الفصل السادس والعشرون: سجيّةٌ هادئة
كان إعداد الدواء ، كخَيطِ الإبرة ، مهمةً دقيقةً تتطلب حِذقاً ؛ فقد كان "تشين بينغ آن " هادئاً ومنظماً للغاية وهو يصبّ جُلّ تركيزه على قدر الدواء الذي بين يديه ، بينما انبعث من جسده شعورٌ غامضٌ بالسعادة.
في المقابل لم تكن "نينغ ياو " من النوع الصبور ؛ فبعيداً عن ممارسة فنون السيف والمبارزة لم تكن هناك أمورٌ كثيرة تثير اهتمامها. و لقد غادرت منزلها وهي في سنٍّ مبكرة ، وجابت البلاد بمفردها ، ونتيجةً لذلك اضطرت مراراً وتكراراً إلى العيش في بيئاتٍ قاسية.
ولكن بفضل ذلك لم تشعر بأي انزعاجٍ في منزل الفتى العاري والمفتقر إلى كل شيء ؛ فقد اعتادت على المبيت في العراء وقطع المسافات وسط الرياح والأمطار. ومهما بلغ تدلّل المرء في ماضيه ، فإنّ تجارب كهذه كفيلةٌ بجعله أكثر بساطةً وتواضعاً.
سألت "نينغ ياو " "هل أصبحت يدك اليسرى بخير الآن ؟ "
كانت يد "تشين بينغ آن " اليسرى ملفوفةً بشرائط من القماش القطني ، وبينما كان يحمل وعاء الدواء إليها ، أجاب بابتسامة "إنها بخير. و لقد طحنتُ بعض الأعشاب قبل عودتي ووضعتُ العجينة على الجرح. و عندما كنتُ أُصاب بجروحٍ وكدماتٍ أثناء عملي في صناعة الفخار ، كنتُ أستخدم هذا المعجون أيضاً ؛ فقد كان فعّالاً دائماً. و في الواقع ، أخبرني عجوزٌ من متجر عائلة "يانغ " للأدوية بهذه الوصفة السريّة منذ زمنٍ بعيد. "
"ومع ذلك فقد وعدتُه ألا أشارك هذه الوصفة مع أحد. ولأنكِ دائماً في سفرٍ وترحال فقد تكون مفيدةً لكِ. إن أردتِ نسخةً منها ، يمكنني البحث عن ذلك العجوز وطلب إذنه. و لكنني كنتُ في عجلةٍ من أمري عندما ذهبتُ للمتجر اليوم ، فلم أتمكن من رؤيته. و آمل أن يكون قد غاب لفترةٍ قصيرةٍ فحسب. "
بينما كانت الفتاة تشرب دواءها ، تقطب حاجباها النحيلان كحدّ السيف في ضيقٍ ، لكنها أكملت شربه دون تذمّر. وبعد أن أعادت الوعاء إلى الفتى الذي كان ينتظرها تمتمت قائلةً "أيها الأحمق طيب القلب. لا عجب أنك فقيرٌ إلى حدّ السذاجة ؛ فكأنما تستحقُّ أن يُستقوى عليك. "
وقبل أن يتمكن "تشين بينغ آن " من الرد ، أضافت "نينغ ياو " "لا تبالِ بكلامي ؛ فأنا صريحةٌ في حديثي. "
لكنها لم تدرك أن هذا التبرير كان أكثر قسوةً من كلماتها الأولى. أراد "تشين بينغ آن " أن يقول شيئاً ، لكنه لم يستطع منع نفسه من التردد.
مسحت "نينغ ياو " آثار الدواء عن زوايا فمها قبل أن تعتدل في جلستها ، وقالت بنبرةٍ جادة "على الرغم من أن الحكيم الذي يرعى هذا المكان -الذي تسمونه "السيد تشي " في المدرسة الخاصة- يريد مساعدتك على حل هذه المسأله وتمكينك من العيش بسلام إلا أنه عليك أن تدرك أن لكلّ امرئٍ حدًّا لقدراته ؛ وهذا ينطبق حتى على الشيوخ. "
"هذا ناهيك عن أن وضع "السيد تشي " صعبٌ للغاية في هذه اللحظة ، ويبدو كتمثال بوذا من الطين بالكاد يستطيع عبور النهر [1] ؛ فأخشى ألا يتمكن من ضمان سلامتك في المستقبل. أما أنا "نينغ ياو " فمجرد غريبة ، وأنا من النوع الذي يردّ المعروف بمثله ، ولكن إن حدّق بي أحدهم بوعيد ، سأردّ عدوانيته بالشدّة والبطش! "
ردّ المعروف بالمثل ، وردّ العدوان بالبطش ، وتمثال بوذا الطيني الذي بالكاد يعبر النهر...
في تلك اللحظة كانت "نينغ ياو " تشعر بشعورٍ غامرٍ من الفخر ؛ فلتستمعوا إلى كلماتها! ألم تكن مليئةً بالمعرفة والثقافة ؟
لكن من سوء حظها أن جار "تشين بينغ آن " كان طالباً نهماً للقراءة ؛ فكان "سونغ جي شين " يقرأ تعاليم الشيوخ كل صباحٍ ومساء ، وكان يزعم أن هذا جزءٌ من تنمية روحه النبيلة. لذا ورغم أن "تشين بينغ آن " لم يقرأ هذه الكتب قط إلا أنه على الأقل سمعها تُتلى مراراً. وبذلك لم يكن غريباً عن فلسفة هؤلاء الطلاب والعلماء ؛ حتى العبارات العميقة كان يستطيع تخمين معناها تقريباً بناءً على سياق ما قبلها وما بعدها.
حدّقت "نينغ ياو " في "تشين بينغ آن " بتركيز ، آملةً في العثور على لمحةٍ من الدهشة أو الإعجاب أو الحيرة على وجهه. ولكن لخيبة أملها كان تعبير "تشين بينغ آن " مستفزاً ، وكأنه يقول "فهمتُ ، أرجوكِ تابعي. "
شعرت الفتاة بإحباطٍ شديد ؛ فقد تلاشت حماستها كمدّ البحر ، وزفرت قائلةً "ما أحاول قوله هو: بما أنك أنقذت حياتي ، فسأساعدك بطبيعة الحال في القضاء على "فو نان هوا " من "مدينة التنين القديمة " في المستقبل ، أو ربما "ليو تشي ماو " من "بحيرة شوجيان ". ولكن إن أردتَ قتل كليهما لقطع دابر الشر تماماً ، فعليك أن تدفع بعض المال لتدرأ عن نفسك سوء الطالع. فنحن في نهاية المطاف لسنا سوى غريبين جمعهما الصدفة. بعبارةٍ أخرى عليك أن تدفع لي كيساً من العملات النحاسية. "
أشارت الفتاة بسرعة إلى كيس "عملات الربيع " وقالت "على سبيل المثال ، هذا الكيس يروق لي. أما نقوش "عملات القرابين " و "عملات الحظ السعيد " فلا تبدو جيدةً ، وصناعتها لا تناسب ذوقي. "
أمالت "نينغ ياو " ذقنها قليلاً وتابعت "إن كنتَ مستعداً لإضافة كيسَي العملات الآخرين إلى هذا ، فسأساعدك في التعامل مع "مدينة التنين القديمة " و "جبل فجر السحاب " أيضاً. و بالطبع ، يمكنك نسيان كل هذا إن قُتلتُ على يد "ليو تشي ماو " ؛ فقاعدتي في الزراعة منخفضة ، ولم أصل إلا للمرحلة السادسة من مراتب الفنون القتالية التسع ، وجسدي لم يبلغ بعد حالة الكمال. أما بالنسبة لمراتب الزراعة الخمس عشرة ، فقد وصلت فقط إلى "بوابة التنين " في المراتب الوسطى. و لديّ ستة أنماط في أعضائي الحيوية ، لكنني لم أضع اللمسة الأخيرة لأبعث فيها الحياة. "
كان "تشين بينغ آن " مذهولاً تماماً هذه المرة ؛ فلم يكن لديه أدنى فكرة عما تتحدث عنه.
شعرت الفتاة بالخجل والغضب ؛ فقد كانت دائماً تشعر بالحرج من انخفاض قاعدتها في الزراعة ، لكن نظرة "تشين بينغ آن " التائهة كانت كأنها تقول "أيتها الآنسة ، هلا شرحتِ لي هذا ؟ " وهو ما طعنها في مكمن ألمها.
وعندما رأى ملامحها القاتمة ، أدرك "تشين بينغ آن " فوراً خطورة الموقف ، فسارع بالقول "نينغ ياو كانت جروحك بالغة الخطورة قبل لحظات ، فلماذا يبدو أنكِ تعافيتِ تماماً ؟ "
خفضت الفتاة نظرها قليلاً وضمّت ذراعيها إلى صدرها وقالت بصوتٍ أجش "كنتُ على وشك الموت حقاً في ذلك الوقت. لو لم ينقذني "الداوي لو " لكنتُ قد... على أي حال أنا مَدينةٌ لك بجميلٍ كبير ، لذا لا ينبغي لي أن أحاول استغلالك وأنت في مثل هذا الوضع الصعب. ما كان ينبغي لي أن أطلب تلك الأكياس الثلاثة. كيف يمكن لحياتي أن تُقارن بأمثال "ليو تشي ماو " وغيره ؟ لقد كنتُ مخطئة. تظاهر بأنني لم أقل شيئاً. و بعد أن أغادر هذه البلدة الصغيرة ، سأبذل قصارى جهدي للتعامل مع تلك التهديدات من أجلك. و لكن دعني أقول هذا أولاً: أنا أفعل فقط ما في وسعي ، ولن أضحي بنفسي إن أيقنتُ أنني لن أنجح. "
كانت الفتاة تشعر بإحباطٍ شديد في تلك اللحظة ؛ ربما لأنها نادراً ما كانت تحني رأسها وتعتذر للآخرين.
سأل "تشين بينغ آن " "أي كيسٍ هو كيس عملات القرابين ؟ "
أشارت "نينغ ياو " إلى الكيس المزيّن بنقوشٍ ذهبية.
أخرج "تشين بينغ آن " ثلاث عملاتٍ نحاسية وأمسكها في يده ، ثم دفع الأكياس الثلاثة نحو الفتاة ، وقال بابتسامة "ها هي ، خذيها. "
ذهلت "نينغ ياو " وبعد فترةٍ طويلة ، استعادت وعيها وسألت "تشين بينغ آن ، هل سقطت على رأسك وأنت طفل ؟ "
أجاب "تشين بينغ آن " بضيق "لا. و لكنني كنتُ كثيراً ما أتلقى ضربات ذيول الأبقار على رأسي عندما أساعد الآخرين في رعي الماشية. "
اشتعلت "نينغ ياو " غضباً فجأة ، وضربت الطاولة وهي تستجوب "ربما تكنُّ لي مشاعر ؟! "
وقف "تشين بينغ آن " مذهولاً تماماً.
ابتسمت الفتاة بتهكّم ، ورفعت إبهاميها في وجه "تشين بينغ آن " قائلة "ذوقك رفيعٌ جداً! "
ثم لوّحت بإبهامها وأشارت إلى نفسها ، وقالت بتعبيرٍ مرح "لكنني بالطبع لن أوافق. الرجل الذي سأحبه سيكون بالتأكيد أقوى خالدٍ في فنون السيف في العالم بأسره! الأقوى! في العالم كله! خالد سيفٍ عظيم! أسلاف الداو وبوذا ؟ كونفوشيوس العظيم ؟ حين يقفون أمام سيفه ، لن يكون أمامهم خيارٌ سوى خفض رؤوسهم والتنحي جانباً! "
احمرّ وجه "تشين بينغ آن " خجلاً ، وحكّ رأسه قائلاً "نينغ ياو ، أعتقد أنكِ أسأتِ الفهم. لم أقل أبداً أنني معجبٌ بكِ... "
رفعت "نينغ ياو " حاجباً ، وتأملت قليلاً قبل أن تميل إلى الأمام وتضيّق عينها ، رافعةً يدها لتجعل إبهامها وسبابتها على بُعد بوصةٍ واحدة. سألت بصوتٍ متردد "ولا حتى بمقدار هذا ؟ "
أجاب "تشين بينغ آن " بحزمٍ وثبات "لا! أرجوكِ اطمئني! "
تنهدت "نينغ ياو " بعمق وهي تسحب يدها ، وقالت بنبرةٍ متعاطفة "تشين بينغ آن حتى لو حالفك الحظ ووجدتَ زوجةً في المستقبل ، فمن المرجح أن تكون امرأةً مشتتة الذهن. "
جلس "تشين بينغ آن " مقابلها ، وابتسم بسعادةٍ قائلاً "سأكون سعيداً ما دامت إنسانةً طيبة. "
لم تعلّق "نينغ ياو " على هذا.
بعض الناس يتخبطون في الحياة وينتظرون الموت ، بينما يكتفي آخرون بالقليل من الرخاء. وفي الوقت نفسه ، هناك من هم طموحون للغاية ويطمحون لبلوغ آفاقٍ لا يمكن تصورها. حيث تماماً كما قالت والدتها ، يختلف الناس في أقدارهم ومصائرهم ، وليس بالضرورة أن يكون هناك قدرٌ أفضل من الآخر.
ومع ذلك كان لوالدها وجهات نظرٍ مختلفة في هذا الشأن ؛ فبينما لا ينبغي للمرء أن يحاول الحصول بالقوة على ما لم يكتبه القدر له ، فهذا لا يعني ألّا يسعى لتحقيقه على الإطلاق. ما زال المرء بحاجةٍ للحفاظ على طموحه. وإن فشل في الحصول على ما يصبو إليه ، فذلك حديثٌ آخر.
بالطبع لم يجرؤ والدها على التفوه بهذه الكلمات أمام والدتها.
سأل "تشين بينغ آن " عرضاً "نينغ ياو ، هل أتيتِ إلى بلدتنا الصغيرة لتبحثي عن فرصةٍ مقدّرة ؟ "
لم تحاول الفتاة إخفاء أي شيء ، فأجابت "لم أستطع الحصول على فرصة لدخول هذه البلدة إلا بعد استنفاد كل مدخراتي واستغلال معروفٍ كان لي عند الآخرين. و لكنني لستُ كغيري ؛ فأنا لا أبحث عن فرصةٍ مقدّرة أو ما شابه ، بل أريد فقط أن أطلب من أحدهم صياغة سيفٍ لي. سيكون من الأفضل لو كان سيفاً يتردد صداه مع مُثُلي العليا. أما كونه حادًّا أم لا ، وما إذا كان يمكنه حمل طاقة سيفٍ لا حدود لها أم لا ، فكل ذلك ثانوي. "
تساءل "تشين بينغ آن " بحيرة "صياغة سيف ؟ "
"نعم ، أريد أن أطلب من الحداد "السيد روان " أن يصيغ لي سيفاً. و لديه سمعةٌ كبيرة في هذه البلدة ، وله قاعدةٌ حديدية لا يكسرها أبداً ؛ وهي أنه لا يصيغ سوى سيفٍ واحد كل ثلاثين عاماً. و في الواقع لم يأتِ إلى هنا ليحل محل "تشي جينغ تشون " إلا لأنه شعر أن البيئة هنا مناسبةٌ تماماً لصياغة السيوف. أريد أن أجرب حظي وأرى ما إذا كان مستعداً لصياغة سيفٍ لي. وإن لم ينجح الأمر حقاً ، فلا مفرّ من القبول بالأمر الواقع ، وسأعتبره سوء طالع فحسب. "
ابتسم "تشين بينغ آن " وقال "الناس الطيبون سينالون دائماً ثمار طيبتهم. "
قالت "نينغ ياو " بضعف "لا أعرف حقاً كيف أرد على هذا. "
ثم نظرت إلى الفتى وسألت "يدُك اليسرى لا تؤلمك بعد الآن ؟ "
ارتبك "تشين بينغ آن " لسماع ذلك "إنها تؤلمني! "
سألت بنبرةٍ مشككة "إذاً لماذا لا تبدو وكأنك تتألم ؟ "
أجاب "تشين بينغ آن " ببساطة "حتى لو تلوّيتُ وصرختُ ، فإن ألمي لن يزول ، أليس كذلك ؟ "
صفعت "نينغ ياو " جبينها "لا أعرف حقاً كيف أتعامل معك. أنت تماماً مثل والدي. ومع ذلك أنت أضعف منه بكثيرٍ جداً. "
ردّ "تشين بينغ آن " بابتسامة ، وظل صامتاً وهو ينظر إلى الفناء أمام منزله.
دفعت "نينغ ياو " أكياس العملات النحاسية الثلاث نحوه قائلة "لا أريدها. "
سحب "تشين بينغ آن " نظره قائلاً بنبرةٍ هادئة "نينغ ياو ، هل فكرتِ في أن احتفاظي بها قد يكون شيئاً سيئاً ؟ بعد رؤية السيد "تشي " أصبحتُ أكثر يقيناً بهذا. "
لم تكن "نينغ ياو " من النوع الذي يغيّر قراره بسهولة ، فاومأت وقالت "هذا أمرٌ يجب أن تقلق بشأنه أنت. لا علاقة لي به. و لقد اتخذتُ قراري بالفعل ؛ سأردّ لك بالتأكيد جميل إنقاذ حياتي في المستقبل. ولن أردّه بشكلٍ ناقص. عليّ أن أكون عند حسن ظن اسمي وسمعتي! لكن عليك أن تعتني بنفسك في هذه الأثناء أيضاً. لا تذهب وتلقَ حتفك عرضاً. ما دمتَ قادراً على تجاوز هذه الفترة... "
قاطعها الفتى الوديع لأول مرة قائلاً "نينغ ياو ، لقد كان "الداوي لو " هو من أنقذك ، فلا داعي لأن تشعري بأنكِ مَدينةٌ لي بشيء. لو لم أكن أظن أنني سأموت في ذلك الوقت ، ولو لم أرغب في طلب شيءٍ من "الداوي لو " لأجل والديّ ، لما كنتُ فتحتُ الباب بالتأكيد. "
زفرت الفتاة قائلة "تلك مشكلتك الخاصة! "
ابتسم الفتى وكرر ردها "حسناً ، إذاً تلك مشكلتكِ أنتِ. "
حدّق كلاهما في الآخر.
بشكلٍ مفاجئ ، تراجعت "نينغ ياو " أولاً ، وقالت وهي تشعر بصداع "لنفترض أنك معجبٌ بي حقاً... لكنني لا أستطيع تقبل مشاعرك! "
وضع "تشين بينغ آن " رأسه بين يديه ؛ فمع مثل هذه الفتاة العنيدة والغريبة لم يعرف حقاً ما الذي يجب عليه فعله.
في هذه اللحظة ، تسلق أحدهم الجدار ودخل الفناء. لم تكن هناك حاجة للتخمين ؛ فـ "ليو شيان يانغ " هو الوحيد الذي قد يفعل شيئاً كهذا. ركض نحو الباب وكان على وشك النداء ، لكنه فجأة ابتلع كلماته وكأنه يختنق.
سارع "تشين بينغ آن " بالوقوف ومشى بجانب "ليو شيان يانغ " هامساً "هل يمكنني البقاء في منزلك لليومين المقبلين ؟ هذه الشابة ستبقى في منزلي. "
دفع "ليو شيان يانغ " رأس "تشين بينغ آن " جانباً. ثم فرك يديه كذبابةٍ تفرك أطرافها ، وقال بنبرةٍ مراعية "أيتها الآنسة ، منزلي أكبر ، وفيه ضرورياتٌ أكثر. إن لم تمانعي ، لِمَ لا تبقين في منزلي ؟ "
قالت الفتاة وهي توليهما ظهرها "أنا أمانع. "
عبس "ليو شيان يانغ " عند سماع ذلك. ونظراً إلى قوامها النحيل وسيفها ، واصل الإلحاح قائلاً "أيتها الآنسة ، قد لا تعلمين ، لكنني حوصرتُ من قبل شخصين عند الجسر المغطى للتو. حيث كانا ينتحبان ويتوسلان إليّ لأبيع لهما كنوز أجدادي. ومع ذلك رفضت. ومع ذلك ما زالان يضايقانني ، وكاد "السيد روان " يوبخني حتى الموت. و من مظهرك ، يبدو أنكِ أيضاً غريبة أتت إلى هنا لتجربة حظها. وعلى الرغم من أنني قد لا أبيع تلك الكنوز لكِ بالضرورة ، فمن المؤكد أنه لا توجد مشكلة في أن أريها لكِ وأسمح لكِ بتوسيع آفاقك. "
ردت "نينغ ياو " بصوتٍ ما زال بارداً "لا حاجة لذلك. "
جلس "ليو شيان يانغ " في مكان "تشين بينغ آن " الأصلي. أشرقت عيناه عندما رأى مظهر الفتاة ، وقال "أيتها الآنسة ، لماذا كل هذا البرود ؟ يمكنني أنا و "تشين بينغ آن " أن نحشر أنفسنا في هذا المنزل المتهالك. و يمكنكِ الذهاب إلى منزلي الأكبر ، ولن تشعري بالضيق هناك أبداً. لن تشعري بأنه لا توجد مساحة حتى لوضع يديكِ وقدميكِ. "
أصبح تعبير "نينغ ياو " صارماً وهي ترد "شكراً لكِ على حسن نواياك. و يمكنك الذهاب واللعب بعيداً الآن! "
لم يشعر "ليو شيان يانغ " بالحرج على الإطلاق. بل وقف وقال "فهمت! سواء كان كوخاً من ذهب أو من فضة ، لا شيء يضاهي كوخ المرء الخاص به. مفهوم ، مفهوم. "
سحب "ليو شيان يانغ " "تشين بينغ آن " إلى الباب ، وغمزه قائلاً "ما الذي يجري ؟ "
أجاب "تشين بينغ آن " "من الصعب الشرح في بضع كلمات. فقط قل لي ، هل يمكنني البقاء في منزلك أم لا ؟ "
قلّب "ليو شيان يانغ " عينيه "بالطبع يمكنك! لكن يجب أن تعدني بأن تبقي عينيك على "تشي غوي " من أجلي. لا يمكنك بالتأكيد السماح لذلك المزعج "سونغ جي شين " بتدنيسها قسراً. حيث يجب أن تحمي عفة زوجتي المستقبلية! "
أجاب "تشين بينغ آن " دون تردد "في أحلامك! "
ربت "ليو شيان يانغ " على كتف "تشين بينغ آن " وقال بنبرةٍ ذات مغزى "سأعتبر ذلك موافقة. "
التفتت الفتاة بملابسها السوداء فجأة وقالت "هل تعلم أن لديك استعداداً طبيعياً للمبارزة بالسيف ؟ من المرجح أن مشتري الخزف لم يأخذوك خارج البلدة الصغيرة عندما كنت في التاسعة لأنهم أرادوا منك امتصاص المزيد من الطاقة الروحية لهذا المكان. و لقد اتخذوا القرار الصحيح. لذا عندما تعمل مع "السيد روان " يجب عليك بالتأكيد اغتنام الفرصة لتصبح تلميذه. تذكر ، يجب أن تصبح على الأقل تلميذاً داخلياً ، ومن الأفضل أن تصبح تلميذاً مباشراً. أما بالنسبة لما هو أعظم من ذلك فلا حاجة لأن تحلم بعيداً. فجسدك واستعدادك لم يصلا بعد إلى مثل هذا المستوى المذهل. "
ابتسم "ليو شيان يانغ " وأومأ بجدية ، موافقاً على ما قالته الفتاة. ثم التفت لمواجهة "تشين بينغ آن " مشيراً إلى "نينغ ياو " ثم إلى رأسه.
قال "تشين بينغ آن " "إنها تقول الحقيقة. لا تتجاهل ذلك. "
أصبح "ليو شيان يانغ " جدياً ، وقال بصوتٍ منخفض "أشعر أن هناك شيئاً ليس على ما يرام. خمن من كان يقود مجموعتي الناس عند الجسر المغطى للتو ؟ كان "لو شينغ تشون " ذلك وغد شارع الحظ! ما هي النوايا السيئة التي يضمرها ؟ أنا لست جائعاً للمال أو أي شيء ، فلماذا يجب أن أتعامل معهم ؟ علاوة على ذلك بدلة الدروع تلك كنزٌ قديم ورثته عن أجدادي. و إذا بعتها ، ألن يوبخني جدي حتى الموت عندما أراه في أحلامي ؟! "
كان تعبير "تشين بينغ آن " وكأنه يواجه عدواً عظيماً "عليك أن تكون حذراً. "لو شينغ تشون " وأولئك الغرباء ليسوا بالهينين! "
ثم التفت وسأل "نينغ ياو ، هل تعرفين خلفياتهم ؟ "
أومأت الفتاة التي ترتدي الأسود ، وأجابت "العجوز والفتاة الصغيرة من "جبل حرق الشمس " الذي يمكن اعتباره طائفةً راسخةً وذات سمعةٍ طيبة في قارة "القارورة الشرقية الثمينة ". العجوز ليس بشرياً ، وببساطة ، هو أقوى بمائة مرة من "فو نان هوا " أو "كاي جين جيان ". المرأة وابنها ليسا سهلين أيضاً. و في الواقع ، أولئك الذين يمكنهم دخول البلدة الصغيرة في مجموعاتٍ من اثنين هم بطبيعة الحال أغنياء إلى حدٍ ما. المرأة داهيةٌ وماكرةٌ للغاية ، والفتى الصغير لا يبدو طيب القلب أيضاً. "
"لذا أشجع صديقك على أن يصبح تلميذ "السيد روان " في أقرب وقتٍ ممكن. سيكون ذلك مساوياً تماماً للحصول على تعويذةٍ لإنقاذ حياته. و في هذه البلدة الصغيرة ، مهما بلغت قوة خلفية المرء أو داعمه ، فلن يجرؤوا على استفزاز أو تحدي حكيم. "
التفت "تشين بينغ آن " إلى "ليو شيان يانغ " وسأل "هل أنت واثقٌ من أنك تستطيع أن تصبح تلميذ "السيد روان " ؟ "
كان "ليو شيان يانغ " غير واثقٍ قليلاً ، وتمتم ببطء "في اليوم الأول الذي ذهبتُ فيه للعمل كمتدرب كان "السيد روان " ينظر إليّ بنفس التعبير الذي كان يرتديه "العجوز ياو " دائماً و ربما أراد مراقبتي لبعض الوقت قبل اتخاذ قرارٍ بشأن ما إذا كان يريد قبولي كتلميذٍ أم لا. إنما الأمر هو... "
رمقه "تشين بينغ آن " بنظرةٍ غاضبة.
ارتسمت على وجه "ليو شيان يانغ " ابتسامة سخريةٍ من الذات وهو يتابع "الأمر هو أن ابنة "السيد روان " المدللة ذات شهيةٍ كبيرة للغاية. و لقد أذهلتني تماماً ، فألقيت بضع نكاتٍ صغيرة. و من كان يعلم أنها ستكون قويةً ومتسلطةً عند استخدام مطرقة الحدادة ، لكنها خجولةٌ ومنطويةٌ في أوقاتٍ أخرى ؟ كيف كان لي أن أعرف أنها لا تتقبل المزاح ؟ لقد جعلتها تبكي في ذلك الوقت ، ولسوء حظي ، رأى والدها كل شيء. الطريقة التي نظر بها إليّ أصبحت غريبةً على الفور. لا توجد طريقة لأصبح تلميذه الآن. و على أية حال لم أخطط أبداً لأكون عبداً أو تلميذاً لأحد. التعامل مع مزاج "العجوز ياو " الغريب كان أكثر من كافٍ بالنسبة لي. ألم أكن أعمل في الحدادة لأضع الطعام على المائدة فحسب ؟ "
نظر "تشين بينغ آن " لأعلى بتعبيرٍ قاتم.
خفض "ليو شيان يانغ " -الذي كان أطول من "تشين بينغ آن " بنصف رأس- رأسه ، ولم يجرؤ على النظر إلى الفتى الذي يرتدي صندل القش.
كانت "نينغ ياو " مرتبكةً قليلاً من هذا المشهد.
كانت هذه أيضاً المرة الأولى التي تراه فيها يغضب بصدق.
سأل "تشين بينغ آن " بصوتٍ منخفض "هل ظهرت أي أوراق شجر "الجراد " بشكلٍ غامض عليك عندما مررت بشجرة "الجراد " القديمة ؟ "
هز "ليو شيان يانغ " رأسه مجيباً "لا! ومع ذلك قال لي "الداوي " قارئ الطالع الذي يحب التلصص على النساء بعض الأشياء المشؤومة. كدتُ أحطم كشكه عندما سمعتها. "
تغير تعبير "تشين بينغ آن " قليلاً. قطب حاجبيه قبل أن يستدير ويسأل "نينغ ياو ، هل ستكفي ثلاثة أكياس من عملات الجوهر الذهبي كدفعة ؟ وأيضاً هل سيكون هذا مزعجاً لكِ ؟ أرجوكِ أخبريني بالحقيقة. "
تأملت "نينغ ياو " هذا بعناية قبل أن تجيب "إنه أمرٌ شاقٌ حقاً ، لكنه لن يكون مزعجاً أكثر من اللازم. ومع ذلك ما زال عليكم أن تكونوا حذرين بشكلٍ خاص في هذين اليومين. أخبر صديقك ألّا يركض في كل مكان. ففي نهاية المطاف ، وضعي ليس جيداً جداً الآن. "
توقفت للحظة قبل أن تضيف "كيسان من العملات لمجموعتي الناس ، وكيسٌ آخر لكي يقبل "السيد روان " صديقك كتلميذ. ببساطة ، سآخذ كيساً من العملات لكل مهمة أنجزها. اطمئن ، بما أنني وافقتُ على هذا ، فهذا يعني أنني واثقةٌ من أنني أستطيع كسب كيسين من العملات على الأقل. "
ركض "تشين بينغ آن " داخل المنزل ، دافعاً بسرعة أكياس العملات الثلاث نحو الفتاة "خذيها. "
لم تكن "نينغ ياو " من النوع المتردد ، لذا لم ترفض عرض "تشين بينغ آن " هذه المرة ، وقبلت كيسين من العملات النحاسية. ارتدت ابتسامةً مزيفة وهي تقول "يحاول الكثير من الناس في العالم حشو جيوبهم بأكبر قدرٍ ممكن من المال. ومع ذلك هناك أشخاصٌ مثلك يستمتعون برمي المال على الآخرين ؟ "
لم يردّ الفتى عليها. و بدلاً من ذلك أومأ وقال بابتسامة "المال مهمٌ جداً بالفعل. مهمٌ جداً ، جداً. "
هتف "ليو شيان يانغ " الذي ظل في الظلام طوال هذا الوقت بجنون "تشين بينغ آن ، هل فقدت عقلك ؟ لماذا تعطيها العملات ؟ هذا كيسان كاملان من العملات النحاسية! إلى متى كان سيصمدان معك ؟ "
قال "تشين بينغ آن " بضيق "إنه مالي ، فما الذي ستفعله حيال ذلك ؟ "
قال "ليو شيان يانغ " ببرّ "أليس مالك هو مالي أيضاً ؟ فكّر في الأمر. لو اقترضتُ منك المال ، هل سيكون لديك القلب لتطالبني برده ؟ "
أُسكت "تشين بينغ آن " وغرق في تفكيرٍ عميق.
في هذه اللحظة ، أدرك "ليو شيان يانغ " أيضاً أنه قاطع في لحظةٍ غير مناسبة. فصمت على الفور.
أصبح الجو في المنزل ثقيلاً قليلاً.
فتح "تشين بينغ آن " فمه قائلاً "نينغ ياو ، هذا لن يجعلكِ حقاً... "
نظرت الفتاة إلى السيف في الغمد الأبيض قبل أن تومئ وتجيب "لا توجد مشكلة! "
بعد ذلك لم تستطع منع نفسها من إضافة "القلق بشأن هذا والقلق بشأن ذاك ، ألا تجد نفسك مزعجاً ؟ وما زلت تقول إنك لست شخصاً طيباً بشكلٍ أحمق ؟ "
رد "تشين بينغ آن " بابتسامة.
تأمل "ليو شيان يانغ " للحظة قبل أن يختار البقاء صامتاً.
في النهاية ، اختار الشاب الطويل عريض المنكبين الاحتفاظ بكلماته لنفسه ، مفكراً في أن "نينغ ياو " لم ترَ الجانب الآخر من "تشين بينغ آن " من قبل.
من النادر جداً ألّا يكون "تشين بينغ آن " ودوداً ولطيفاً. ومع ذلك عندما يحدث ذلك يصبح "تشين بينغ آن " صعب المعاشرة حقاً.
لقد شهد "ليو شيان يانغ " ذلك من قبل.
ومن المرجح أن جار "تشين بينغ آن " "سونغ جي شين " قد شهد ذلك أيضاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] تمثال بوذا من طين لا يستطيع عبور النهر: كناية عن الشخص الذي يعجز عن نفع نفسه فكيف بغيره.