تم البدأ بإستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق على الفصول المنشورة من تاريخ ٣١-١-٢٠٢٦ نتمنى لكم قراءة ممتعة

زراعة الفراغ 176

مجال تأسيس المؤسسة (4)

الفصل 176: الفصل 176 – عالم تأسيس المؤسسة (4)

بعد وقت قصير، أحس غراي بوجود عقدة روحية أخرى. لم يتردد، بل شد قبضته وضربها بقوة. انفجرت العقدة بصوت مكتوم، وامتلأت على الفور بطاقة روحية، لتصبح ثقباً روحياً آخر.

ثم ساد الصمت العالم…

لم يكن صمتاً عادياً. كان الأمر كما لو أن العالم بأسره قد زفر فجأة وتجمد. خفق قلب غراي في صدره، وقبل أن يتمكن حتى من التساؤل عما يحدث، تشوشت رؤيته، فبدأت تخفت، ثم امتدت، ثم انهارت على نفسها مثل تموجات الماء.

عندما عاد الوضوح أخيراً، أدرك غراي أنه لم يعد في جسده.

لم يكن يمارس التأمل ولم يكن يشعر بثقوب روحه. فلم يكن يحقق اختراقاً.

كان يقف وسط مرجٍ واسعٍ مُضاءٍ بأشعة الشمس، ورائحة الأرض النضرة ونسيمها الدافئ يداعبان بشرته. ونظر إلى أسفل وتجمد في مكانه. حيث كانت ملابسه مختلفة، بسيطة، داكنة، تكاد تكون طفولية، ويداه… أصغر حجماً.

لم يكن عمره ستة عشر عاماً.

بدا وكأنه في الحادية عشرة من عمره. أو ربما الثانية عشرة.

انقطع نفسه. "ما… هذا؟ أين أنا؟"

وبينما كان يستدير محاولاً تهدئة أفكاره المتسارعة، تردد صدى صوت خافت عبر الأراضي العشبية.

"غراي!"

التفت برأسه نحو الصوت. حيث كانت الفتاة الصغيرة، في السابعة أو الثامنة من عمرها على الأكثر، تركض نحوه بفرحة عارمة. كانت أشبه بضباب من بشرة شاحبة وشعر أسود حالك، ولكن في منتصف الطريق، تعثرت قدمها بحجر. انزلقت إلى الأمام وأطلقت صرخة فزع.

تصرف غراي قبل أن يفكر، فأمسك بها قبل أن تصطدم بالأرض مباشرة.

نفخت الفتاة خديها وأفلتت منه. "همف! و لماذا أمسكت بي؟ أستطيع الوقوف بمفردي!"

كان صوتها واضحاً، وعبسها جذاباً، وعندما نظر إليها غراي بتمعن، نظر إليها حقاً، شعر وكأن عقله كله قد توقف عن التفكير.

شعر أسود. عيون حالكة السواد. وجه حاول تذكره لسنوات لكنه لم يستطع استيعابه إلا بشكل جزئي.

كانت تشبه أخته تماماً.

الأخت التي ابتلعها الفراغ.

أخته التي لم يرها مرة أخرى.

"أختي…؟" همس غراي. حيث كان صوته يرتجف. حيث كان قلبه يدق بعنف في صدره بينما كانت مشاعر لم يكن يعرف حتى أسماءها تتصادم بداخله.

رمشت الفتاة الصغيرة. "لمجرد أنني تعثرت لا يعني أنه عليك أن تمسك بي في كل مرة يا غراي" قالت بنبرة ناضجة بشكل غريب بالنسبة لعمرها وهي تنفض الغبار عن فستانها.

انقطع نفس غراي. تلك النبرة. ذلك التعبير. ذلك الغرور الصغير المألوف. ولقد طعن قلبه بشدة لدرجة أنه لم يستطع تحمله.

قبل أن يدرك ذلك كانت الدموع تنهمر من عينيه، بهدوء، وبشكل لا يمكن السيطرة عليه، وبحرارة شديدة.

حدقت الفتاة به في حيرة. "أخي الكبير غراي… لماذا تبكي؟"

رفعت يديها الصغيرتين ومسحت دموعه برفق. حيث كانت راحة يدها دافئة، دافئة لدرجة أنها بدت غير واقعية. انفتح شيء ما في داخل غراي. غمرته مشاعر الحنان والشوق والدفء التي لم يذقها منذ استيقاظه في هذا العالم، فغمرته تماماً.

عائلة.

هذا الدفء… هذه هي العائلة.

ابتلع غراي ريقه بصعوبة. "م-ماذا يحدث لي…؟"

سألته بهدوء "ماذا تقول؟" "نحن نأتي إلى هنا دائماً لنلعب. أنت وأنا وأخي الكبير… لقد كنا نفعل هذا منذ الأزل."

تجمد اللون الرمادي.

كانت محقة.

تداعت إلى ذهنه شظايا ذكريات، غير مكتملة، ضبابية، أشبه بالأحلام. حقل عشبي. ضحكات. إخوته. أيام قضوها يركضون ويطاردون بعضهم تحت أشعة الشمس. لحظات ظنّ أنه تخيّلها. ذكريات كانت فيها الوجوه ضبابية دائماً.

لكن الآن…

الآن أصبح وجهها واضحاً.

همس غراي "نعم، أنا… أنا أتذكر."

أمالت الفتاة رأسها نحوه، وقد بدا واضحاً أنها تظن أنه يتصرف بغرابة، لكنها لم تضغط عليه. وبدلاً من ذلك وبابتسامة خفيفة، أمسكت بيده وبدأت تجره نحو المدينة البعيدة.

"ماذا… ماذا يحدث؟" تمتم غراي بصوت بالكاد تحمله نسمة الهواء اللطيفة. وقبل لحظات كان غارقاً في أعماق جسده، يفتح العقد الأخيرة ليشكل ثقوب روحه – تركيزه مطلق، ووعيه راسخ. أما الآن، فهو يقف تحت شمس دافئة، على ممر عشبي هادئ كان من المفترض أن يكون موجوداً فقط في أعماق ماضيه.

"هذا المشهد… كان من المفترض أن يكون أحد ذكرياتي. و لكن لماذا أراه الآن؟ لقد انتهى استحواذ الروح. لا ينبغي لي أن أشهد أي شيء آخر." خرجت كلماته بهمس خافت ومرتبك، لكن الفتاة الصغيرة التي كانت تسحبه إلى الأمام التقطت كل مقطع لفظي.

سألته بخفة، ويدها الصغيرة لا تزال ملتفة حول معصمه، تسحبه للأمام بعزيمة بريئة "أخي غراي الكبير، ما الذي تتحدث عنه؟ هل تتحدث عن الزراعة مجدداً؟" لم تلتفت إليه ولو لمرة واحدة وظلت نظرتها مثبتة على الطريق أمامه. ومع ذلك تسلل صوتها الرقيق إلى أذنيه كتموج لطيف على سطح الماء.

عبس غراي بشدة. "هل يمكن أن يكون هذا أثراً جانبياً للتغلب على حالة الاقتراب من التلبس؟" همس بصوت خافت. "ذكرياتي… كانت مشوشة بالفعل بعد تلك الحادثة، لكنني لم أتوقع أن أستيقظ فجأة بداخلها. و هذا غير ممكن. إلا إذا…"

أصدرت الفتاة التي أمامه همهمة خفيفة، قاطعةً أفكاره المتشعبة. "أخي غراي الكبير أنت دائماً تتحدث مع نفسك كثيراً. ألا يمكنك الاستمتاع بلحظة هادئة ولو لمرة واحدة؟"

أثرت شكواها المرحة فيه أكثر من أي صدى روحي. ارتجف قلب غراي، وسرت قشعريرة في عموده الفقري بينما كان صوتها، المألوف جداً ولكنه بعيد بشكل لا يصدق، يتردد صداه في ذهنه.

لم يكن هذا مجرد استعادة لذكرى.

كان يبدو وكأنه حي.

كما لو أن الماضي نفسه كان يمد يده… أو أن شيئاً ما بداخله كان يحاول سحبه إلى الأعماق.

"ما الذي يحدث حقاً؟ هل يمكن أن يكون هذا مرتبطاً باكتشافي؟" تمتم غراي في داخله، والحيرة تتسلل إلى أفكاره مثل نسمة باردة لم يستطع التخلص منها.

لم تمنحه الفتاة الصغيرة فرصة لالتقاط أنفاسه أو استعادة رباطة جأشه. أمسكت يدها الصغيرة بمعصمه وجذبته للأمام بقوة مفاجئة، ساحبة إياه خارج الحقل العشبي الممتد بلا نهاية ونحو المدينة الصغيرة التي تنعم بالسلام على أطرافه.

في اللحظة التي تجاوز فيها غراي الحدود، تحرك شيء ما بداخله.

سرى في روحه شعور غريب، مألوف ومؤلم في آنٍ واحد. شعورٌ أشبه بذكرى تحاول الظهور من تحت مياه كثيفة وعكرة. و لكن قبل أن تتشكل، قبل أن يتمكن من إدراكها، سحبته الفتاة مجدداً، وانطلقت به عبر بوابات المدينة كعاصفة عاتية.

تراقص شعرها الأسود كالفحم بخفة في الريح، ملتقطاً أشعة الشمس مع حركتها. حيث توقف غراي أخيراً عن المقاومة وتركها تقوده، وانجرفت نظراته إلى الأعلى بدافع العادة القديمة.

ها هو ذا.

يد الإله الجبارة… تلوح عالياً فوق العالم، معلقة في السماء كحكم أبدي. وامتد ظلها على المدينة، وعلى الحقول، وعلى قلب غراي. حيث كانت هي السماء نفسها التي يتذكرها من زمن بعيد… أليس كذلك؟

كانت الفتاة تناديه "أخي" بمودة بالغة لدرجة أن أي شخص يراهما سيعتقد أنهما مرتبطان برباط الدم. و لكن مظهرهما كان يحكي قصة مختلفة تماماً.

كان غراي شاحباً، يكاد يبدو هشاً، بجسد نحيل وواهن بدا وكأنه قد مرّ بفصول شتاء لم يُخلق ليتحملها. حيث كانت عيناه الرماديتان باهتتين وغير مركزتين للوهلة الأولى، ولكن لو أمعنت النظر، لوجدت بريقاً حاداً ودقيقاً كامناً فيهما. بريقٌ يوحي بأنه كان دائماً يحسب، دائماً يراقب، دائماً يفكر أكثر مما يتكلم.

لكن الفتاة كانت عكس ذلك تماماً بكل الطرق الممكنة.

كانت مفعمة بالحيوية، وشعرها الأسود كالفحم ينساب خلفها كشلالٍ داكن. و عيناها سوداوان حالكتان، عميقتان قاتمتان لدرجة أنك لو أطلت النظر إليهما، لشعرت وكأن العالم من حولك يتقلص، وينهي في الهاوية التي بدتخلهما. حيث كان حضورها يشع دفئاً وطاقةً وحيويةً عنيدة لم يستطع غراي مجاراتها قط.

باستثناء الشحوب الطفيف في بشرتها الذي يُشبه بشرة غراي لم يكونا متشابهين على الإطلاق. لن يخطر ببال أحد أنهما يشتركان في قطرة دم واحدة.

"إنها ليست أختي البيولوجية." فكر غراي. "لكن بعد كل هذه السنوات التي قضيناها معاً… شعرت حقاً وكأننا أشقاء."

انصرف ذهنه إلى أخيه الأكبر. نفس الشعر الأسمر، وعيون سوداء حالكة العمق لدرجة أنها تثير الدهشة، ونابضة بالحياة للغاية. لا يشبهه على الإطلاق.

فلماذا كان هو الوحيد الذي ولد وكأنه قطعة غريبة في صورة عائلتهم؟

«لا بد أنني أنا… أنا من تم تبنيه» ، استنتج غراي بهدوء. «أو ربما وجدوني في مكان ما و ربما تركني أحدهم و ربما…»

لكن قبل أن يتمكن من إنهاء دوامة الأفكار تلك، ظهر سؤال أكبر وأكثر برودة… سؤال كان أكبر بكثير من أي شيء فكر فيه حتى الآن.

"إذن من أنا؟ من أين أتيت؟"

سقط السؤال في قلبه كالحجر، فأحدث تموجات في كل جزء منه. ومع كل ثانية، اتسعت التموجات وتعمقت وازدادت قتامة.

لم يدرك غراي ذلك إلا في تلك اللحظة بالذات، ولكن دون إذنه، تسللت الحياة لغزاً آخر إلى وجوده المتشابك أصلاً، مما زاد من ضبابية حياته وشكوكها.

وهذا… بدا أكبر من جميع الأنواع الأخرى.

تعليق

Subscribe
Notify of
0 التعليقات
Oldest
Newest
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

لقد اكتشفنا أنك تستخدم إضافات لحجب الإعلانات. يرجى دعمنا بتعطيل هذه الإضافات.

لماذا تظهر لك هذه الرسالة بالرغم من انك لا تستخدم مانع اعلانات؟!

قد تكون تستخدم غي بي ان به خاصية منع الاعلانات.

او قد تكون اعدادات الشبكة تحمل DNS يقوم بحظر الاعلانات.

الحل الامثل استخدام متصفح كروم او اي منصفح لا يملك خاصية منع الاعلانات واذا كانت المشكلة موجودة وانت لا تستخدم اي شئ جرب فتح الموقع بإستخدام في بي ان ولتكن الدولة مثلا امريكا.

ايضا العضوية المدفوعة تمنع ظهور هذه الرسالة وتمنع الاعلانات.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط