الفصل 21: "همم، من هو؟"
وقف القائد يحدق في القوافل وهي تبتعد، جسده متصلب لا يتحرك. ثم، ولأول مرة، أطلق تنهيدة طويلة ثقيلة بدت وكأنها تحمل كل أحزان الدنيا. وبعد أن اختفت السيارات عن الأنظار، استعاد الجميع وعيهم وتوجهوا نحوه، حيث كانت ملامحه حزينة وهو يراقب آخر ذرة غبار تستقر. ثم استدار ليواجه بقية الفريق.
لم يستطع زورو إخفاء فضوله. سأل: "يا قبطان، من كان هؤلاء الناس؟"
تردد القائد لبضع ثوانٍ قبل أن يجيب: "أناس أعرفهم... من مكان ما. ولكن لا أستطيع شرح الأمر. أرجوك لا تطلب مني مجدداً." كان تعبير القائد كئيباً لدرجة أنه كان بمثابة تحذير واضح.
"حسناً، بالتأكيد." حكّ زورو رأسه، وهزّ كتفيه، ولم يُلحّ في الأمر. لم يرغب أحدٌ آخر في السؤال أيضاً، فساد صمتٌ ثقيلٌ على المجموعة وهم يدخلون معسكر جامعي الخردة. ولأن غراي كان مع القائد لفترة طويلة، فقد تلاشت النظرات العدائية التي اعتادت أن يشعر بها، ولم يعد يشعر بها بعد الآن.
انطلق زورو والآخرون في دروبهم المنفصلة، غارقين في أفكارهم بسبب ذلك اللقاء الغامض. عاد غراي والقائد إلى منزلهما الصغير في تلك المنطقة النائية. وما إن دخلا حتى توجه القائد إلى المطبخ لإعداد الغداء. تبعه غراي، لكنه لم يفعل شيئاً، بل وقف يراقب القائد وهو يطبخ. ولما جهز الطعام، تناولهما في صمت. ولكن لأول مرة، كان الصمت محرجاً، مثقلاً بأسئلة لم تُطرح. ورغم أن غراي كان يتوق لطرحها إلا أنه كبح فضوله بشدة وركز على الطعام. وبعد أن انتهى من الأكل، غسل الأطباق بسرعة وانطلق مع القائد لتفقد معسكر جامعي الخردة.
كانوا يرتدون أزياءهم التنكرية، ويسيرون بخطى عادية، كما لو أنهم اعتادوا على هذا الأمر مئات المرات. سلكوا طريقهم المعتاد، لكن غراي ما زال يجهل سبب هذه النزهات اليومية. تبع القائد فحسب، وعقله غارق في دوامة من الحيرة.
**مراقب مصيري**
في هذه الأثناء، فوق مخيم جامعي الخردة كانت امرأة جميلة تحمل مظلة زرقاء، وعيناها مثبتتان على الأرض. وإلى جانبها يقف الرجل العجوز، السير سيباستيان الذي كان قد دار بينه وبين القائد نقاش حاد. حيث كانت ملامحه توحي بالإيمان والخشوع وهو ينظر إلى المخيم.
قال الرجل العجوز بصوتٍ محترم: "سيدتي، ما رأيك؟ هل يجب أن نعود إلى الطائفة؟"
لم تُجب الشابة في البداية. حجب ضباب مظلتها رؤية وجهها بوضوح، لكن كان بالإمكان تمييز ملامحها الرقيقة. وقالت بعد صمت طويل، بصوتٍ ناعمٍ وجميل: "لقد تغيّر حقاً." ثم واصلت النظر إلى الأسفل، مركزةً نظرها على القائد والفتى الصغير الذي كان يسير بجانبه.
"كما قلتَ تماماً. ولقد تغيّر حقاً. إنه الآن يتحمّل مسؤولية أفعاله." تابعت حديثها بنبرة غضبٍ عارم. "لو كان لديه هذا الشعور بالمسؤولية حينها، لما ماتت أختي، ولما نُفي!" ثم خفّت نبرتها، وتوقفت عن الكلام، وحلّ حزنٌ عميقٌ مؤلمٌ محلّ غضبها.
"سأبقى وأراقبه لبعض الوقت. لا تقلق يا سيباستيان، يمكنك الذهاب." قالت، وعيناها لا تزالان مثبتتين على القائد الذي كان غافلاً تماماً عن وجودها.
انحنى الرجل العجوز انحناءة عميقة. حيث طار عدة أمتار قبل أن يحرك يده، فظهرت زجاجة صغيرة. انفتحت الزجاجة، وظهرت في السماء سفينة سحرية ضخمة، طولها عشرون متراً. حيث كانت تنبعث منها تقلبات قوية في الطاقة الروحية، وشعورٌ أقوى بالقداسة. بدا الهواء وكأنه يرتجف، وكادت الغيوم أن تنقشع، لكن الرجل العجوز قبض يده فقط، فبقيت الغيوم في مكانها. حيث كانت صواري السفينة نصف طولها الإجمالي، ومطلية بلون أزرق سماوي هادئ. وهبط الرجل العجوز على سطح السفينة، وبدأت السفينة بالإبحار بعيداً بسرعة مذهلة. ثم تحولت إلى وميض من الضوء الأبيض واختفت.
أعادت الشابة انتباهها بالكامل إلى القائد والفتى. ولأن كل هذا حدث في مكان مرتفع لم يلحظ أحد الاضطراب واستمروا في يومهم كالمعتاد. وحده القائد ألقى نظرة خاطفة على السماء قبل أن يصرف نظره، كما لو أنه شعر بشيء ما لكنه لم يستطع تحديده بدقة.
**لمحة عن المستقبل**
عند حلول المساء، تناول القائد وغراي العشاء، ثم غسل غراي الأطباق قبل أن يتوجه إلى غرفته للتأمل. جلس مجدداً على الأرض العارية ودخل في حالة تأمل عميق. وبينما كان يشعر بجزيئات الطاقة الروحية تدخل جسده وتندمج في كيانه، استمرت المادة المسببة للتآكل داخله بالتراكم، وهو تراكم مطرد كان خطيراً وفي الوقت نفسه دليلاً على قوته المتنامية.
عندما بزغ الصباح، فتح عينيه، فاختفت الخطوط الأرجوانية الخافتة والضوء الذي كان يلفّهما. وأطلق تنهيدة طويلة، وخرجت خصلة من البخار من فمه. فكّر: "سأصل قريباً إلى المستوى الخامس من تراكم الطاقة الحيوية! لكن الأمر بطيء للغاية." شعر بجسده على وشك الانهيار، ذلك الشعور المألوف ببلوغه أقصى حدود مرحلته الحالية. ولقد كان تقدمه في التدريب سريعاً بشكلٍ مدهش. فمعظم الناس يقضون شهوراً، بل سنوات، لاختراق عالم واحد، لكنه كان يفعل ذلك بسرعةٍ فائقةٍ لدرجة أنه بدا وكأنه حلم.
مع إشراقة الشمس على بشرته، شعر بدفء لطيف. وعندما خرج ورأى القائد واقفاً مرة أخرى فوق معسكر جامعي الخردة كحامٍ قديم، انتابه شعور غريب بالأمان والاطمئنان. ومع تشبث الشمس تماماً، نزل القائد ببرود من السماء، واختفت ملامحه الباردة، ليحل محلها هدوؤه المعهود. ثم توقف ونظر إلى غراي وقال: "لو قادمة لاصطحابك. لن أكون موجوداً، لذا ستبقى معها حتى أعود."
أومأ غراي برأسه. أومأ القائد باقتضابٍ راضٍ، ثم استدار ودخل المنزل ليُعدّ الفطور. و قبل أن ينتهيا من تناول الطعام، وصلت لو. تحدثت مع القائد لبضع دقائق، ثم غادر معها. وبينما كان غراي ينظر إلى المنزل المهجور الذي يقف وحيداً في الأفق، قرر أن يسأله سؤالاً: "آنسة لو، لماذا يبقى القائد وحيداً؟"
بدا أن لو قد توقعت السؤال. أجابت ببساطة: "لأنه يفضل الصمت."
وسأل مرة أخرى: "هل يعود ذلك إلى تدريبه؟"
قالت: "لا أعرف..." وبهذا انتهت جلسة الأسئلة والأجوبة.
بينما كانوا يشقون طريقهم إلى المستوطنات الداخلية، نظر بعض الرجال في المستوطنة الخارجية إلى لو بنظرات شهوانية وهم يحدقون في قوامها. ولكن ما إن رأوا وجهها حتى تحولت تعابيرهم إلى خوف، وأشاحوا بنظرهم سريعاً. بل إن بعضهم غادر المكان. لم تبدُ لو قلقة، وواصلت سيرها في صمت.
وبينما كانوا يدخلون المتجر، ذهبت لو إلى مكتب في الجانب البعيد وترك غراي لشأنه.
وبما أنه لم يكن هناك ما يفعله، وجد غراي مكاناً ليجلس فيه ويزرع. استمر هذا لعدة دقائق، قرابة ساعة تقريباً، عندما فُتح الباب الخلفي للمتجر فجأة.
دخلت الفتاة الصغيرة ذات شعر كستنائي. أغلقت الباب برفق ودخلت. وفي هذه الأثناء كان غراي قد فتح عينيه بالفعل. وبينما كان يفكر فيما سيفعله، صرخت الفتاة فجأة.
كان ذلك لأنها رأت غراي جالساً في الجانب المظلم قرب الباب. حيث كان تعبيره جامداً، وعيناه الرماديتان تحملان صمتاً هادئاً وبارداً. لا تزال ملامح وجهه الوسيم الملطخ بالطين واضحةً أمام عينيها.
كما أنها شعرت بأنه مألوف لها. "همم، من هذا؟" لكنها اكتشفت لاحقاً سبب شعورها بالألفة تجاه وجهه. ولقد جاء ليشتري منها حبوباً منذ فترة.
في ذلك الوقت، خرجت لو من مكتبها.