الفصل 315 (2): الاختراقُ بينما يتصارع الآخرون من أجل الارتقاء
لم يكن في عيني "تشونغ تشيو " في هذه اللحظة سوى الفتى ذي الرداء الأبيض ، فقال "لن يتدخل أحدٌ في نزالنا ، فلتطمئن وتُطلق العنان لكامل قوتك ".
ثم أضاف بعد أن قال ذلك "ومع ذلك إذا تجرأ أحدٌ حقاً على مهاجمتك في الخفاء ، فأنا ، تشونغ تشيو ، سأقاتله حتى الموت بلا ريب ، سواءً أكان دينغ ينغ أم يو تشين يي ".
رفع "تشين بينغ آن " يده ومسح الدم عن زوايا فمه. حيث كان هناك جرحٌ غائرٌ بعمق العظم بالقرب من مرفقه ، كما كان هناك ثقبٌ واسعٌ في كُمِّ ردائه الأبيض كالثلج. حيث كان هذا هو الثمن الذي دفعه مقابل صد ضربة سيف "لو فانغ ". وكانت هذه أيضاً المرة الأولى التي يلحق فيها ضررٌ برداء "النبيذ الذهبي الحلو ".
ورغم أن القدرات الخالدة لهذا الرداء كانت مقيدة في هذا العالم إلا أنه ظل في جوهره رداءً متيناً للغاية. ومن هذا ، يمكن للمرء أن يدرك مدى القوة التدميرية لهجمات سيف "لو فانغ ".
بدأ "تشونغ تشيو " في السير قُدماً بعد أن أنهى حديثه. حيث كانت خطواته تبدو وئيدة ، ومع ذلك كان قادراً بالفعل على قطع سبعة إلى ثمانية أمتار مع كل خطوة. و علاوة على ذلك لم تكن حركاته تشعُّ بأي طاقةٍ غير ضرورية.
كان "تشونغ تشيو " هو المعلم الإمبراطوري لدولة "الحديقة الجنوبية " كما كان خطاطاً ورساماً مشهوراً على نطاقٍ واسع.
كان لزاماً على كل كلمةٍ ينطق بها وكل جملةٍ يلفظها أن تلتزم بالقواعد والمبادئ ، وكان واجباً على كل لكمةٍ أو ركلةٍ يوجهها أن تتماهى مع القوانين.
أولئك الذين في المستوى الرفيع كانوا إما أدباءً متبحرين أو أسياد كباراً في الفنون القتالية. وكان "تشونغ تشيو " يجمع بين هاتين الصفتين.
كان "دينغ ينغ " يزدري جميع فناني القتال في العالم ، لكنه كان يستثني "تشونغ تشيو " ويعامله معاملةً مختلفة. ولذلك أسبابٌ وجيهةٌ بطبيعة الحال.
وقف "تشين بينغ آن " ساكناً ، دون أن يحرك عضلةً واحدة.
ذكّر نهج "تشونغ تشيو " العفوي "تشين بينغ آن " بدخول "دينغ ينغ " إلى القاعة الكبرى لمعبد النهر الأبيض آنذاك.
لم يستطع "تشين بينغ آن " سوى استشعار المكانة الفذة للرجل العجوز في المبنى الخيزراني على جبل "داونترودن " بشكلٍ تقريبي. حيث كانت الفجوة في "زراعة القوة " (تدريب) بينهما شاسعةً جداً ، لذا لم يكن "تشين بينغ آن " قادراً بطبيعة الحال على فهم كنه مكانة ذلك العجوز.
كان "داو " القتال الخاص بجد "كوي تشان " عميقاً للغاية ، ورغم أنه لم يُفسد نمو "تشين بينغ آن " بسبب تدريبه القاسي إلا أن "تشين بينغ آن " كان يحصل على فوائد أقل في كل مرة يرتقي فيها في "تدريبه " بعد وصوله إلى المستوى الرابع.
أما فيما يتعلق بالطاقات الفريدة لـ "دينغ ينغ " و "تشونغ تشيو " حيث بدا وكأنهما في وحدةٍ مع السماوات ، فلم يشعر "تشين بينغ آن " بكثيرٍ من ذلك خلال لقاءاتهما الأولى. و لكنه اكتشف تميزهما ، وأصبح قادراً على التأمل في بعض الأمور بعد لقائه الثاني بهما.
سار "تشونغ تشيو " ببساطة ، دون أن يحمل طاقةً شرسةً أو متغطرسةً مثل "ما شوان " ذي القبضة الوردية ، ولم يكن غامضاً ومكاراً مثل "صاحب الوجه المبتسم " وبالتأكيد لم يكن جسوراً لا يقهر مثل "فنغ تشنج باي ".
هز "تشونغ تشيو " كتفيه بحركةٍ غير محسوسة. حيث كان يرتدي رداءً أزرق ، وكانت حركات كتفيه الغامضة أشبه بالسحب المتدحرجة التي تنزلق عبر صنوبرةٍ عتيقة.
وصلت لكمته إلى أمام "تشين بينغ آن " دون أن تتسرب قطرةٌ واحدةٌ من طاقة القبضة من جسده. لم تكن هناك رياحٌ عاصفة ، ولا دمدمةٌ كالرعد.
كانت لكمة "تشونغ تشيو " غريبةً للغاية ، لدرجة أن "تشين بينغ آن " مر بلحظة ترددٍ نادرة ، غير واثقٍ مما إذا كان ينبغي عليه استخدام "تقنية قرع الإله " لتحقيق نصرٍ سريعٍ وحاسم ، أم استخدام تقنية قبضة دفاعية توازي تقنية من "كتاب السيف القويم ".
لحسن الحظ ، تخلّى "تشين بينغ آن " عن كلا الخيارين وتراجع في الوقت المناسب ، منزلقاً إلى الوراء وهو يرفع ذراعيه غريزياً ليحمي رأسه.
اصطدمت قبضة "تشونغ تشيو " براحة يد "تشين بينغ آن ". ولم تتقدم قبضته أكثر من ذلك.
ومع ذلك أُصيب "تشين بينغ آن " بضربةٍ عنيفةٍ من ظهر يده هو نفسه ، وطار للخلف.
لوى "تشين بينغ آن " جسده ، مما جعل كمَّيْ ردائه الأبيض الواسعين يرقصان في الهواء وهو يهبط على بُعد مترٍ واحد.
وقف "تشونغ تشيو " واضعاً يداً خلف ظهره ، وقال بصوتٍ هادئ "ليس من الجيد أن تتشتت ".
شدَّ "تشين بينغ آن " يده اليسرى وبسطها ، وعندها فقط تمكن من إزالة الشعور بالخدر الذي سرى فيها كما لو كان قد ضُرب بصاعقة.
ابتسم "تشونغ تشيو " وقال "أنت ذكيٌ أكثر مما ينبغي. لولا هجومي الاستكشافي هذا ، لما تجرأت على القول بيقينٍ ما إذا كنت أعسر اليد أم لا. و من المرجح أنك كنت واثقاً من قدرتك على قتل 'لو فانغ ' بلكماتك العشر تلك ، لذا هاجمت عمداً بيدك اليسرى واليمنى ، مستخدماً اليسرى ست مرات واليمنى أربعاً. لعلَّك كنت تستعد للمعركة التالية في ذلك الوقت ؟ ".
ظل "تشين بينغ آن " صامتاً.
لم يعر "تشونغ تشيو " صمت "تشين بينغ آن " اهتماماً ، وتابع "السبب الذي يجعلني أخالف طبيعتي وأثرثر بكل هذا الكلام الفارغ معك هو أن لكمتي لإنقاذ 'لو فانغ ' كانت غير عادلةٍ للغاية. ولهذا السبب كبحت نفسي ولم أوجه ضربةً قاضيةً رغم تردّدك قبل لحظة. ومع ذلك لن أتساهل معك بعد الآن ".
ثم التفت إلى "فنغ تشنج باي " ومن معه وقال "لا يحاولنَّ أحدٌ منكم لمس تلك الفتاة الصغيرة الجالسة على المقعد. وإلا ، فلا تلومنَّ إلا أنفسكم إذا ما أقدمت على قتل الأبرياء دون تمييز... ".
وصل "تشين بينغ آن " خلف "تشونغ تشيو " في لمح البصر ، وسحب ذراعه للخلف قبل أن يلقي لكمةً سريعةً كالسهم نحو مؤخرة رأس "تشونغ تشيو ".
مال "تشونغ تشيو " للأمام ، مما جعل ظهره يتقوس كأنما هو سلسلة جبال. وفي الوقت نفسه كانت ذراعاه كالتنانين السابحة ، إذ ظلَّ ثابتاً في مكانه وتفادى بمهارةٍ لكمة "تشين بينغ آن " القوية.
لم يكن "تشين بينغ آن " يستخدم "تقنية قرع الإله " لذا كانت حركاته مبالغاً فيها وواضحة جداً. ونتيجة لذلك كان من الطبيعي ألا تصيب لكمته سيداً قديراً شديد البراعة مثل "تشونغ تشيو ".
بمجرد أن يتدرب فنان القتال الخالص إلى مستوى عالٍ بما يكفي ، يمكنه تفادي الهجمات بناءً على غريزة الخطر دون الحاجة إلى رؤية الهجوم أو سماعه. وفي الواقع ، يمكنه قتل القتلة حتى وهو في نومه إذا تجرأ أحدهم على الاقتراب من سريره ، ثم يواصل نومه. حيث كان هذا أمراً مرعباً ببساطة.
كان "تشين بينغ آن " قد سدّد لكمةً عاديةً بكل قوته ، بينما وقف "تشونغ تشيو " بثباتٍ كالجبل الراسخ. ونتيجة لذلك كان من الصعب طبيعياً على "تشين بينغ آن " أن يصيب خصمه بنجاح.
وجه "تشونغ تشيو " لكمةً خلفيةً أصابت "تشين بينغ آن " في أضلاعه ، مما جعله يطير للخلف. ومع ذلك تم دفع لكمته الثانية بركلةٍ من "تشين بينغ آن " مما أفقد "تشونغ تشيو " أفضل فرصةٍ لاستغلال تفوقه.
انفصل الاثنان ووقفا ساكنين مرة أخرى.
زمَّ "تشونغ تشيو " شفتيه. فقد اتضح أن المعلم الإمبراطوري لدولة "الحديقة الجنوبية " قد ترك "تشين بينغ آن " يفلت من العقاب مرةً أخرى ، مُعوِّضاً بذلك عن هجومه المباغت للمرة الثانية. وفي الوقت نفسه كان هذا طعماً للفتى.
اندفع الاثنان نحو بعضهما البعض في الوقت نفسه تقريباً.
كانا غالباً ما يحصران تبادلاتهما في مساحةٍ صغيرةٍ للغاية ، مع تفويت هجماتهما لبعضها تماماً أو ضرب بعضهما بطريقةٍ بدت خفيفةً ورشيقة. حيث كان هذا القتال هادئاً بشكلٍ مدهشٍ وبلا ضجيج.
كان ذلك النقيض تماماً لمعركة "تشين بينغ آن " المزلزلة مع "لو فانغ " قبل قليل.
لم يفهم "شو " هذا على الإطلاق.
أما "فنغ تشنج باي " الخالد الذي ينتمي لعالمٍ آخر ، فقد كان حاله أفضل قليلاً ، وذلك لأنه تعامل مع بعض أسياد الفنون القتالية من "قارة ورقة المظلة " من قبل.
إن اللكمة الرائعة حقاً تكون كحجرٍ يُلقى في بحيرة ، حيث تسبب التموجات إصاباتٍ خارجيةً تُتبَع بإصاباتٍ داخلية.
لقد سدّد "تشونغ تشيو " ذات مرة لكمةً واحدةً تسببت في إصابة أستاذ الفنون القتالية معروفٍ بجسده الصلب لدرجة أنه اضطر للبقاء في الفراش لعدة سنوات. وتحت ملابس المقاتل كان جلده أشبه بالخزف المكسور بينما كانت أعضاؤه الداخلية في حالةٍ أسوأ.
شعرت الفتاة الصغيرة النحيلة على المقعد الصغير براحةٍ كبيرة عندما سمعت التحذير الصادر عن الرجل الذي بدا كالمعلم. ارتسمت ابتسامةٌ على وجهها ، وبدأت تُظهر أسنانها وتلوح بذراعيها ، محاكيةً لكمات "تشين بينغ آن " و "تشونغ تشيو ".
تم حسم الفوز الصغير الأول أخيراً.
تم دفع قبضة "تشين بينغ آن " بمرفقٍ قادمٍ من زاويةٍ حادة ، مما أعطى "تشونغ تشيو " الفرصة لدفعه في صدره بضربةٍ من راحة يده. حيث طار "تشين بينغ آن " فوق الخندق المحفور في الأرض واصطدم بالجدار في الجهة المقابلة من الشارع.
خطا "تشونغ تشيو " أيضاً فوق الخندق الذي نحتته طاقة سيف "لو فانغ " في الأرض.
ومع ذلك لم يكن "تشين بينغ آن " عاجزاً مثل المرأة عازفة "البيبا " أو "لو فانغ " فقد هز كتفيه مما تسبب في انهيار الصخور المكسورة من حوله وتساقطها بحفيف. حيث كان على وشك التحرك ، لكن لكمات "تشونغ تشيو " أصبحت فجأةً أسرع من ذي قبل ، مع تلاحق اللكمات في تتابعٍ غاضب. وجه عشر لكماتٍ إلى "تشين بينغ آن " في طرفة عين.
ست لكمات باليد اليسرى وأربع باليمنى.
كان "تشونغ تشيو " يقلد "تقنية قرع الإله " وصولاً إلى عدد اللكمات بكل يد والترتيب الذي أُطلقت به.
ما كان أغرب من ذلك هو أن الجدار المرتفع لم يتحطم حتى بعد أن أنهى "تشونغ تشيو " توجيه لكماته العشر ، بينما ظل "تشين بينغ آن " مغروساً في الجدار.
ومع ذلك لم يبقَ "تشين بينغ آن " هناك ينتظر الهزيمة. حيث كان على درايةٍ تامة بـ "تقنية قرع الإله " وتبادلاته مع "تشونغ تشيو " سمحت له بفهم أنماط هجوم خصمه بشكلٍ تقريبي. وهكذا تمكن من صد أربعٍ من لكمات "تشونغ تشيو " العشر.
بمعنى آخر ، تلقى ست لكماتٍ قوية ، مما تسبب في تسرب الدماء من زوايا فمه. حيث كان هذا واضحاً بشكلٍ خاص في لكمة "تشونغ تشيو " الأخيرة التي جعلت جسد "تشين بينغ آن " يرتد داخل الجدار.
رغم أن هذه كانت المرة الأولى التي يقلد فيها "تشونغ تشيو " "تقنية قرع الإله " إلا أن لكماته ظلت مريحةً ومنظمة. حيث كان على وشك تكرار اللكمات العشر مرةً أخرى ، لكن في هذه اللحظة تراجع فوراً عدة خطواتٍ قبل أن يتراجع مجدداً ، قافزاً إلى الوراء فوق الخندق.
اتضح أن جسد "تشين بينغ آن " قد ارتدَّ للأمام قليلاً في الجدار في اللحظة التي بدت فيها أنه وصل إلى حالة الإرهاق التام. انتصب شعر "تشونغ تشيو " على الفور ولم يحتج للتفكير أو التردد قبل أن يتخلى طواعيةً عن ميزته الكبيرة ويتراجع.
كان "تشونغ تشيو " شديد اليقظة في هذه اللحظة. و لقد استخف بقدرة الفتى على تحمل الألم ، وكان هذا التقدير الخاطئ قد تسبب في أن يعاني معاناةً شديدة.
شعر "تشين بينغ آن " بخيبة أملٍ طفيفة. حيث كان على بُعد شعرةٍ من النجاح في توجيه لكمةٍ باستخدام "تقنية قرع الإله ".
الآن كان قد تحمل لكمات "تشونغ تشيو " العشر بلا طائل.
قفز "تشين بينغ آن " بخفةٍ من الجدار ومشى ببطء نحو الخندق.
لم يتمالك "تشونغ تشيو " نفسه من الضحك.
لقد قلد هو تقنية قبضة "تشين بينغ آن " فهل أصبح "تشين بينغ آن " الآن يقلد طريقته في المشي ؟
لكن "تشونغ تشيو " سرعان ما ضيق عينيه.
لم تكن وضعية القبضة التي ابتكرها لها أي علاقة بأنواع القبضات الأخرى. و بدلاً من ذلك كان يدرب ظهره وكأنه جبل ، وكتفيه وكأنهما ماءٌ جارٍ ، ومرفقيه وكأنهما مناقير نسر ، وأخيراً يديه وقبضتيه ليكمل هذه الوضعية ، مما يسمح له بالضرب بحركةٍ واحدةٍ سلسةٍ وطبيعية.
بمجرد أن يتقن "تشونغ تشيو " هذه الوضعية ويواصل صقلها ، سيصبح كجبلٍ كبيرٍ راسخٍ في الأرض. وبغض النظر عن مدى شراسة أو براعة قبضات وسيوف خصومه ، فإنهم سيظلون يقاتلون جسد "تشونغ تشيو " وروح كيانه بالكامل.
كانت هذه وضعية قبضةٍ أطلق عليها "تشونغ تشيو " سراً اسم "قمة الجبل ". كان فخوراً جداً بهذه الوضعية ، وكان من المرجح جداً ألا يتمكن حتى أسياد الفنون القتالية الخارجية الكبار مثل "شوي يويان " ذي الأذرع الثمانية من فهم جوهرها الحقيقي حتى لو سُمح لهم بالوقوف هناك ومراقبتها مراراً وتكراراً. تقليد شكلها ليس بالأمر الصعب ، لكن تقليد طاقتها مستحيلٌ دون سنواتٍ من الدراسة الدؤوبة!
ومع ذلك أُذهل "تشونغ تشيو " باكتشاف أن "تشين بينغ آن " قد تمكن بالفعل من محاكاة بعضٍ من طاقة وضعية قبضته.
واجه الاثنان بعضهما البعض مرةً أخرى ، ويفصل بينهما الخندق العميق في وسط الشارع.
في مشهدٍ نادر ، أخذ "تشين بينغ آن " نفساً عميقاً قبل أن يخاطب خصمه بفعاليةٍ أثناء القتال ، سائلاً "هل لوضعية قبضتك اسم ؟ "
أومأ "تشونغ تشيو " وأجاب بضحكة "تسمى 'قمة الجبل '. كنت شاباً وطموحاً عندما ابتكرت هذه الوضعية ، وشعرت أنني بالتأكيد أستطيع الوصول إلى قمة العالم إذا واصلت صقلها. و لكنني كنت كسولاً جداً بحيث لم أعدلها في النهاية. و من بين تلاميذي العشرة المباشرين ، معظمهم غير قادرين على أداء هذه الوضعية مثلما فعلت أنت حتى بعد ممارستها لعشرين أو ثلاثين عاماً. وهذا رغم أنك لم تلقِ عليها سوى نظراتٍ عابرة. إنك بحقٍ خالدٌ من عالمٍ آخر ".
ابتسم "تشين بينغ آن " فجأةً وقال "أول تقنية قبضة مارستها كانت تسمى 'قبضة هز الجبل ' ".
ابتسم "تشونغ تشيو " أيضاً وقال "هل وضعية قبضتي لا تقهر كالجبال ، أم ستنجح تقنية قبضتك في هز الجبال ؟ لنُجرِّب! "
تراجع "تشونغ تشيو " خطوةً واحدةً للخلف وثنى ركبتيه قليلاً ، رافعاً يداً واحدةً عالياً مع ثني معصمه قليلاً للأمام كما لو كان يمسك شيئاً في راحة يده. وفي الوقت نفسه ، شدَّ يده الأخرى على شكل قبضةٍ وأراحها أمام جسده.
على الرغم من بقائه ساكناً ، جعلت طاقة "تشونغ تشيو " المتفرجين في الشارع يشعرون بالاختناق كما لو أن مطراً غزيراً على وشك الهطول.
كانت هذه المرة الأولى التي يتخذ فيها "تشونغ تشيو " وضعية قبضته بشكلٍ صحيحٍ وجاد.
كان ذهن "تشين بينغ آن " هادئاً كبركةٍ ساكنة.
لقد تجول لفترةٍ طويلةٍ وهو يحاول العثور على "معبد مراقبة الداو " في عاصمة دولة "الحديقة الجنوبية " وأنفق الكثير من الوقت والجهد لدرجة أنه توقف عن ممارسة تقنيات القبضة والسيف لبعض الوقت.
لقد مرَّ بالعديد من الأشخاص والأمور خلال هذا الوقت ، وبعضها كانت مسائل تافهة لم يكترث لها. ومع ذلك كانت هناك أمورٌ لم يلقِ لها بالاً حينها ، لكنها قدمت له الآن الإلهام خلال قتاله ضد "تشونغ تشيو " مما سمح له بإطلاق ما تراكم لديه من معرفةٍ دفعةً واحدة.
عندما استقر "تشين بينغ آن " لأول مرة في ذلك الفناء كان يمر كثيراً بمدرسة الفنون القتالية مجاورة. ومن باب الملل كان يجلس صامتاً في الظلال بعيداً عن الأنظار ويراقب سراً تدريب أولئك الذين يُسمَّون بفناني القتال—على الأقل هكذا كان يراهم عامة الناس في الشوارع.
كان الشخص الذي يدير المدرسة رجلاً عجوزاً ، وكان جميع تلاميذه يعاملونه كإله. وبصرف النظر عن توقفه عن تعليمهم التأمل في الوقوف ، وحركات القدم ، ووضعيات القبضة كان يسرد أيضاً مآثره العظيمة في عالم "الزراعة " منذ كان شاباً. و لكن في نظر "تشين بينغ آن " كانت تقنيات العجوز سيئةً للغاية.
غادر "تشين بينغ آن " بسرعةٍ في صمتٍ في ذلك الوقت.
وبعد ذلك وبعد عدم نجاحه في العثور على "معبد مراقبة الداو " ذهب "تشين بينغ آن " إلى مدرسة الفنون القتالية مرةً أخرى ، هذه المرة لإراحة ذهنه.
أثناء مراقبة تلاميذه وهم يمارسون التأمل في الوقوف كان "السيد " العجوز يتجول ويداه خلف ظهره ، ويشرح بعض مبادئ الفنون القتالية التي تبدو عميقةً لكنها جوفاء أساساً. و على سبيل المثال ، كيف يمكن لحركة غصنٍ واحد أن تؤدي إلى تمايل مئة غصن ، وكيف أن فناني القتال الداخلي لا يعتمدون على السمع والبصر ، بل يركزون على اكتشاف تدفق الطاقة. عندها فقط يمكن للمرء أن يصل إلى حالة التمكن.
ذكر "السيد " العجوز أيضاً كيف يجب أن تكون الأوتار والعظام مسترخية ، وكيف يجب أن يكون الجلد والشعر حساسين ومفعمين بطاقة "التشي " الروحية. وادعى أن أحدهم شن هجوماً مباغتاً عليه من الخلف ، لكنه اعتمد فقط على غريزته ليدور ويلقي لكمة ، تاركاً المهاجم نصف ميت.
وجد "تشين بينغ آن " هذا مضحكاً جداً ، لكن "السيد " العجوز فعل حينها شيئاً لم يره من قبل.
كانت هذه أيضاً المرة الأولى التي شعر فيها باحترامٍ متزايدٍ تجاه السيد العجوز.
لقد أخبر "السيد " العجوز تلميذاً جديداً—شاباً—أن يقف ساكناً. ثم أمر تلميذين آخرين بإمساك ذراعيه وشدهما. وطُلب من تلميذين آخرين الجثوم على الأرض وإمساك ركبتيه ، لتثبيته. وبعد ذلك بدأ "السيد " العجوز في تقويم عمود تلميذه الفقري.
لم يكن يفعل ذلك بطريقةٍ روتينية ، بل كان يقوم حقاً بتسوية عمود تلميذه الفقري بدءاً من رقبته وصولاً إلى عصعصه. و في عالم الزراعة ، تُسمى هذه العملية "فحص التنين " وهي عمليةٌ لا تفرق بين فناني القتال الداخلي أو الخارجي.
في النهاية ، ضغط "السيد " العجوز فجأةً على عصعص تلميذه بطريقةٍ لطيفةٍ وقوية ، مما جعل التلميذ يرتجف وينتصب شعره كغابةٍ من الأشجار المستقيمة.
تسبب ارتجاف التلميذ الشاب في جعل الأخوين الأكبر سناً اللذين يمسكان ذراعيه يتمايلان ويخطوان خطوةً للأمام. وفي الوقت نفسه تمايل الأخَوان اللذان يمسكان ساقيه قليلاً فقط.
كان "السيد " العجوز محبطاً قليلاً ، لكنه لم يقل شيئاً لتلاميذه.
فقط إذا تم سحب جميع التلاميذ الأربعة الذين يمسكون أطراف التلميذ للأمام ، يمكن اعتبار التلميذ موهبةً في الفنون القتالية. حيث كانت كفاءة التلميذ جيدة ، لكن إمكاناته المستقبلي لن تكون مذهلةً بالتأكيد.
راقب "تشين بينغ آن " هذا باهتمامٍ بالغ في ذلك الوقت ، لكنه لم يفكر فيه بعمقٍ أكبر بعد ذلك.
فقط حتى اليوم ، عندما أُوقف بشكلٍ غامضٍ في هذا الشارع وأُجبر على خوض معركةٍ تلو الأخرى ، محاطاً بالأعداء ومواجهاً موتاً شبه محقق ، أدرك "تشين بينغ آن " الحقيقة فجأة.
قبل قتاله مع "لو فانغ " كان "تشين بينغ آن " قادراً بالفعل على إطلاق وسحب تقنيات قبضته كما يشاء.
ومع ذلك لم تكن حالته الذهنية قادرةً على مواكبة ذلك.
بعد قتاله مع "تشونغ تشيو " تمكن أخيراً من رفع حالته الذهنية إلى المستوى المطلوب.
كان هذا صحيحاً بشكلٍ خاص بعد مراقبة وتعلم وضعية قبضة "تشونغ تشيو ". وبعد تذكر عملية "فحص التنين " طرأت فكرةٌ فجأةً على ذهن "تشين بينغ آن " وجعلته يمشي لا إرادياً إلى الأمام باستخدام تأمل المشي ذي الخطوات الست لـ "قبضة هز الجبل ". لم يعد يقلق بشأن ما إذا كانت نية قبضته قد أُطلقت أو أُخفيت ، وكان يمشي أعلى فأعلى في الهواء قبل أن يعي ذلك.
بعد أن سدد أكثر من مليون لكمة ، خضع عمود "تشين بينغ آن " الفقري تلقائياً لعملية "فحص التنين " واستقام بعد اتخاذه الخطوة الخامسة ، مصدراً صوتاً كفاصولياء تنفجر.
اندفع "تشونغ تشيو " للأمام ، موجهاً لكمةً إلى الفتى الذي كان طاقته تتصاعد بشكلٍ متفجر ، بهدف تحطيمه من السماء بلكمةٍ واحدة!
كان "تشين بينغ آن " يبدو وكأنه يمشي على الريح في هذه اللحظة ، وردَّ بلكمةٍ من عنده.
على بُعد طول ذراع ، ضرب الاثنان بعضهما في الصدر في الوقت نفسه تقريباً.
رفرف رداء "تشونغ تشيو " الأزرق بشكلٍ فوضوي بينما تلاشى من السماء واصطدم بالأرض بدويٍّ عالٍ. ولو نظر المرء إلى عاصمة دولة "الحديقة الجنوبية " من السماء ، لاكتشف خندقاً عميقاً يُنحت في الأرض لأكثر من ستين متراً. حيث تمكن "تشونغ تشيو " أخيراً من إيقاف زخمه للخلف بصعوبةٍ كبيرة ، لكن ساقيه كانتا مغروستين بعمقٍ في الأرض.
لم يصب سوى بجروحٍ طفيفة ، لكنه في النهاية هو الذي خسر.
وفي الوقت نفسه ، وقف الفتى ذو الرداء الأبيض في الطرف الآخر من الخندق العميق ، دون أن يتخذ خطوةً واحدةً للخلف.
بالنظر إلى هذا العالم وحده لم يعد من الممكن اعتبار "تشونغ تشيو " أقوى فنان قتالٍ في العالم.
بدلاً من ذلك كان الفتى الذي يحمل لقب "تشين " هو الذي لا يقهر على مسافة ذراع.