الفصل 2129: القرد الخالد يُبدي احترامه
وكما كان الحال في طائفة "الكركي الطائر"، وبعد لقائه بتلميذه من حياته السابقة، المبجل "نيفلانغ"، نال "فانغ باي" قسطاً من الراحة قبل أن يشرع في شرح أسرار فنون الخلود لخالدي "قصر المياه الزرقاء".
ومع ذلك، وعلى النقيض من طائفة "الكركي الطائر"، فإن الخالدين في "قصر المياه الزرقاء" بقيادة المبجل "نيفلانغ" كانوا أتباعاً مباشرين لـ "فانغ باي" وتلاميذ حقيقيين لـ "قصر الإمبراطور"، فكانت آواصر الصلة التي تجمعهم به أوثق وأعمق.
لذلك، لم يدخر "فانغ باي" جهداً في تزويدهم بفيض من المعرفة لتعزيز قواهم في وقت قياسي.
وبينما كان "فانغ باي" يفيض في شرحه للمبجل "نيفلانغ" وبقية الخالدين في القصر، كان المبجل "الكركي الطائر" يصغي هو الآخر باهتمام في مكان قريب.
وفي كل مرة كان "فانغ باي" يفكك فيها طلاسم الفنون الخالدة، كان يأتي برؤى متجددة تسمح بفهمٍ أعمق، مما عاد بنفعٍ عظيم على مسار تدريبهم.
في بادئ الأمر، حين استمع تلاميذ "قصر المياه الزرقاء" لـ "فانغ باي" وهو يشرح أسرار الفنون الخالدة، داخلهم شيء من الريبة، معتقدين أنه أمام خبير بقوة "ملك خالد" مثل سيدهم، ربما يكون قد جاوز قدره أو ادعى ما ليس فيه.
لكن لم يمضِ وقت طويل حتى تعمق "فانغ باي" في شرحه، فاستلب لُبهم تماماً، وغرقوا في بحر كلماته حتى الثمالة، وانغمسوا في حضرة المعرفة بكل كيانهم.
سابقاً، حين كانوا يستمعون إلى معلمهم وهو يشرح تلك الأسرار، كان الأمر يبدو لهم طلسمياً غامضاً، يحتاجون بعده إلى جهد جهيد لتفسيره واستيعابه بأنفسهم.
أولئك الذين حباهم الله بمستوى عالٍ من "الفراسة والإدراك" كانوا يتدبرون أمرهم، أما ذوو الإدراك المحدود، فقد كان التقدم بالنسبة لهم كمن ينحت في الصخر.
أما في هذه اللحظة، فكانت تفسيرات "فانغ باي" بمثابة انقشاع الغمام عن البصائر، مما مكنهم من إلقاء نظرة خاطفة على كنه أسرار "الزراعة" ومبادئ "الداو العظيم"، فغمرهم شعور كأنما يرتشفون من رحيق الخلد، مما ملأ قلوبهم غبطة وسروراً.
أدرك كل من المبجل "الكركي الطائر" والمبجل "نيفلانغ" فضل هذه الفرصة في الاستماع لشرح "فانغ باي"، لذا لم يكتفيا بمجرد الإنصات، بل أوليا الأمر اهتماماً فاق اهتمام سائر الخالدين.
إن جميع تعاليم "قصر المياه الزرقاء" مستقاة في الأصل من حياة "فانغ باي" السابقة، مما جعل كل كلمة ينطق بها تقع موقع القبول والفهم السريع في نفوس التلاميذ هناك.
كما أن المبجل "الكركي الطائر" كان قد طور تقنيات "نظام المياه" وكان دائم التواصل مع "فانغ باي" في الغابر من السنوات، مما جعل تفسيرات الأخير ذات نفع عظيم له هو الآخر.
وبعد انقضاء عدة أيام، أتم "فانغ باي" شرحه، فاستنارت بصيرة كل تلميذ من تلاميذ "قصر المياه الزرقاء"، ودخلوا جميعاً في حالة من التأمل والتدريب العميق في آن واحد.
توجه المبجل "نيفلانغ" إلى "فانغ باي" قائلاً وهو يرمق تلاميذه الجالسين بوقار في وضعية القرفصاء بنظرة ملؤها السعادة: "إن هذه المحاضرة من الأستاذ فرصة نادرة لهم، ولن يمر وقت طويل حتى يحققوا طفرة ملحوظة في قوتهم".
أومأ "فانغ باي" برأسه مؤيداً ثم سأل: "هل تملكون من الموارد ما يكفي لعملية التدريب؟".
فإدراك أسرار فنون الخلود وتوفر موارد التدريب الوفيرة هما ركيزتان لا غنى لإحداهما عن الأخرى لتقدم أي خالد.
كان "فانغ باي" يدرك أنه برغم الإشراق الذي منحه لتلاميذ "قصر المياه الزرقاء"، إلا أنهم لا يزالون بحاجة إلى موارد تدريبية ضخمة لتعينهم على تحقيق الاختراقات المنشودة في مستوياتهم.
بيد أن الوضع كان استثنائياً، إذ من المتوقع أن يتقدم أتباع القصر جميعاً في وقت واحد، مما يتطلب كميات هائلة من الموارد، ولم يكن واثقاً مما إذا كان القصر مهيأً لمثل هذا العبء.
تنهد المبجل "نيفلانغ" بمرارة وقال: "بصراحة، وعلى مر العصور، ولتجنب ملاحقة قوات الإمبراطور الخالد الثامن، ظللت متوارياً في قصر المياه الزرقاء معظم الوقت، ونادراً ما كنت أغامر بالخروج. وفقط في السنوات الأخيرة، ومع انحسار الخطر قليلاً، بدأت أخرج أحياناً للبحث عن موارد التدريب…".
قال "فانغ باي": "إذن، "قصر المياه الزرقاء" لا يملك حالياً أي احتياطيات من موارد الزراعة؟".
أجاب "نيفلانغ" وقد بدا عليه الخجل: "بالفعل، ففي هذه الأيام لا ألقنهم سوى أسرار الفنون الخالدة، وأترك لهم مهمة تدبر موارد التدريب التي يحتاجونها من خلال تجاربهم الخاصة في الخارج… وإني لأشعر بالتقصير في حقي كمعلم لهم!".
طمأنه "فانغ باي" قائلاً: "ليس هذا خطأك!".
ثم نقر بإصبعه خفيفاً وأرسل بضع "خواتم مكانية خالدة" لتستقر أمام المبجل "نيفلانغ"، وأردف بجدية: "تحتوي هذه الخواتم على بعض موارد التدريب التي غنمتها سابقاً. استأثر ببعضها لنفسك ووزع الباقي على تلاميذك. أما بخصوص موارد التدريب المستقبلية، فلا تقلق، سأجد سبيلاً لتوفيرها".
أيقن "نيفلانغ" أن معلمه يمتلك فراسة حادة وبراعة منقطعة النظير في اقتناص الموارد، فتهلل وجهه حماساً، إذ علم أن تلاميذه لن يطول بهم الأمد وهم يشتكون قلة الموارد.
كانت تلك الخواتم المكانية الخالدة التي قدمها "فانغ باي" تحوي كميات مهولة من موارد الزراعة، تكفي للارتقاء الحالي وتضمن استقرار القصر لفترة طويلة.
وخلال الأيام العشرة التالية، رافق كل من المبجل "الكركي الطائر" والمبجل "نيفلانغ" تلاميذ القصر في رحلة تدريبهم.
في تلك الأثناء، انطلق "فانغ باي" بمفرده في رحلة استكشافية بحثاً عن موارد إضافية، ليظفر في النهاية بـ "عرق من أحجار الخلود" في جبل خالد يبعد آلاف الأميال.
وعلى الرغم من أن مخزون ذلك العرق لم يكن فلكياً، إلا أنه كان كافياً لسد احتياجات تلاميذ "قصر المياه الزرقاء" لعشر سنوات قادمة، وهو ما أثلج صدر المبجل "نيفلانغ" أيما إثلاج.
ولمنع المتطفلين من الخالدين الآخرين من العثور على هذا العرق، أنشأ "فانغ باي" "تشكيلاً للتخفي" في ذلك الموضع، ليقصر استخدامه على تلاميذ القصر فحسب في المستقبل.
وفي هذا اليوم، شعر "فانغ باي" باهتزاز طفيف صادر من "تميمة اليشم" المستقرة داخل "خاتم الفراغ خماسي العناصر"، وحين تفحصها بحاسته الإلهية، أدرك أن "القرد الخالد ذو الشعر الذهبي" يحاول التواصل معه.
حقن "فانغ باي" تياراً من طاقة الخلود في التميمة، مرسلاً إشارات تدل على موقعه، موقناً أن القرد لن يتأخر في العثور عليه.
كان ذلك القرد يمتلك "جذراً روحياً ذهبياً فطرياً"، ويتمتع بموهبة فذة وروحانية سامية، وقد بلغ بالفعل مرتبة "المبجل الخالد". وإذا ما تم ضمه تحت لوائهم، فسيكون بمثابة ذخر عظيم لمستقبل "قصر الإمبراطور".
وكما كان متوقعاً، فبعد انقضاء شهر، استشعرت حاسة "فانغ باي" الإلهية قدوم القرد، فخرج برفقة "الكركي الطائر" و"نيفلانغ" لاستقباله.
"ألقد ارتقيت بالفعل؟ يا لها من سرعة مذهلة!".
حين وقع بصر "فانغ باي" على القرد الخالد ذي الشعر الذهبي، وأدرك أنه قد قفز بالفعل إلى المرتبة الثانية من عالم "المبجل الخالد"، لم يتمالك نفسه من إبداء الدهشة والإعجاب.
فبناءً على تقديرات "فانغ باي"، وحتى مع توجيهاته وتدريبات "كتاب المئة معركة السماوي" وتقنيات العصا الأسطورية، كان من المفترض أن يستغرق القرد قرابة ثلاثة أشهر للارتقاء إلى هذا المستوى.
لكنه حقق المعجزة في غضون شهرين فقط.
لقد برهن هذا على أن القرد الخالد ذو الشعر الذهبي هو في جوهره خامة فريدة ونادرة لمسار الزراعة.
جاء القرد، وفياً بوعده، ليبحث عن "فانغ باي" بعد ارتقائه، عاقداً العزم على مبايعته سيداً له وتكريس حياته لخدمته.
وبعد رحلة قصيرة، رأى "فانغ باي" والمبجلان وميضاً ذهبياً يخرق عباب الغيوم والضباب، ويستقر أمامهم بسرعة البرق؛ إنه القرد الخالد ذو الشعر الذهبي بجسده الضخم.
"منذ هذه اللحظة، سيصبح هذا القرد الخالد بمثابة أخيك الأصغر!".
قالها "فانغ باي" بابتسامة، وهو يشير إلى القرد المقترب مخاطباً المبجل "نيفلانغ".
أما "نيفلانغ"، الذي كان يتبع معلمه لاستقبال القرد دون سابق معرفة بهويته أو أصله، فقد تملكه الفضول، قبل أن تسيطر عليه الدهشة التامة عند سماعه كلمات "فانغ باي".