابقة لقمع قطاع الطرق ، مما سهل عليه تولي القيادة. أعاد الجيش تنظيم صفوفه ثم سار نحو معسكر "فاليريم " في رحلة قُدرت بسبعة أيام.
في تلك الليلة ، نصبوا خيامهم في قرية داخل دوقية "بولدرو ". وبعد العشاء ، ومع انخفاض درجات الحرارة تدريجياً كان المناخ اللطيف لـ "بريتانيا " في العالم القديم يعني أن الليالي حتى في أكثر أيام الصيف حرارة ، تظل باردة نسبياً.
بعد العشاء ، خرج "لين " وفارساه في جولة في الحقل المفتوح. و في المعتاد كان الحقل مكاناً خطراً ، لكن بالنسبة لـ "لين " لم يكن سوى مكان للتنزه.
سأل "لين " "هيكس " وهو خبير في التدريب ، بينما كان الغسق يحل "هيكس ؟ "
- "أنا معك يا باروني. "
- "لقد رأيت جيش وينفورد ؛ ما رأيك فيه ؟ "
أجاب "هيكس " بصوت رصين وهو يمسك سيفه الطويل "إنهم مدربون تدريباً جيداً ولا يعرفون الرحمة ؛ أستطيع رؤية روح القتال المتوقدة في أعينهم ، وهو أمر غير معتاد بين المشاة. "
وهنا تدخل "أوليفيه " الذي كان يسير على الجانب الآخر من "لين " قائلاً "أهو بسبب حضور البارون ؟ إن ظهور فارس الكأس المقدسة يبعث النشاط دائماً في أرواح القوات. "