الفصل 508 (4): الفتاة الطيبة
في "محافظة طقوس الهراوة " التابعة لـ "أمة زهرة الجراد "...
عُلِّقتْ إعلاناتٌ عديدةٌ من قِبَلِ الحكومة المحلية والعشائر الثرية بالقرب من أبواب المدينة الحاكمية ، وجميعُها تدعو ذوي البأسِ والقدراتِ العاليةِ إلى قصورهم لإقامة الطقوس. وعادةً ما كانت ذيولُ تلك الإعلاناتِ تَعِدُ بمكافآتٍ سخيةٍ للغاية إلا أنها كانت تَتجنبُ بَحذَرٍ الإفصاحَ عن القيمةِ الحقيقيةِ لتلك المكافآتِ من الفضة.
وقف "تشين بينغ آن " أمام الجدار ، وقرأ الإعلاناتِ بتمعن ، وبدا من ظاهرِ الحال أنَّ الأمورَ كانت في حالةٍ من الفوضى العارمةِ داخلَ المدينةِ وخارجَها.
بعد شراءِ بعضِ المؤنِ الجافةِ وأغراضٍ أخرى داخلَ المدينة ، عثر "تشين بينغ آن " على نُزلٍ ليقضيَ فيه ليلتَه. وحين أقبلَ الظلام ، جلس على حافةِ السقفِ يشربُ نبيذَه في هدوء.
وكما كان متوقعاً ، طارت هيئةٌ بيضاءُ كالثلجِ في أرجاء شوارع المدينة في وقتٍ متأخرٍ من الليل كان تعبيرُ وجهِها مضطرباً ولسانُها مدلىً للخارج. حيث كانت تحومُ بقدميها فوقَ الأرض ، غيرَ أنَّ هالتَها القاتلةَ كانت واهنة ، فكانت تَتجنبُ المنازلَ التي عُلِّقت على أبوابِها رسومُ "حُراسِ الأبواب " سواءً كانت تلك الرسومُ لا تزالُ تحتفظُ بالطاقةِ الروحيةِ أم لا.
أما حُراسُ الليلِ في المحافظة ، فقد استُبدِلوا بشابينِ جريئينِ يتمتعانِ بطاقةِ "يانغ " فياضة ، وقد كافأتْهما الحكومةُ المحليةُ بمكافأةٍ إضافيةٍ ليتمكنا من شراءِ قِدرينِ من النبيذِ كلَّ يوم. حاولت الشبحُ الأنثى التي ترتدي الأبيضَ الاقترابَ منهما عدةَ مرات ، لكنها كانت تُدفَعُ بعيداً على الفورِ بفعلِ طاقةِ "اليانغ " غيرِ المرئيةِ التي تحيطُ بهما بمجردِ اقترابِها.
بعد فشلِها المتكرر لم تملك إلا أنْ تَزفرَ غضباً وتغادرَ إلى وجهةٍ أخرى ، متجهةً نحو منازلِ العائلاتِ الأشدِّ فقراً ؛ حيث كانت تَجرُّ أظافرَها على أبوابِها وجدرانِ ساحاتِها. حيث كان البعضُ يَغطُّ في نومٍ عميقٍ ويُصدرُ شخيراً عالياً ، فلم يلحظوا شيئاً من الضجيجِ الذي أحدثتْه ، بينما استيقظَ آخرون بسهولة ، وراحوا يرتجفون من الرعبِ وهم يستمعون إلى تلك الأصواتِ الغريبةِ حولَ منازلِهم. وهذا ما جعلَ الشبحَ الأنثى تضحكُ في تسلٍ ، مما جعلَ التجربةَ أكثرَ رعباً.
وبمشاهدةِ أنَّ الشبحَ لم تدخُلْ غرفَ الساكنين لتؤذيَ أحداً ، تظاهر "تشين بينغ آن " بأنه لا يرى شيئاً. استلقى على حافةِ السقفِ وربَّعَ ساقيه ، ثم استلَّ مروحتَه الورقيةَ وراح يهزُّها ذهاباً وإياباً بخفة.
من أكثرِ الأمورِ رعباً في سلسلةِ أحداثٍ معينةٍ أن تمتدَّ دون أن يتضحَ أولُها من آخرِها ، ويزدادُ الأمرُ سوءاً إذا كانت بدايةُ هذه السلسلةِ تصلُ إلى السماء ، ونهايتُها تصلُ إلى العالمِ السفلي ، وتتعلقُ بحيواتٍ سابقةٍ ولاحقة ، ومفاهيمَ ضبابيةٍ عن المكانةِ والنظام.
وما هو أكثرُ رعباً من ذلك ؛ تلك الشبكةُ المعقدةُ من الأحداثِ الفرعيةِ التي تتفرعُ عن السلسلةِ الرئيسية ، مما يؤدي إلى سلاسلَ أصغرَ لا حصرَ لها ، وخطوطٍ غيرِ واضحةٍ بين الخيرِ والشر ، فيغدو كلُّ شيءٍ فوضوياً ومتداخلاً. وعندما تَمْتَدُّ سلسلةُ أحداثٍ معينةٍ على هذا النحو ، فيُصبحُ من المستحيلِ التركيزُ بموضوعيةٍ على الحقائق ، ويغدو من الصعبِ التنبؤُ بالمستقبل.
على سبيلِ المثال ، لن يكونَ خطأً بالضرورةِ أن يقتلَ "مزارعٌ " ذلك الشبحَ الأنثى التي تتعمدُ إزعاجَ سكانِ الحاكمة ، وسيكونُ من المنطقيِّ لهم أن يَحصدوا الخيرَ والفضلَ بهذه الطريقة. ولكن ، إذا أمعنَ المرءُ النظر ، هل سيشعرُ البشرُ العاديون في محافظة "طقوس الهراوة " بضرورةِ إعادةِ تقييمِ مفهومِ "الكارما " والأقدارِ المتغيرةِ حين تعتري نفوسَهم أفكارٌ ورغباتٌ شريرةٌ في المستقبل ، وذلك بعد أن أدركوا وجودَ الأشباحِ في العالم ؟
وعلاوةً على ذلك لم تكن الشبحُ الأنثى تُؤذي الناسَ حقيقةً أثناء تجوالِها ليلاً ، فكيف تُقاسُ أفعالُها بين صوابٍ وخطأ ؟ وفي الواقع ، لِمَ أقدمت على الانتحارِ شنقاً في الماضي ، وبأيِّ تعلقٍ قويٍّ جعلَها تتحولُ إلى شبح ؟ وأيَّ مظالمَ قد عانت منها ؟
أغمض "تشين بينغ آن " عينيه ونام حتى الصباح.
أصبحت "الزراعة " الروحيةُ ممكنةً في أيِّ وقتٍ ومكان ، فلم يَعُد يهمُّ كيف يسافرُ "تشين بينغ آن " أو ما مدى سرعةِ تنقُّلِه.
عندما غادر "تشين بينغ آن " المدينةَ صباحاً ، رأى مجموعةً من أربعةِ أشخاصٍ يمزقون بجرأةٍ إعلاناً عُلِّقَ من قِبَلِ الحكومةِ المحلية. وبدا من مظهرِهم أنهم سيستهدفون مباشرةً مجموعةَ الأشباحِ التي احتلتْ بقوةٍ معبداً قريباً.
شعر "تشين بينغ آن " بحيرةٍ طفيفة ، فالذكرانِ والأنثيانِ لم تكن ملابسُهم فاخرةً ، ولم يكونوا يتظاهرون بالفقر ؛ بل كانوا بالفعلِ غيرَ أثرياء. حيث كان أكبرُهم رجلاً في منتصفِ العمرِ عند المستوى الثاني من فنونِ القتال ، والصبيُّ الواقفُ بجانبِه كان على الأرجحِ تلميذَه ؛ إذ يمكنُ اعتبارُ الصبيِّ بالكادِ "ممارساً قتالياً نقياً ". أما الأنثيان ، فبدتا كأختينِ صغيرتينِ بدأتا للتوِّ في صقلِ "التشي " ودخلتا طريقَ "الزراعة " حيث كانت الطاقةُ الروحيةُ في نقاطِ طاقةِ أجسادِهم ضئيلةً للغاية ولا تُذكر.
لقد كشف "تشين بينغ آن " سابقاً عن "مزارعٍ " قويٍّ من "أمة الحلم السعيد " تنكرَ في زيِّ حكواتي ، وكان ذلك بفضلِ الهالةِ غيرِ الملموسةِ التي كانت يبثُّها. ولذا أصبح "تشين بينغ آن " متيقظاً رغم أنَّ الحكواتي كان يتنكرُ كممارسِ تشي من المستوى الثاني. أما هؤلاء ، فقد كانوا يملكون بالفعل قواعدَ "زراعةٍ " متدنية.
قد لا يكونُ من الصعبِ عليهم التعاملُ مع الشبحِ الأنثى التي تحومُ حولَ المدينة ، لكنَّ مجموعةَ الأشباحِ التي تحتلُّ المعبدَ القريبَ كانت بلا شكَّ عظيمةَ العددِ والقوة ؛ فقد تجرأوا علناً على احتلالِ معبدٍ يَحظى بقرابينِ بخورٍ جيدةٍ وطردوا جميعَ الرهبان. ومع وضعِ هذا في الاعتبار ، فمن المفترضِ أنَّ مهمةَ هؤلاء "المزارعين " الأربعةِ في هزيمةِ الأشباحِ ستكونُ صعبةً للغاية ؛ فإذا لم يكونوا حذرين ، ولم يملكوا أوراقاً رابحةً للنجاة ، فقد يحيطُ بهم الأشباحُ ويقتلونهم داخلَ المعبد.
تفكّر "تشين بينغ آن " قليلاً وقرر ألا يغادرَ المدينةَ على الفور بل راح يستمعُ إلى حديثِ الأشخاصِ الأربعةِ الهادئ ، والذين ظنوا أنَّ محادثتَهم سريةٌ تماماً. حيث كانوا يناقشون خططَهم لطحنِ بزاقهِ الذهبِ التي بحوزتِهم وتحويلِها إلى مسحوقِ ذهب.
اقترحت فتاةٌ صغيرةٌ كانت خدودُها حمراءَ بفعلِ بردِ الصباح ، أنَّ الأفضلَ لهم هو استخدامُ سبائكِ الذهبِ الرسميةِ من الحكومة ، وأن يستخدموا أيضاً الإعلانَ الرسميَّ من مكتبِ الحاكمةِ لاستعارةِ بعضِ الأدواتِ المشبعةِ بالبخور من معبد "إله المدينة " ومعبد "العلماء " ومعبد "الحكيم القتالي ". فبذلك سيتمتعون بفرصٍ أكبرَ للنجاحِ ويحسنون من سلامةِ رحلتِهم إلى "دير الجرس الذهبي ".
تذمر الصبيُّ بضيقٍ طفيف ، متسائلاً لِمَ لا يهزمون أرواحَ الثعالبِ والأرانبِ بدلاً من ذلك ؛ فهذا يمثلُ مجموعتَيْن من مكافآتِ المال ، إحداهما من الحكومةِ والأخرى من العشائرِ الكبيرة ، ومن المؤكدِ أنها ستكونُ مهمةً أسهلَ وأكثرَ أماناً.
شرحت الفتاةُ النحيلةُ والأكبرُ سناً ، ذات المظهرِ العادي ، للصبيِّ أنَّ الأشباحَ والأرواحَ في "دير الجرس الذهبي " ستصبحُ أكثرَ يقظةً إذا تعاملوا مع أرواحِ الثعالبِ والأرانبِ أولاً ، مما سيجعلُ تطهيرَ المعبدِ أصعبَ بكثيرٍ في المستقبل.
وبالحكمِ على نبراتِهم الجادةِ ونقاشِهم الوقور لم تكن مجموعةُ "المزارعين " الأربعةِ تشعرُ بأيِّ استرخاء. وهذا يتناقضُ تماماً مع سلوكِ الرجلِ في منتصفِ العمرِ الجريءِ والشجاعِ عندما مزقَ الإعلانَ من جدارِ المدينة.
غادر "تشين بينغ آن " المدينةَ وشقَّ طريقَه إلى "دير الجرس الذهبي " الذي يقعُ على بعدِ خمسةَ عشرَ كيلومتراً.
توقف عند جناحِ استراحةٍ على جانبِ الطريقِ على بعدِ ثلاثةٍ إلى أربعةِ كيلومتراتٍ من الدير ، ليرتاحَ وينتظرَ وصولَ "المزارعين " الأربعة ، حيث كان جدولُ مياهٍ جبليٍّ يتدفقُ بجانبِ الجناح. و انتظر "تشين بينغ آن " حتى الظهيرة ، لِيَصِلَ "المزارعون " الأربعةُ أخيراً.
بدأ "تشين بينغ آن " في شقِّ طريقِه إلى "دير الجرس الذهبي " دون انتظارِ وصولِهم إلى الجناح. حاملاً صندوقَه المصنوعَ من الخيزرانِ على ظهرِه وممسكاً بعصا المشي في يدِه ، تعمدَ إبطاءَ سرعتِه ليظهرَ كطالبٍ هزيلٍ يجدُ صعوبةً في المضيِّ قدماً.
لحق "المزارعون " الأربعةُ بسرعةٍ بالطالبِ الذي يرتدي الأبيض ، وألقى الرجلُ في منتصفِ العمرِ -الذي كان يحملُ إنبوباً كبيراً من أعوادِ البخور- نظرةً عليه أثناء مروره. سرعان ما صرفَ نظرَه ، بينما ابتسم الصبيُّ الذي بدا ساذجاً وبلا تعبير ، مما جعلَ الطالبَ بزيِّه الأبيضِ يبتسمُ أيضاً. و اتسعت ابتسامةُ الصبيِّ أكثر ، ولم يمحُ الابتسامةَ عن وجهِه حتى بعد أن استدار.
قطبت الفتاةُ الأكبرُ سناً حاجبيها لكنها لم تقل شيئاً. أرادت أختُها الصغرى أن تقولَ شيئاً ، لكنَّ الأختَ الكبرى أمسكت بكمِّها وأشارت إليها بعدمِ جلبِ متاعبَ غيرِ ضرورية. لم تتحدثِ الفتاةُ الصغرى ذاتُ الخدودِ الحمراء ، ولكن بعد بضعِ خطوات لم تستطعِ المقاومةَ فاستدارت وسألت بابتسامة "أيها الطالب ، هل أنت متوجهٌ إلى 'دير الجرس الذهبي ' لتقديمِ البخور ؟ ألم تسمعْ أنَّ أحداً في محافظة 'طقوس الهراوة ' بأكملِها لم يَعُد يزورُ المعبد ؟ ومع ذلك لا تزالُ تصرُّ على الزيارة ؟ هل تستعجلُ لتقديمِ أولِ عودِ بخورٍ لهذا اليوم ؟ "
مسح الطالبُ العرقَ عن جبينِه ، وهو يلهثُ بابتسامةٍ وقال "لقد وصلتُ للتوِّ إلى محافظة 'طقوس الهراوة ' ، ولي صديقٌ يعرفُ الرهبانَ في 'دير الجرس الذهبي ' ، وقد قال لي إنه يمكنني طلبُ سكنٍ مؤقتٍ والدراسةِ هناك ، دون الحاجةِ لإنفاقِ عملاتٍ فضية ، والتمتعِ أيضاً ببيئةٍ هادئة. "
كادتِ الفتاةُ الصغرى أن تقولَ شيئاً ، لكنَّ أختَها الكبرى قرصت ذراعَها مما جعلَها تكشرُ من الألم. أدارت الفتاةُ الصغرى رأسَها وقالت بصوتٍ منخفض "أيتها الأختُ الكبرى ، نحن في وضحِ النهار ، ولن تكونَ هناك أشباحٌ أو أرواحٌ من المعبدِ تتسللُ للتجسسِ علينا. و إذا تبعَنا هذا الطالبُ إلى 'دير الجرس الذهبي ' ، فهل ينبغي أن ننقذَه لاحقاً عندما نبدأُ بالقتالِ مع تلك الأشباح ؟ ألا يجعلُ هذا الأمورَ أكثرَ صعوبة ؟ إذا لم ننقذْه ، فإنَّ ضميري سيشعرُ بالضيقِ حتى لو هزمنا أشباحَ المعبدِ وأرواحَه. "
"يجب أن أخبرَه عن الموقفِ وأحذرَه من السعيِ خلفَ موتٍ عبثي. أين لا يستطيعُ الطالبُ القراءةَ والدراسة ؟ ومع ذلك فهو يصرُّ على اقتحامِ معبدٍ تحتله الأشباحُ والأرواح. حقاً ، ما خطبُه ؟ بحظِّه السيئِ هذا ، أظنُّ أنه لا يملكُ أيَّ فرصةٍ ليصبحَ طالباً متفوقاً. "
تنهدت الفتاةُ الأكبرُ سناً ونقرت بقوةٍ على جبينِ أختِها الصغرى بإصبعِها ، قائلة "قولي أقلَّ ما يمكن. و بعد إيقافِ هذا الطالب ، لا يُسمحُ لكِ بالتصرفِ وفقاً لنزواتِكِ خلال رحلتِنا إلى 'دير الجرس الذهبي ' بعد الآن. حيث يجب أن تسمعي كلامي! "
غمرتِ الفرحةُ الفتاةَ الصغرى ، وأبطأت سرعتَها حتى صارت تمشي جنباً إلى جنبٍ مع الطالب ، بينما سارت أختُها الكبرى والممارسانِ القتاليانِ بعيداً في الأمام.
كانت أولُ ملاحظةٍ للفتاةِ الصغرى مثيرةً للاهتمام ، إذ سألت "أيها الطالب ، هل أنت متزوج ؟ ما رأيك في مظهرِ أختي الكبرى ؟ "
ابتسم الطالبُ المسافرُ من منطقةٍ أجنبيةٍ وقال "أرجوكِ لا تمزحي هكذا ، أيتها الآنسة. "
ابتسمتِ الفتاةُ الصغرى بتسلٍّ وقالت "أنا فقط أمزحُ معك. "
ثم وضعت تعبيراً صارماً وأكملت "ومع ذلك ما سأقولُه تالياً ليس مزحة. 'دير الجرس الذهبي ' خطيرٌ للغاية الآن ، وقد ظهرت مجموعةٌ كبيرةٌ من الأشباحِ الشريرةِ فجأةً في ليلةٍ ما واحتلت المعبدَ بعد طردِ جميعِ الرهبان. حتى الرئيسُ الذي كان متبحراً في البوذية قُتِلَ في موقعِه ، وقُتلَ العديدُ من الرهبانِ والمصلينَ الذين لم يتمكنوا من الفرارِ في الوقتِ المناسبِ على يدِ الأشباحِ الشريرة. الأشباحُ التي تحتلُّ المعبدَ تأكلُ الناسَ حقيقةً ، لذا فمن الأفضلِ أن تتجنبَ زيارةَ 'دير الجرس الذهبي '. "
"على أيِّ حال لم يَعُد هناك راهبٌ أصلعُ واحدٌ في المعبد. و أنا لا أحاولُ تخويفَك من أجلِ المتعة ، وإذا كنت لا تصدقني ، يمكنك التحققُ مما قلتُه مع أهلِ المدينة. و إذا كنتُ أكذبُ عليك ، فلن تفعلَ سوى اتخاذِ منعطفٍ بسيطٍ وإضاعةِ قليلٍ من الوقت. ولكن إذا كنتُ أقولُ الحقيقة ، أفن لن تموتَ موتاً عبثياً في بلادٍ غريبة ؟ في هذه الحالة ، كيف ستصبحُ طالباً متميزاً وتجلبُ المجدَ لعشيرتِك ؟ "
سأل الطالب "إذاً ، لِمَ أنتِ ورفاقُكِ الثلاثةُ تتجهون لتقديمِ البخور ؟ "
ضربتِ الفتاةُ الصغيرةُ الأرضَ بقدمِها وصاحت "ألا يمكنك معرفةُ أننا 'مزارعون ' قادرون نسافرُ لنهزمَ الأشباح ؟ "
تعثر الطالبُ للحظةٍ قبل أن يضحك بصوتٍ عالٍ ويقول "منذ متى وُجدت الأشباحُ والشياطينُ في العالم ؟ أرجوكِ لا تكذبي عليَّ ، أيتها الآنسة. "
تبادلتِ الفتاةُ الأكبرُ سناً والرجلُ في منتصفِ العمرِ نظرةً وهزا رأسَيهما ، بينما كتم الصبيُّ ابتسامتَه. وحدها الفتاةُ الصغيرةُ ذاتُ الخدودِ الحمراءِ اللطيفةِ شعرت بالقلق ، وقالت بصوتٍ مذعور "قالت أختي الكبرى إنَّ الطلابَ أمثالَك هم الأصعبُ إقناعاً بمجردِ أن يصروا على شيءٍ ما. و إذا واصلتَ تجاهلَ المخاطر ، فخيارِيَ الوحيدُ هو ضربُك على رأسِك وإلقاؤُك مجدداً داخلَ جناحِ الاستراحة. ومع ذلك هذا خطيرٌ أيضاً خاصةً إذا تجولت شبحٌ أو اثنتانِ ليلاً. ستظلُّ ميتاً إذا تمكنوا من شمِّ رائحتِك. و لقد أصبحتَ 'أوزةً غبية ' من كثرةِ الدراسة ، لذا أسرع وغادر! "
بدا الطالبُ أبلهاً قليلاً وهو يردُّ "لكني جائعٌ للغاية الآن ، ولا أملكُ حقاً ما يكفي من المالِ والطعامِ للسفرِ إلى المدينةِ والعودة. سألقي نظرةً من خارج 'دير الجرس الذهبي ' بعد لحظات ، وسأستديرُ فوراً وأغادرُ إذا كان ما تقولينَه صحيحاً ، ولم يكن هناك حقاً أيُّ مصلين أو رهبان. "
تنهدتِ الفتاةُ بحزنٍ وأسفت "أخبرتني أختي الكبرى أنَّ تلك الأشباحَ قادرةٌ على توجيهِ قدراتٍ غامضةٍ وإطلاقِ موجاتٍ من الهالةِ القاتلةِ وسحبٍ سوداءَ تكفي لحجبِ السماءِ والأرض. كيف ستهربُ حينها ؟ "
نظرت الفتاةُ إلى الأمامِ وصرخت "أختي الكبرى ، دعيني أعيدُ هذه الأوزةَ الغبيةَ إلى المدينةِ أولاً. وإذا ساءت الأمور ، سأركضُ أسرعَ قليلاً وأتأكدُ من وصولي إلى 'دير الجرس الذهبي ' قبل حلولِ الليل. "
كانتِ الفتاةُ الأكبرُ سناً غاضبةً وهي توبخُها "لقد اخترنا الوقتَ مسبقاً ، وكان ذلك لأننا كنا نخشى أن تظهرَ أشباحُ المعبدِ في وضحِ النهار. و من خلالِ الوصولِ مبكراً ، سنتمكنُ من وضعِ المزيدِ من التمائمِ حولَ المعبد. و إذا لم تكوني موجودةً ، فماذا سنفعلُ إذا استطاعتِ الأشباحُ الشريرةُ التحليقَ في السماءِ ومحاصرةَ المعبدِ بأكملِه ؟ ربما تريدين منا أن نجمعَ جثثَنا الثلاثَ عندما تصلين لاحقاً ؟ هل نسيتِ بالفعلِ المشاكلَ التي واجهناها من قبل ؟! "
شعرت الفتاةُ الصغرى بالإحباطِ وخفَّت روحُها وهي تومئُ متفهمة. ثم قالت للطالب "عليك أن تستديرَ وتغادرَ الآن. نحن لا نعرفُ بعضَنا البعض ، على أيِّ حال لذا فمن الطبيعيِّ أنه ليس لديَّ سببٌ لخداعِك من أجلِ المتعةِ والكذبِ عمداً بشأنِ وجودِ الأشباحِ والأرواحِ في 'دير الجرس الذهبي '. "
ومع ذلك أصرَّ الطالبُ بعنادٍ على الذهابِ إلى مدخلِ "دير الجرس الذهبي " ليلقيَ نظرة ، وهذا جعلَ الفتاةَ الصغيرةَ منزعجةً وغاضبةً لدرجةِ أنَّ الدموعَ بدأت تترقرقُ في عينيها. حيث كانتِ الفتاةُ على وشكِ أن تمدَّ يدَها لتصفعَه ؛ فهو يرفضُ حسنَ نيتِها تماماً ، لكنها بالطبع لا تستطيعُ مراقبتَه وهو يسيرُ بقدميهِ نحو موتِه ، أليس كذلك ؟
ومع ذلك تراجعَ الطالبُ "الأوزة الغبية " خطوةً للوراء وحاضرَها قائلاً "أرجوكِ لا تستخدمي القوةَ وتضربيني ، أيتها الآنسة. الشخصُ النبيلُ يجب أن يحلَّ النزاعاتِ بالمنطقِ لا بالعنف! إذا فقدتُ الوعيَ وألقيتِ بي مجدداً من جناحِ الاستراحة ، فماذا ستفعلينَ إذا سرقَ أحدهم صندوقي المصنوعَ من الخيزران ؟ هل ستعوضينني ؟ "
استدارتِ الفتاةُ وسارت بخطىً سريعةٍ نحو أختِها الكبرى ، رافعةً يدَها تمسحُ عينيها بعنف. لم تكن تفهمُ كيف يمكنُ أن يوجدَ مثلُ هذا الشخصِ قاسي القلبِ في العالم. حيث كانت تكادُ تموتُ من الضيق.
ومع ذلك لم تستطعِ المقاومةَ فاستدارت لتنظرَ للخلف ، ولم ترَ سوى الطالبِ "الأوزة الغبية " يتبعُهم حقاً إلى المعبد. ترددت للحظة ، مفكرةً في ما إذا كان ينبغي عليها متفاجأتُه بضربةٍ تُفقدُه الوعي. ومع ذلك كان ذلك الطالبُ "الغبي " غبياً حين يجبُ أن يكونَ ذكياً ، وذكياً حين يجبُ أن يكونَ غبياً ، فتوقفَ فجأةً في مسارِه عندما رأى استدارتَها.
كانتِ الفتاةُ على وشكِ توبيخِه ، لكنَّ أختَها الكبرى كانت قد أمسكت بذراعِها وقالت موبخةً "توقفي عن إضاعةِ الوقت! "
خفضت الفتاةُ رأسَها.
ابتسم "تشين بينغ آن " في داخلِه. وبظاهرِ الحال لقد تسببَ في خيبةِ أملِ شخصٍ طيب.
واصل "تشين بينغ آن " متابعةَ مجموعةِ "المزارعين " الأربعةِ ببطء ، متخلفاً عنهم أكثرَ فأكثرَ مع مرورِ الوقت. أرادتِ الفتاةُ أن تستديرَ مرةً أخرى ، لكنَّ أختَها الكبرى وبختها بغضب "هل ستكونين سعيدةً فقط عندما تفسدين خططَنا وتتسببين في موتِ الجميع ؟ ألا تخشينَ أنه في الواقعِ شبحٌ من تلك المجموعةِ الشريرةِ التي تحتلُّ المعبد ؟ "
قامتِ الفتاةُ أخيراً بمقاومةِ الرغبةِ في الاستدارة. خفضت رأسَها وواصلت السيرَ للأمام ، وهي تركلُ الحجارةَ الصغيرةَ على الطريقِ أثناءَ ذلك. تنهدت أختُها الكبرى بحزنٍ وأسفت "ستعانين في النهايةِ معاناةً كبيرةً بشخصيةٍ كهذه. ألم نشهدْ عدداً كبيراً من الناسِ يفعلون أعمالاً صالحةً لكنهم يواجهون نتائجَ سيئةً خلال رحلتِنا عبر عالمِ 'الزراعة ' ؟ "
ردتِ الفتاةُ بإيماءهٍ ولم تجادلْ أختَها الكبرى.
في الأفق ، استخدم طالبٌ ضجرٌ بزيٍّ أبيضَ عصا المشيِ الخاصةَ به ليعيدَ الحجارةَ الصغيرةَ إلى أماكنِها الأصلية ، مبتسماً بضعفٍ وهو يتمتم "هل هذا هو الحالُ حقاً ؟ "
استدارتِ الفتاةُ سراً ونظرت للخلفِ عندما وصلت مجموعةُ "المزارعين " الأربعةِ بالقربِ من "دير الجرس الذهبي " لكنَّ التعرجاتِ والمنعطفاتِ في الطريقِ الجبليِّ تعني أنها لم تعد تستطيعُ رؤيةَ هيبةِ ذلك الطالبِ العنيدِ بالزيِّ الأبيض.
بعد السيرِ لمسافةِ خمسمائةِ مترٍ أخرى ، انفتحتِ المنطقةُ فجأةً أمامَ "المزارعين " الأربعة. و قالت الفتاةُ الأكبرُ سناً بتعبيرٍ جاد "لقد وصلنا. "
أومأ الرجلُ في منتصفِ العمرِ إقراراً.