**الفصل 49: جزء الخزف**
بين أكوام الأنقاض كانت أذنا "باي يوان " تتحركان في دقة ، يلتقط أدنى صوتٍ يتردد في الأرجاء. انحنى ببطء وعلى ثغره ابتسامة شيطانية ، ثم التقط قرميدة سقف مكسورة ، وزنها في يده للحظة ، قبل أن ينتصب واقفاً ويقذفها في الهواء. حيث اخترقت القرميدة الجدار والسقف بيسرٍ كأنها سكينٌ يمر في قطعة زبد ، متجهةً صوب المكان الذي سمع فيه "باي يوان " رنين الصوت للتو.
لسوء الحظ لم يفلح في رصد "تشين بينغ آن ". بنقرة من قدمه ، ارتفع جسده الضخم عن الأرض ، واعتلى عارضة خشبية قديمة ، متخذاً منها منصةً لينطلق عبر الفجوة في السقف ويحطَّ على سطحه.
على مسافة بعيدة كان "تشين بينغ آن " يقف فوق سقف آخر ، قوسه الخشبي معلقٌ على كتفيه ، يراقب "باي يوان " بنظرات حذرة.
أدرك "باي يوان " أنه ارتكب خطأً طفيفاً ؛ فقد أحدث جلبةً أكثر من اللازم بتلك القرميدة التي استخدمها كقذيفة. ونتيجة لذلك صار "تشين بينغ آن " على علمٍ بمدى قوة "باي يوان " في القذف ، وتخلى تماماً عن فكرة أن لديه أفضلية في نطاق الهجوم لمجرد امتلاكه قوساً وسهماً.
ابتسم "باي يوان " وبسط يديه ليُري "تشين بينغ آن " أنه لا يحمل شيئاً ، ثم أشار للصبي ، مستفزاً إياه ليخرج ما في جعبته من حيل ، وموحياً له بأنه مستعد لمواصلة لعبة "القط والفأر " هذه.
إن القول بأن "باي يوان " كان يحاول خداع "تشين بينغ آن " سيكون اتهاماً باطلاً. فبفضل قاعدته الضخمة في "الزراعة " وجسده الحقيقي كان "باي يوان " يمثل تجسيداً حياً لقوة الطبيعة المدمرة.
لقد كابد "باي يوان " معارك ومصاعب لا حصر لها في رحلته الشاقة في "الزراعة " لا سيما في المراحل المبكرة من وجود "جبل شمس الحريق " حين لم يكن سوى طائفة صغيرة وضعيفة ، لكنها كسبت من الأعداء أكثر مما ينبغي.
بعد أن قضى مؤسس "جبل شمس الحريق " في المعركة ، أصبح "باي يوان " أقوى محاربي الطائفة ، وخاض نزالاتٍ لا تعد ولا تحصى ضد شتى أنواع المزارعين الأقوياء. وبمعنى ما كانت هذه المعركة فوق الأسطح تشبه إلى حد كبير المعارك التي خاضها في ماضيه.
في ذلك الحين كان كل "المزارعين " ومنقيي "التشي " الذين واجههم يتبعون استراتيجية مهاجمته بكنوزهم من بعيد ، ولم يجرؤ أحدهم على مواجهته في قتال مباشر ؛ تماماً كما لا يجرؤ الفارس الخفيف على الاشتباك مع المشاة الثقلاء ، بل يكتفي باللجوء إلى حرب العصابات ، مستغلاً سرعته وقدرته على المناورة لاستنزاف خصمه تدريجياً.
في هذه اللحظة ، يمكن القول إن "باي يوان " لا يسبقه سوى "سونغ تشانغ جينغ " من حيث درجة القمع الذي يتعرض له من قِبل "داو السماء " في هذا المكان. وبسبب هويته الخاصة ، فإن "الجنرال العسكري " حامل ختم النمر كان "مباركاً " في هذا المكان ، لذا فعلى الرغم من قوته الهائلة لم تكن القيود المفروضة عليه شديدة الوطأة.
ورغم أنه كان يواجه مجرد صبي عادي لم يضع قدمه بعد على عتبة "الزراعة " إلا أن "باي يوان " كان يشعر بمتعة القتال ذاتها التي عهدها منذ سنوات طويلة.
أقر "باي يوان " بأن "تشين بينغ آن " تفاجأه كثيراً حتى الآن ؛ فقد أظهر دهاءً وحيلةً في نصب الأفخاخ ، واستغلال التضاريس ، واللعب على الحالة مختلة لخصمه. وبالطبع كانت أكبر مفاجأه لـ "باي يوان " هي الشجاعة التي يبديها "تشين بينغ آن ".
رفع رأسه ليتأمل السماء ، ليكتشف أن الغسق قد حلَّ. ومنذ هذه اللحظة ، ستتضاءل الرؤية أكثر فأكثر ، وهو غريب تماماً عن جغرافية البلدة. حيث كان هذا على الأرجح أحد المزايا التي يعتمد عليها "تشين بينغ آن " لكنها لن تفيده طويلاً.
مع وضع ذلك في الحسبان ، بدأ "باي يوان " يندفع كحصان جامح ، قاطعاً مسافة مذهلة مع كل خطوة.
في اللحظة التي تحرك فيها "باي يوان " استدار "تشين بينغ آن " للفرار. لم يتجه نحو الشمال عبر سلسلة الأسطح المتصلة ، فـ "شارع الحظ " و "زقاق ورق الخوخ " يقعان في ذلك الاتجاه ، حيث تسكن عائلات البلدة الثرية ؛ وإذا تدخلوا لمساعدة "باي يوان " أيقن "تشين بينغ آن " أنه لن يجد سبيلاً للنجاة.
الجنوب لم يكن خياراً أيضاً حيث يوجد الجسر المغطى ؛ فالتضاريس هناك مكشوفة تماماً ولا مكان للاختباء. وبالنظر إلى تفاوت السرعة بينهما ، أدرك "تشين بينغ آن " أنه يجب أن يعتمد على مكان مليء بالعوائق والمخابئ ليحافظ على سلامته. لذا قرر بسرعة الفرار نحو الغرب.
كان غرب البلدة يضم غابة جبلية كثيفة مليئة بالدروب الوعرة والمخابئ ، بالإضافة إلى عدد كبير من الأفخاخ التي نصبها الصيادون.
صعود الجبل مهمة شاقة ما لم يتبع المرء طريقاً مطروقاً ، وكان "تشين بينغ آن " يدرك ذلك أكثر من أي شخص آخر ، فقد تسلق تلك الجبال مرات لا تحصى في حياته.
ومع أن تفكيره كان صائباً إلا أنه أخطأ في تقدير قدرات "باي يوان ". فبصفته "قرد تحريك الجبال " من "جبل شمس الحريق " كان لدى "باي يوان " فهمٌ أعمق للجبال مما لدى "تشين بينغ آن ".
عندما قفز "تشين بينغ آن " من آخر سطح ليحط على الأرض ، ثنى ركبتيه قليلاً لامتصاص قوة الصدمة ، ثم ألقى نظرة سريعة خلفه قبل أن يواصل الانطلاق بأقصى سرعته.
في هذه اللحظة كان قوسه وجعبة سهامه قد اختفيا تماماً. وبمجرد دخوله الغابة ، إذا ترك الدروب الممهدة وتوغل في الأحراش ، فإن تلك الأدوات ستصبح بالتأكيد عائقاً له.
رأى "باي يوان " أن "تشين بينغ آن " على وشك التسلل إلى الغابة ، فشعر ببعض الضيق. التفت ليلقي نظرة على اتجاه قصر عائلة "لي " في "شارع الحظ " ؛ فلو توغل في الجبل لم يكن ليجزم بأن الأفضلية الجغرافية ستكون لصالحه بالكامل ، لكن الأمر كان سيكون أسهل بالتأكيد من ملاحقة "تشين بينغ آن " داخل البلدة.
بعد تقييم خياراته ، اتخذ "باي يوان " قراره. ثم أخذ "نفساً " عميقاً كان كافياً لإنهاء حياة "تشين بينغ آن " وبدأ وجهه يتلون بتدرجات الأخضر والأرجواني. فجأة ، قفز جسده الضخم دون سابق إنذار ، مما تسبب في انهيار جزء كبير من المنزل الذي يقف تحته في لحظة.
كانت المنطقة الغربية من البلدة يسكنها الفقراء ، لذا كانت المنازل أقل متانة بكثير من تلك التي في "شارع الحظ " ولم يكن هناك أمل أن يصمد المنزل بعد استخدامه كمنصة إقلاع لـ "باي يوان ". والجانب الإيجابي الوحيد في هذا الحظ العاثر هو أن العائلة المكونة من أربعة أفراد التي تسكن المنزل لم تكن بداخله لحظة انهياره.
قفز "باي يوان " عالياً في الهواء ، دافعاً نفسه في مسار قوسي ، وحطَّ بجانب "تشين بينغ آن " مباشرة ، محدثاً فوهتين ضخمتين في الأرض ، مما أدى لتطاير التربة الطرية في كل اتجاه.
مباشرةً بعد ذلك سدد "باي يوان " لكمة إلى ظهر "تشين بينغ آن ".
كان في الظهر نقاط حيوية عديدة ، حيث تتصل المسارات الطاقية والأعضاء الداخلية بالظهر ، وبشكل خاص ، خلف الصدر كان على بُعد بوصات قليلة فقط من القلب ، مما يجعله منطقة ضعيفة للغاية.
بمجرد أن سمع "تشين بينغ آن " الجلبة التي أحدثها هبوط "باي يوان " اندفع إلى الأمام مباشرة ، وبسرعة أكبر مما كان عليه حين استدرج "باي يوان " إلى ذلك السطح المتهالك. حيث كان هذا يشير على الأقل إلى أنه كان يخفي جزءاً من قوته طوال هذا الوقت.
نتيجة لذلك لم تتمكن قبضة "باي يوان " من اختراق ظهر "تشين بينغ آن " لسحق قلبه كما خطط ، بل اكتفت بخدش ظهره في ضربة خاطفة.
رغم ذلك طار "تشين بينغ آن " في الهواء كأنه ضُرب بجذع شجرة مدبب. وما تلا ذلك كان عرضاً مذهلاً لمرونة "تشين بينغ آن " وتناسق حركاته.
كانت الدماء تسيل من زوايا شفتيه جراء تلك الضربة ، وفي اللحظة التي بدت فيها أنه سيسقط بوجهه على الأرض ، مدَّ كلتا يديه وضغط بكفيه على الأرض. ثم ثنى مرفقيه قبل أن يدفعهما بقوة ، مؤدياً شقلبة في الهواء ، وبعد أن حطَّ على قدميه ، استخدم قوة دفعه للأمام ليواصل الفرار بحياته ، دون أن يتباطأ ولو قليلاً.
على الرغم من أن "باي يوان " خاض معارك لا تحصى وواجه خصوماً من كل صنف إلا أنه لم يستطع منع نفسه من الشعور بالضيق أمام صمود "تشين بينغ آن " وتجلده.
رفع يده ليجد أن ظهرها ينزف. لم تكن الإصابة خطيرة ، ولم يلق لها بالاً ، لكن إصراره على قتل "تشين بينغ آن " ازداد حدة.
أما سبب إصابته ، فكان بسيطاً للغاية. عادةً ما يرتدي "تشين بينغ آن " ملابس خفيفة ، لكنه في ذلك اليوم ، ظهر أمام "باي يوان " بملابس أسمك بكثير مما اعتاد عليه. فبالإضافة إلى ملابسه ، ارتدى أحد أثواب "ليو شيان يانغ " القديمة ، والذي كان فضفاضاً عليه. و لقد ارتدى هذه القطعة "الإضافية " لإخفاء شيء ما.
لقد صنع لنفسه درعاً من خشب وخزف ؛ يتكون الدرع من ست ألواح خشبية طويلة ثُقبت وثُبِّتت ببعضها جيداً بحبال عبر تلك الثقوب. حيث كان هناك ثلاثة ألواح أمام صدره ، وثلاثة أخرى على ظهره. والأهم من ذلك أن ذلك الدرع الخشبي البدائي كان مطعماً بشظايا خزفية دقيقة لا حصر لها.
في هذه اللحظة كان "باي يوان " في مزاج سيئ للغاية ، كأنه مسؤول رفيع المستوى داس سهواً على كومة من فضلات الكلاب ، ولا سبيل أمامه لإزالة ذلك القذر من نعل حذائه.
قبض على يديه بقوة وهو واقف في مكانه ، كابحاً طاقته المضطربة ، وتحول لونه من الأرجواني والأخضر إلى الأرجواني والذهبي قبل أن يتلاشى اللون في لحظه. فجأة ، رفع يده ليلتقط شيئاً من الهواء ؛ لقد كانت حجرة صغيرة أُطلقت عليه من مكان ما داخل الأحراش.
أمسك "باي يوان " بالحجر الذي كان بحجم ظفر الإصبع ، وسمع حفيفاً يدل على أن "تشين بينغ آن " يفر أعمق في الغابة. ارتسمت نظرة مظلمة على وجهه وهو يلتفت ليلقي نظرة نحو البلدة ، قلقاً من أن تكون هذه خدعة دبرها "تشين بينغ آن " لاستدراجه بعيداً عن "تاو زي ".
ومع ذلك أخبرته غريزته بأنه يجب أن يقتل "تشين بينغ آن " في أسرع وقت ممكن.
---
في هذه اللحظة ، ظهر ضيف آخر غير مرحب به على غصن شجرة "الجراد الوريث " في "شارع الحظ " التي كانت "تشين بينغ آن " قد تسلقها سابقاً. حيث كان الرجل يجلس على أعلى غصن يمكنه حمل وزنه ، مرتفعاً فوق أسطح قصر عائلة "لي ". وعلى غصن آخر أدنى منه قليلاً ، وقف شخص آخر.
كان الجميع في قصر عائلة "لي " في حالة تأهب قصوى ، لكنهم اضطروا للتظاهر بعدم رؤية الشخصين اللذين ظهرا فجأة فوق شجرة الجراد ؛ فقد كانا لا غيرهما "سونغ تشانغ جينغ " مسؤول الإشراف على الأفران ، وابن أخيه "سونغ جي شين ". كان "سونغ تشانغ جينغ " قد أصعد "سونغ جي شين " إلى الشجرة ، مخبراً إياه بأنهما سيشاهدان عرضاً ممتعاً.
ومع ذلك لم يمتلك "سونغ جي شين " قوة البصر اللازمة للرؤية في الليل ، لذا كان عليه الاكتفاء بالاستماع لـ "سونغ تشانغ جينغ " وهو يصف المطاردة التي جرت ، بدءاً من أسطح "زقاق المزهرية الفخارية ".
كان "سونغ تشانغ جينغ " يسند مرفقه على ركبته ، وذقنه على يده وهو يحدق في الأفق. وبينما كان يصف المطاردة لـ "سونغ جي شين " كان يضيف أحياناً بعض أسرار البلدة الغامضة أو رؤى عابرة حول "الزراعة " كان قد طورها.
"إذا وضعنا كل شيء جانباً وتحدثنا فقط عن القطع الأثرية والكنوز ، فإن تلك المخطوطة السيفية الشهيرة يمكن أن تصنف ضمن الثلاثة الأوائل في البلدة. وإذا مددنا الخط الزمني ونظرنا إلى تاريخ البلدة الممتد لثلاثة آلاف عام ، أقول إنه من المبالغة وضعها في العشرة الأوائل ، لكنها بالتأكيد تستحق مكاناً في العشرين الأوائل. "
"قد يبدو هذا منخفضاً ، لكنه في الواقع مرتفع للغاية ، ناهيك عن ذلك الدرع المصفح. لو كان "ليو شيان يانغ " قد استغل هذين الأمرين بالكامل ، في نظري ، لما كان أقل شأناً منكم الخمسة في المستقبل. "
لم يرفع "سونغ جي شين " رأسه لأن قدم "سونغ تشانغ جينغ " كانت تتدلى فوقه مباشرة ، لكنه سأل بفضول "إذاً لماذا قُتل على يد ذلك القرد العجوز من "جبل شمس الحريق " ؟ "
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه "سونغ تشانغ جينغ " وهو يجيب "لقد جلب الحسد على نفسه بفضل ثروته العظيمة ، ولم يكن لديه ظهير يحميه. هل هذا صعب الفهم ؟ "
ظهرت نظرة حيرة على وجه "سونغ جي شين " وهو يسأل "في هذه الحالة ، لماذا لم تبذل جهداً أكبر لاستمالته عندما كان في "زقاق المزهرية الفخارية " ؟ "
انفجر "سونغ تشانغ جينغ " ضاحكاً ، وبعد أن قهقه طويلاً قال "عندما يتعلق الأمر بهؤلاء العباقرة في "الزراعة "... انسَ الأمر ، لن أشرح ذلك الآن. بمجرد أن تغادر هذه البلدة وتسمع أحد ألقابي ، ستفهم كل شيء. "
فجأة ، نهض "سونغ تشانغ جينغ " على قدميه ونظر إلى الأفق ، وبدت نظرة حادة في عينيه وهو يمسح بلطف على حزام اليشم الذي يرتديه حول خصمه.
كان يرى أنه في أقصى نقطة غرب البلدة ، قد خرق "باي يوان " القواعد ، وبدأت هالته تضطرب بعنف نتيجة لذلك لدرجة أن كل شيء في تلك المنطقة صار في حالة فوضى عارمة ، مثل قطعة خزف تحطمت إلى أجزاء.
تابع "سونغ تشانغ جينغ " "ربما تتساءل لماذا ينظر كل هؤلاء الغرباء إلى أهل البلدة كأنهم ينظرون إلى نمل. هل تعتقد حقاً أن ذلك لأنهم مغرورون ومتغطرسون ؟ وأنهم يظنون أنهم أفضل من الجميع ؟ شخصيتهم مجرد عامل ثانوي ، العامل الأهم هو نشأتهم. لم تغادر البلدة من قبل ، لذا لا تعرف كيف يجلّ الخارجُ هؤلاء "المزارعين ". "
أجاب "سونغ جي شين " "لم أكن أتساءل عن ذلك على الإطلاق. "
لم يتفاجأ "سونغ تشانغ جينغ " بسماع ذلك وتنهد قائلاً "لهذا السبب لا أحب الحديث مع الباحثين. الأمر هو أن هناك خطاً فاصلاً بينك وبينهم. و بالنسبة للبعض ، هذا خط صغير أصغر من خندق ويمكن تجاوزه بسهولة. أنت مثال على هؤلاء الأشخاص ، وأمثلة أخرى هم "ليو شيان يانغ " و "تشاو ياو " الصبي الذي اختارته طائفة "داو " كبيرة خارج البلدة. "
"أما بالنسبة لآخرين ، فهذا الخط يشبه هوة واسعة مستحيلة العبور. و بالنسبة لغالبية أهل هذه البلدة ، هذا الخط هو شيء لن يتمكنوا من تجاوزه مهما حاولوا. الفجوة بين الأشخاص الذين يفصل بينهم هذا الخط هائلة ، أشبه بـ... كائنات حية وجمادات ، أو الفرق بين الحياة وما بعد الموت ، ربما حتى أكثر أهمية من ذلك. "
فجأة توقف "سونغ تشانغ جينغ " هنا لحظة ، وبدت على وجهه علامة دهشة و تبعهتها لمحة من الشماتة وهو يقهقه "يبدو أن ذلك القرد العجوز منحوس قليلاً هذه المرة. ظنَّ أنها ستكون مطاردة سهلة ، لكنه اصطدم بقنفذ صغير ماكر. "
"بدأت أفهمك الآن يا "سونغ جي شين ". أي شخص سيشعر بإحباط شديد أمام خصم كهذا. ما لم تتمكن من قتله بضربة واحدة ، فسيظل يلتصق بك ويسبب لك الإزعاج كالغراء! "
ظهرت نظرة استياء على وجه "سونغ جي شين ".
ليس بعيداً ، اندلعت جلبة صاخبة فجأة في قصر عائلة "لي " حتى زعيم العشيرة اضطر للتدخل. وكما هو متوقع كان لـ "تشين بينغ آن " شريك ، وذلك الشريك لم يكن شخصاً عادياً.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه "سونغ تشانغ جينغ " وحتى عندما اندفع القاتل ماراً بجانبه على شجرة الجراد لم يحاول إيقافه على الإطلاق.
في هذه الأثناء كان "باي يوان " يعود مسرعاً من الغرب ، قافزاً في الهواء مع كل خطوة يخطوها. أما الدمار الذي كان يلحقه بالمنازل والمباني في البلدة مع كل هبوط ، فهو أمر لم يلق له بالاً.
وعندما لمح "سونغ تشانغ جينغ " من بعيد ، بدا أن "باي يوان " قد حدده كهدفٍ ليفري فيه عن غضبه.
قطب "سونغ تشانغ جينغ " حاجبيه قليلاً عند رؤية ذلك وفوراً اندفعت من جسده موجة من روح القتال التي لا تلين. حيث كان معروفاً على نطاق واسع أن لـ "سونغ تشانغ جينغ " ثلاث هوايات في حياته: حصد الأوسمة في ساحات المعارك ، قتل العباقرة ، ومقارعة الآلهة.
في اللحظة التالية ، اتسعت عينا "سونغ جي شين " دهشةً. و قبل أن يدرك ما حدث كان "سونغ تشانغ جينغ " قد نزل إلى "شارع الحظ " وكان يندفع مباشرة نحو "باي يوان " القادم نحوه بأسلوب وحشي.
تبادل الاثنان لكمة ، أصاب كل منهما الآخر في صدره. وبدلاً من التراجع ، تقدم "سونغ تشانغ جينغ " خطوة إلى الأمام ، بينما تراجع "باي يوان " خطوة إلى الخلف. تبادلا لكمة أخرى ، هذه المرة استقرت على منطقة ما بين الحاجبين.
تقدم "سونغ تشانغ جينغ " خطوة أخرى ، وهذه المرة كان هو الوحيد الذي سدد لكمة. و داس بقوة على الأرض ، وثنى ركبتيه قليلاً ، ماداً يده اليسرى للأمام بينما سحب قبضته اليمنى. حيث كانت أثوابه البيضاء الناصعة ترفرف حوله ، بينما كانت ألواح الحجر الأزرق تحت قدميه قد تحطمت تماماً.
وعندما أُطلقت اللكمة لم يكن أمام "باي يوان " خيار سوى مد كفه ليحمي نفسه من قبضة "سونغ تشانغ جينغ ". دوى صوت انفجارين متتاليين ، ودُفع "باي يوان " متراجعاً لأكثر من مئة قدم ، تاركاً خلفه خندقاً واسعاً في شارع الحجر الأزرق.
مسح "سونغ تشانغ جينغ " كمه في الهواء بلطف ، ثم وضع يده خلف ظهره واضعاً الأخرى على حزام اليشم الخاص به ، وتأمل بابتسامة خفيفة "ألا تزال لن تتدخل يا "تشي جينغ تشون " ؟ هل ستترك هذه البلدة لمصيرها ؟ لا تستسلم بعد ، على الأقل اصمد لفترة أطول قليلاً! "
زفر "باي يوان " ببطء ، بينما رفع "سونغ تشانغ جينغ " يده مبتسماً وقال "يمكننا مواصلة هذه المعركة بعد أن نغادر هذا المكان. و في الوقت الحالي و كلينا لديه أمور يجب أن يهتم بها. "
ابتسم "باي يوان " وأجاب "من الأفضل لك أن تهزمني بعد أن نخرج من هنا. وإلا ، فإن قوات إمبراطورية "لي " العظيمة على الحدود الجنوبية لن تمر بأوقات طيبة. "
قال "سونغ تشانغ جينغ " بابتسامة "كما تشاء. "
زفر "باي يوان " ببرود ، ثم دخل قصر عائلة "لي " بمفرده. تبين أن "تاو زي " كانت سليمة تماماً ، ولم يلاحقها أحد. وبعد معرفة التفاصيل الدقيقة لما حدث ، أدرك "باي يوان " أن ذلك لم يكن سوى خدعة لتشتيت انتباهه. وبعد لحظة وجيزة من التأمل ، سافر نحو الغرب مجدداً ، مستعداً للعودة إلى الجبل ومواصلة الصيد.