الفصل 438 (3): القلب ينساب كالماء
بعد مغادرة بحيرة "لفافة الخيزران " حلق "شون يوان " فوق البحر وانطلق في رحلة عودته إلى قارة "ورقة المظلة " مباشرةً من هناك ، بدلاً من التوجه إلى "مدينة التنين القديم " أولاً.
زار "ليو جيماو " وسيد "جزيرة حبة الدخن " معاً جزيرة "صفصاف القصر " وتوقفا على مسافة تقارب عشرة آلاف الاقدام من الجزيرة. لم يقابل "ليو لاوتشنج " سوى سيد "جزيرة حبة الدخن " بينما أُمر "ليو جيماو " بالانصراف بأسلوب يفتقر إلى أدنى درجات اللياقة.
داخل المبنى الشاهق في "مدينة مياه البركة " كان "تسوي دونغشان " يتسلى بهذا المشهد لدرجة أنه انفجر ضاحكاً وبدأ يتدحرج على الأرض. ولكن ، ما إن خبت ضحكاته حتى عاد التجهم ليغزو وجهه ، وبدأ "يسبح " على الأرض نحو حافة حقل البرق الذهبي قبل أن يطلق تنهيدة يائسة ، نادباً حظه الذي حبس نفسه فيه بسجن من صنعه.
بعد ذلك اعتدل في جلسته وبدأ يرمي أحجاراً على رقعة "الغو " مستخدماً إياها لقياس مقدار المودة التي شعر بها مختلف الناس تجاه "تشين بينغ آن " خلال لقاءاتهم الأولى. حيث كان سعياً عبثياً تماماً ، لكنه كان مضطراً لإيجاد طريقة ترفه عنه وتمرير الوقت.
"تشي جينغتشون ".. رمى "تسوي دونغشان " عشرة أحجار على المصفوفه ، ثم قلب عينيه متنهداً "حسناً ، سأعترف أنك أفضل مني في الحكم على طبائع البشر ". ثم مسح كل الأحجار عن المصفوفه بكمّ ثوبه.
"روح السيف ".. لم يرمِ "تسوي دونغشان " حجراً واحداً ، بل قلب عينيه متذمراً "لا تزال أنت في الصدارة. هل أنت سعيد الآن يا تشي جينغتشون ؟ ". بعد ذلك فقط ، رمى ستة أحجار على المصفوفه قبل أن يمسحها مجدداً.
"العجوز يانغ " حجر واحد. "آ ليانغ " خمسة أحجار. حيث فكر "تسوي دونغشان " للحظة ، ثم أضاف أربعة أحجار أخرى وهو يغمغم لنفسه "هذا لما بعد وصولهم إلى بلدة الشمعة الحمراء ". "زو يو " ثلاثة أحجار. وبالنظر إلى روابطه مع "تشي جينغتشون " منحه "تسوي دونغشان " ثلاثة أحجار إضافية. "وي جين " لا أحجار. "روان تشيونغ " حجران.
راح "تسوي دونغشان " يمر على قائمة كل معارف "تشين بينغ آن " تقريباً واحداً تلو الآخر على المصفوفه ، وفجأة ، انفجر في نوبة غضب عند إدراكه أنه نسي أكثر الأوغاد وضاعة على الإطلاق. "كيف لي أن أنساك أيها العالم العجوز عديم الحياء! أنت أكثر الناس تحيزاً ممن لم أقابل قط! ". التقط جرة كاملة من أحجار "الغو " بكلتا يديه وأفرغها دفعة واحدة على المصفوفه.
في هذه اللحظة بالذات ، قطب حاجبيه قليلاً بينما وضع لفافة الصور جانباً ، ثم أعاد كل الأحجار إلى جرتها قبل أن يهتف "ادخلوا ".
دخل مالكا المبنى ، الزوجان "فان " من "مدينة مياه البركة " ومعهم ابنهما الأحمق "فان يان ". كان "فان يان " منحنياً قليلاً وهو يتبع والديه بخنوع ، ولم تكن في الغرفة أي كراسٍ. كان "تسوي دونغشان " جالساً على الأرض ، لذا لم يكن بوسع الثلاثة البقاء واقفين فوقه ، فلم يكن أمامهم سوى الجلوس قبالته ، بالطبع في وضعية الركوع مع طي أرجلهم تحتهم.
كانت عائلة "فان " في "مدينة مياه البركة " يوماً ما عملاء مزدوجين لكل من إمبراطورية "لي العظيمة " وإمبراطورية "القرمزي المضيء " يبيعون المعلومات ذهاباً وإياباً بين الطرفين. أما عن مصداقية المعلومات التي كانوا يبيعونها ، فكان الأمر يعتمد على ما إذا كان "جناح التموج الأخضر " يقدم لهم تعويضاً أفضل وكان أقدر على ضبطهم ، أو إذا كان هؤلاء الأغبياء من إمبراطورية "القرمزي المضيء " يؤدون عملاً أفضل. تبين أن سيد "جزيرة حبة الدخن " كان أكثر كفاءة بكثير ممن كان مسؤولاً عن شؤون الاستخبارات في إمبراطورية "القرمزي المضيء " وفي النهاية ، اختارت عائلة "فان " إعلان الولاء لإمبراطورية "لي العظيمة " وحدها.
بقي سيد "مدينة مياه البركة " جالساً ، بينما قدمت زوجته التي قيل إنها لم تكن تفعل شيئاً سوى إنفاق المال وتدليل ابنها ، تقريراً مفصلاً ومنظماً لـ "تسوي دونغشان " حول حالة بحيرة "لفافة الخيزران " والتطورات الأخيرة المتعلقة بقوات حدود إمبراطورية "القرمزي المضيء ". ظل "تسوي دونغشان " بلا تعبير طوال الوقت ، ورغم مظهره اليافع لم تجرؤ المرأة على الاستخفاف به على الإطلاق. فقبل رحيل "تسوي تشان " كان قد أخبرها أن تعامل "تسوي دونغشان " كما تعامل وزيراً ذا نفوذ في إحدى وزارات إمبراطورية "لي العظيمة ". وبعد مناقشة الأمر مع زوجها ، استنتج كلاهما أن "تسوي دونغشان " لا بد أن يكون خالداً أرضياً من إمبراطورية "لي العظيمة " أو ابناً أو حفيداً لجنرال ركن على أقل تقدير.
ألقت المرأة نظرة على زوجها ، سيد المدينة ، فنهض على عجل وشق طريقه نحو حافة حقل البرق الذهبي بظهر منحنٍ في تواضع ، ومد كلتا يديه ليقدم رسالة سرية كان قد أعطاها إياه المعلم الإمبراطوري لإمبراطورية "لي العظيمة ". "يا السيد الشاب ، لقد أمرني المعلم الإمبراطوري المبجل بأن أعطيك هذه الرسالة إذا لم تكن قد نزلت من الطابق العلوي بحلول اليوم ".
أومأ "تسوي دونغشان " بيده لجذب الرسالة إلى قبضته ، ثم مزق الغلاف وألقاه عرضاً ، واسودّ تعبير وجهه فوراً عند رؤيته محتوى الرسالة. ذُهل سيد "مدينة مياه البركة " وزوجته لرؤية ذلك ولم يصدقا هذا الاحتقار الصارخ الذي يعامل به "تسوي دونغشان " رسالة سرية من معلم "لي العظيمة " الإمبراطوري. لو نال كلاهما مثل هذا الشرف الرفيع ، لكانوا قد وضعوا الرسالة في إطار وعاملوها كمرسوم إمبراطوري.
على النقيض من ذلك كرمش "تسوي دونغشان " الرسالة في كرة وانفجر في توبيخ غاضب. تقول الرسالة "قلت إنك نسّاء ، وأنا متأكد أنك عارضتني. ماذا عن الآن ؟ لقد كنت أنت من رسم هذه الدائرة ، فهل عارضتك في هذا الأمر ؟ بخروجك من حقل البرق ، ستكون مخالفاً للقواعد ، ولكن ماذا لو اتبعت القواعد ؟ لقد حصرت نفسك في زاوية وحبستها في سجن من صنع يديك. بهذا المعنى ، ما الفرق بينك وبين تشين بينغ آن ؟ تشين بينغ آن عاجز عن تجاوز نفسه ، وبصفتك تلميذه ، فقد ورثت طباعه حقاً. و منذ متى انحدرت إلى الحد الذي تحتاج فيه إلى حقل برق لتتمكن من اتباع القواعد ؟ إذا كنت مثيراً للشفقة إلى هذا الحد ، فبإمكانك أكل رسالتي هذه. وإذا لم يكن ذلك كافياً لملء جوفك ، فاستجدِ عائلة 'فان ' للمزيد ".
وبالفعل ، حشا "تسوي دونغشان " كرة الورق في فمه ومضغها إلى قطع قبل أن يبتلعها. ولدهشته كان طعم ورق "شوان " لذيذاً نوعاً ما.
هز "تسوي دونغشان " رأسه يميناً ويساراً مشيراً إلى "فان يان " الذي كان جالساً خلف والديه ، وطالب "تعال إلى هنا يا فان يان. هل تستمتع بتظاهرك بالأحمق ؟ أخبرني برأيك في ذلك الغبي ، غو كان ". نهض الشاب طويل القامة ، ثم انحنى باحترام قبل أن يتقدم ويجلس بمحاذاة والديه ، اللذين كانا يشعران بوضوح ببعض القلق ، وربما الخوف من ابنهما هذا.
كان "فان يان " يرتدي تعبيراً هادئاً ، ونظر مباشرة إلى "تسوي دونغشان " بلا خوف أو وجل في عينيه ، ثم ابتسم وقال "غوان كان طفل بسيط جداً. فلم يكن عليّ سوى التصرف بغباء وبساطة ، والتظاهر بالتفاني التام لوالديّ ، والاستعداد لتحمل المشاق وقبول الخسائر ، وفي النهاية تمكنت من كسب ثقته. فكنت أنوي بيعه بمجرد أن أصادف من يستطيع دفع ثمنه ، لكن 'ليو لاوتشنج ' انتهى به الأمر بأن كلفني مبلغاً كبيراً من عملة الخالدين ، وليس لدي حتى من أشتكي إليه ".
قال "تسوي دونغشان " بابتسامة "أنت رجل ذكي ". أجاب "فان يان " "للأسف ، تنقصني الحكمة ". سأله "تسوي دونغشان " بابتسامة ساخرة "هل هذا حقاً ما تعتقده ؟ ". تتفاجأ "فان يان " قليلاً بهذا السؤال.
نهض "تسوي دونغشان " ووضع يديه خلف ظهره ، ثم مشى بخطوات واسعة نحو حافة حقل البرق الذهبي قبل أن يطرح "فان يان " أرضاً بركلة. و نظر إلى الشاب الذي سقط على مؤخرته وقال "إذا أردت أن تعلو على الآخرين ، فعليك أن تتحمل ثروة أعظم وتندم على سوء حظ أكبر ممن هم دونك. و إذا كنت ترغب في حياة سهلة ، فإما أن تلعب دور الأحمق أو أن تكون أحمق فعلياً. إلى أي من هاتين الفئتين تنتمي ؟ تأكد من التفكير ملياً في هذا السؤال. و إذا أجابت بشكل خاطئ ، فسيتعين على قصر سيد المدينة ترتيب جنازتك غداً ".
شحب وجه "فان يان " تماماً ، بينما استمر "تسوي دونغشان " في النظر إليه بابتسامة باهتة. وفجأة ، ظهرت ابتسامة على وجه "فان يان " أيضاً ، وتلاشى كل الخوف من عينيه. أمال "تسوي دونغشان " رأسه جانباً وهو يمعن النظر في "فان يان " بنظرة باردة وسأل "لا بد أن ذلك الوغد العجوز قد أخبرك ألا تقلق من قتلي لك ، أليس كذلك ؟ لكن هل تعرف ما الذي يفكر فيه حقاً ؟ إذا لم تستطع استنتاج ذلك وإذا لم تستطع حتى تخمين من أكون ، فمن أعطاك الجرأة لتتحدث معي هكذا ؟ ".
الآن فقط بدأ "فان يان " يشعر بالقلق الحقيقي.
"لقد أصبح من المحسوم أن إمبراطورية 'لي العظيمة ' ستغزو بحيرة 'لفافة الخيزران '. لقد أثبتت المعلومات التي بعتها لنا أنها مفيدة جداً ، وقد قدمت مساهمات كبيرة في الماضي ، لكنك نلت مكافأة عادلة على كل ما فعلته ، لذا فأنت لا تستحق شيئاً. أيضاً ، هل تعتقد حقاً أن 'جناح التموج الأخضر ' غير مدرك للترتيبات الخاصة التي أجريتها مع إمبراطورية 'القرمزي المضيء ' ؟ ما الذي يجعلك تظن أنك فوق المساءلة حتى الآن ، وأنت شخص يمكن الاستغناء عنه تماماً ؟ ".
خطا خارج حقل البرق الذهبي ، واهتز المبنى بأكمله بعنف تحت تأثير هالة "مرحلة الوليد " الخاصة به. سار "تسوي دونغشان " نحو "فان يان " ثم قرّب طرفي إبهامه وسبابته وهو ينظر إليه باحتقار ساخراً "أنا لا أريد حتى سحق قطعة من الحثالة مثلك لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى توسيخ يدي. و من المذهل التفكير في أن وغداً صغيراً مثلك يجرؤ على التذاكي عليّ! ".
ثم التفت نحو مدخل الغرفة وبصق في ذلك الاتجاه وهو يصرخ "أعرف ما تدبره أيها الوغد العجوز! تريد لهذا الصغير أن يستفزني لأفقد أعصابي حتى أقتل ذاك السياف من المرتبة التاسعة التابع لإمبراطورية 'القرمزي المضيء ' من أجلك ، أليس كذلك ؟ ".
في هذه اللحظة كان سيد "مدينة مياه البركة " وزوجته يرتجفان بالفعل من الخوف ، والتفت "تسوي دونغشان " إليهما بتعبير تهديدي قائلاً "يجب أن تخجلا من أنفسكما لأنكما ربيتما قطعة نفايات غير كفؤة كهذه! و لم يفت الأوان بعد لأداء واجبكما كوالدين. و يمكنكما البدء بإعطائه دزينة أو اثنتين من الصفعات. تأكدا من جعلها مدوية وواضحة ، وإلا سأقتلكما أنتما الثلاثة الآن! أليس هناك عرف في بحيرة 'لفافة الخيزران ' بأن العائلات يجب أن تكون معاً ، سواء في هذا العالم أو في الآخرة ؟ من الأفضل ألا تثيروا غضبي أكثر من ذلك لأنني أنا من سيقرر ما إذا كنتم ستبقون معاً في عالم الأحياء أو في الجانب الآخر! ".
دوّى صوت سلسلة من الصفعات القوية في الغرفة ، وكان صوتاً أطرب للسمع من صوت تقعقع أحجار "الغو ". ارتاحت نفس "تسوي دونغشان " أخيراً.
خرج من الغرفة ، ثم سار فوق الدرابزين في الممر بملامح كئيبة وهو يغمغم لنفسه "يا غو كان ، لا بد أنك تعتقد أنك أفضل من الجميع ، أليس كذلك ؟ هل تعرف حقاً مدى قسوة هذا العالم ؟ هل تعرف كيف تمكن 'تشين بينغ آن ' من النجاة حتى يومنا هذا ؟ حتى مع وجود تلك السمكة القزمية بجانبك ، فأنت مقدر لك ألا تصمد طويلاً في بحيرة 'لفافة الخيزران ' ؛ ما الذي يجعلك تظن أنك ستتمكن من الذهاب بعيداً في طريقك هذا ؟ هل علمك 'ليو جيماو ' ذلك ؟ هل علمتك أمك ذلك ؟ هل تعرف كم ضحى معلمي من أجلك ؟ ".
————
في ضوء الغسق الآفل ، تجول "تشين بينغ آن " إلى "مقر الوتر القرمزي " وهو يحمل قارورة نبيذ "كالاموس " التي كانت تقبع في كنزه المصغر طوال هذا الوقت. و خرجت "هونغ سو " من الغرفة الجانبية ولوحت له بابتسامة. ومثل ذلك اليوم ، حين سمع منها قصة حياتها ، جلسا معاً على عتبة الباب. حيث كانت عينا "هونغ سو " تتوهجان بالإعجاب وهي تلتفت إلى "تشين بينغ آن " وتُعلي إبهامها مادحةً "أنت بطل يا سيد تشين! ".
ومضت لمحة من الحزن في عيني "تشين بينغ آن " ولم يستطع أن يكشف لها الحقيقة التي قد تكسر قلبها. فلم يكن العالم يوماً مكاناً بسيطاً ، ولم تكن الصراحة دائماً هي السياسة المثلى. و على الأقل كانت "هونغ سو " تستطيع حالياً أن تعيش حياة هادئة بلا هموم. فهل كان سينفعها معرفة الحقيقة حقاً ؟ ألم يكن ذلك سيجعلها تعيش في خوف كل يوم ؟
تماماً كما كانت الآن ، ظلت "هونغ سو " امرأة طيبة ورحيمة طوال حياتها ، وظنت أن لمحة الحزن في عينيه علامة على إصابته بجروح بليغة خلال معركته المثيرة ضد "ليو لاوتشنج ". لابد أن هذا كان سبب ظهوره أكثر ضعفاً وخمولاً مما كان عليه خلال لقائهما السابق. بالإضافة إلى ذلك في نظرها كان من المنطقي أن يهتم "تشين بينغ آن " بمستقبله ، بالنظر إلى وجود خصم لا يستهان به يقيم حالياً في جزيرة "صفصاف القصر " يراقب باستمرار جزيرة "الوادى السماوي ".
رفع "تشين بينغ آن " قارورة نبيذ "الكالاموس " في يده وهو يرسم ابتسامة قسرية على وجهه وقال "كنت أحفظ هذا النبيذ منذ أن أعطيتني إياه في المرة الماضية. هل لديك أي كؤوس أو أوعية هنا ؟ لنشرب هذا النبيذ معاً ".
أجابت "هونغ سو " بإحراج "ليس لدي سوى وعاء واحد. هل أذهب وأسأل خدم القصر عن بعض الكؤوس ؟ ".
قال "تشين بينغ آن " بابتسامة "لا حاجة لذلك. و يمكنك استخدام الوعاء ، وسأشرب أنا مباشرة من القارورة ".
ظهرت ابتسامة على وجه "هونغ سو " أيضاً ، وهرعت بخطوات خفيفة إلى الغرفة الجانبية المظلمة لتُحضر وعاءً أبيض. وبحلول الوقت الذي جلست فيه مجدداً على العتبة كان "تشين بينغ آن " قد أزال الورق الأصفر عن القارورة وكسر الختم الطيني ، والتفت جانباً ليصب بعض النبيذ لـ "هونغ سو ".
كانت "هونغ سو " تكافح لاحتواء تسليتها ؛ إذ بالكاد كان الوعاء الأبيض يشعرها بأي ثقل. حيث كانت هي من أعطته النبيذ ، ومع ذلك كان بخيلاً جداً ، إذ صب بالكاد أي نبيذ في وعائها. ألقى نظرة عليها ، ثم نظر إلى الوعاء وصب المزيد من النبيذ. لم تستطع "هونغ سو " كبح مرحها لفترة أطول ، ووضعت يدها على فمها ، لكن صوت الضحك كان يتسرب من بين أصابعها. وانفجر "تشين بينغ آن " بالضحك أيضاً ، وفي هذه المرة ، ملأ وعاءها حتى الحافة.
تقوست عينا "هونغ سو " كأهلة هلال من ابتسامتها المشرقة ، وأمسكت الوعاء بكلتا يديها وهي تشرب النبيذ برشفات صغيرة ، بينما أخذ "تشين بينغ آن " رشفة من قارورته. ولم يقل أي منهما شيئاً.
خلال لقائهما السابق ، سألته "هونغ سو " مازحة عما إذا كانت هناك فتاة يحبها ، فاعترف بخجل بأن الأمر كذلك. لم تستطع "هونغ سو " إلا أن تتساءل أين هي تلك الفتاة الآن. بالتأكيد كان قلبها سيتألم من أجله لو رأت مدى وحدته في جزيرة "الوادى السماوي ".
أخذ "تشين بينغ آن " رشفة من النبيذ ، ثم ألقى ببصره بعيداً وسأل بصوت هادئ "هونغ سو ، نحن صديقان ، أليس كذلك ؟ ". أومأت "هونغ سو " برأسها بثبات رداً على ذلك. استمر "تشين بينغ آن " في النظر إلى الأفق ، وبدا الأمر وكأنه يتحدث إلى نفسه حين قال "من الآن فصاعداً ، مهما كان نوع المشاكل التي قد تواجهينها ، لا تخافي. تذكري دائماً أن لديكِ صديقاً هو أنا ".
كانت "هونغ سو " في حيرة من أمرها حول سبب قول "تشين بينغ آن " هذا الكلام الآن ، لكنها كانت سعيدة جداً رغم ذلك. التفتت برأسها جانباً لتختلس نظرة عابرة إليه ، واكتشفت أنه كان يرتدي رداءً قطنياً سميكاً بلون سماوي ليحميه من برد الشتاء المتزايد.