الفصل 189: الفصل 189 – عالم تأسيس المؤسسة (17)
عندما ظهرت تلك النظرة الخافتة التي تنمّ عن فهم، توقف غراي فجأة عن الحركة. وأدرك الأمر فجأة لدرجة أن حتى الجليد الأزرق الذي كان يزحف بسرعة على جلده لم يعد سوى ضجيج في الخلفية. تصدّع الصقيع على ذراعيه، وانتشر كعروق شتوية حية، لكن غراي لم يلتفت إليه ولو للحظة.
لاحظت الشابة التغيير فوراً. واتسعت ابتسامتها الباردة، وارتفعت زوايا شفتيها بثقةٍ مُرعبة. دون تردد، نقرت على منتصف جبينها، فانبعث من فمها رذاذٌ شاحبٌ بارد. حيث كان الرذاذ خفيفاً جداً لدرجة أنه بدا كشبح، شيءٌ يُمكن أن يتبدد مع أدنى نسمة هواء، شيءٌ غير مؤذٍ… ولكنه قاتل.
لكن على الرغم من رقتها، انطلق الضباب بسرعة مرعبة، ووصل إلى غراي في لمح البصر.
وبينما كان الضباب القاتل يلامس صدره، لمعت عينا غراي، بل اشتعلتا، بمسحة أرجوانية خافتة. وبدأ جسده كله يتلاشى، وتشوّهت ملامحه كانعكاس مشوّش على سطح الماء. وفي اللحظة التالية، اخترقه الضباب مباشرةً كما لو أنه لم يكن سوى وهم.
عندما استقر شكله مرة أخرى، لم يعد غراي واقفاً في نفس المكان. ولقد ظهر مجدداً على بُعد عدة أمتار، هادئاً، ثابتاً، وغريباً، أثيرياً.
استدارت الشابة وعندما وقعت عيناها على تلك العيون الأرجوانية الخافتة، اهتز عالمها بأكمله.
شعرت وكأن صاعقةً قد ضربت داخل جمجمتها، عدة صواعق دفعة واحدة، كما لو أن عقلها يهتز بعنف. ارتجف وعيها، وخرج عن السيطرة، وضربتها موجة دوار شديدة. التوى معدتها بشدة، وكادت تتقيأ عندما تسرب الدم من زاوية شفتيها.
تراجعت ساقاها إلى الوراء لا إرادياً. انتابها خوفٌ فطريٌّ جارف، لكن حتى وهي تتراجع، ظلّت صورة تلك العيون البنفسجية عالقةً في ذهنها. وشعرت وكأنها محفورةٌ في عقلها، محفورةٌ في روحها.
"أرى… " همس غراي بصوت ناعم ولكنه رنان بشكل غريب. "إذن إذا استخدمت عيون التنين أثناء نشر إحساسي الإلهيّ… فسيكون التأثير الإجمالي أقوى."
اختفت صورته مجدداً، ليس بسبب التلاشي، بل بسبب السرعة الهائلة. انفجرت قوة هائلة من تحت قدميه، وانطلق غراي للأمام كبرق خاطف. حيث كان الجليد قد زحف بالفعل إلى كتفيه، وتشكلت طبقات رقيقة على طول فكه وخده، ومع ذلك بدا وكأنه لم يتأثر على الإطلاق. بل على العكس، جعله ذلك يبدو أكثر برودة، وأكثر قسوة، وأكثر مناعة.
وفي لحظة، ظهر أمام المرأة المنسحبة.
انكمشت قبضته، وانضغط الهواء في الجوار بشدة. وعندما وجه لكمته، انفجرت القوة إلى الأمام على شكل مدفع هوائي على هيئة قبضة، متموجة بنية تدميرية.
استجابت المرأة في الوقت المناسب تماماً. انبثقت أمامها شاشة ضوئية رقيقة متعددة الألوان، هشة وجميلة، كفقاعة صابون متلألئة. ولكن على الرغم من نعومتها، فقد حملت قوة دفاعية فريدة خاصة بهيئتها المتألقة الخاصة.
اصطدم مدفع الهواء به… وارتد للخلف كما لو أن الشاشة مصنوعة من القطن والماء، وتشتتت في الهواء دون أن تسبب أي ضرر.
عندما رأت المرأة ذلك تنفست الصعداء سراً، رغم أن الخوف ظلّ بادياً في عينيها. ولقد أذهلتها قدرات غراي الهجومية الشاملة تماماً.
لكن اضطرت إلى استخدام شكلها الخاص بالتألق في وقت مبكر من القتال إلا أن غراي تمكن من إبقائها متيقظة وجعلها حذرة من كل تحركاته.
لو علمت المرأة بالفعل أن غراي قد تمكن من الوصول إلى عالم بناء الأساس قبل بضعة أيام، لما صدقت ذلك على الإطلاق.
ففي نهاية المطاف كانت قدرات غراي القتالية وطريقة استعراضه لسرعته الفائقة مرعبة للغاية. نقطة ضعفه الوحيدة في تلك اللحظة كانت افتقاره للقدرات الإلهية.
وإذا علمت أن غراي قادر على إطلاق العنان لقوته الخارقة الآن، فلن ترغب بالتأكيد في مواصلة هذه المعركة. ورغم أن شيخها أوصاها بحماية هذه المنطقة حتى يأتي أتباع الطائفة ذات الألوان التسعة لبناء فرع لهم هنا إلا أنها لن تضحي بحياتها من أجل الوفاء بهذه المسؤولية.
عندما صُدّت لكمته الأولى، تردد غراي قليلاً. وظهرت الحيرة في عينيه. حتى الآن كانت معركته مع هذه الشابة صعبة للغاية، ولكنها أيضاً بلا معنى.
مع ذلك لم يكن غراي يتردد متى أراد فعل شيء ما. ولكن هذا لا يعني أنه سيتصرف بحماقة في كل مرة. بل كان يركز على شيء واحد ويتجاهل الباقي.
رغم أن معركتهم دارت في السماء إلا أن التقلبات والاصطدامات ستشعر بها حتماً من هم في الأسفل. وهذا تحديداً ما كان يريد تجنبه.
شهد غراي بنفسه الرجل العجوز وهو يستخدم فن الاستبدال ويغادر الأنفاق تحت الأرض. وفي الواقع، لو لم يضع غراي إدراكه عليه قبل مغادرته، لكان شكك في قدرته على تعقبه، خاصة مع مكائد الرجل العجوز الخبيثة وأساليبه الملتوية.
لقد حان الوقت لأن أنهي هذا الأمر…
مع ازدياد وضوح هذه الفكرة في ذهنه، أدرك غراي أنه لا يستطيع إضاعة المزيد من الوقت. فتراجع بضع خطوات وهو مغمض العينين. ورغم أن الشابة كانت بأمان داخل هالة الضوء التي تحميها، وكان بإمكانها مهاجمة غراي أثناء انسحابه إلا أن هذه المعركة القصيرة جعلتها شديدة الحذر منه. وعندما شعر غراي أنها لم تُبدِ أي نية للهجوم، ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه.
للحظات وجيزة، ساد صمتٌ غريب. حتى الريح بدت وكأنها تتجنب المكان المحيط بغراي، كما لو أنها تستشعر أن شيئاً أكثر خطورة على وشك أن يستيقظ.
فوراً بعد ذلك فتح عينيه، فظهر فيهما بريق ساطع. وبعد لحظة انفجرت طاقة هائلة من داخله. وفي اللحظة التي انفجرت فيها تلك الطاقة، شعر غراي بقوة مؤسسته تتضاعف عدة مرات.
بدا العالم أكثر وضوحاً وإشراقاً في عينيه. تباطأت الحركات من حوله أكثر، بل إنه استطاع أن يرى بوضوح تام الصدمة التي انتشرت على وجه الشابة.
مع انطلاق تلك القوة الهائلة منه، ظهرت أمامه كرة نارية ساطعة. دلت تلك الكرة النارية على أن غراي قد فتح عقدته الخامسة والعشرين، وحوّلها إلى ثقبه الروحي الخامس والعشرين. و كما دلت على أن غراي قد أطلق العنان لشكل تألقه الخاص.