الفصل 203: السكّير الفتيّ
خرج الرجل العجوز حافي القدمين من مبنى الخيزران في وقت غير معلوم ، وسار نحو حافة المنحدر ووقف بجانب تشين بينغ آن. ابتسم وسأله "ما الذي تفعله ؟ هل تسترجع آلامك وتقارنها بسعادتك الآن بعد أن تجاوزت تحدياً هائلاً ؟ "
تُقطع حبل أفكار تشين بينغ آن ، وبعد أن استعاد وعيه ، أخذ رشفة من الخمر قبل أن يلتفت ويقول بابتسامة "أليس هذا أمراً جيداً ؟ "
كان العجوز يرتدي ثياباً بيضاء خشنة اليوم ، وبدا منتعشاً ومهذباً للغاية. "أليس جيداً ؟ بل هو في غاية الروعة! كم سيكون الأمر مريراً لو خلت الحياة من الآمال والتطلعات ؟ الأبطال الحقيقيون هم أولئك الذين يستطيعون تحمل الشدائد والاستمتاع بالرخاء. "
"عندما تقاسي الشدائد ، لا تكن ضعيفاً يتجول شاكياً للناس حجم معاناته ، وعندما تنعم بالرخاء ، تأكد من أن تكون مرتاح البال وتستمتع به حتى ترتوي نفسك. وإذا كان هذا الرخاء من كسب يمينك ، فلماذا تضطر للاستمتاع به في الخفاء ؟ "
أومأ تشين بينغ آن وأجاب "قد لا تروق لك بعض كلماتي يا سيدي ، لكنها حقاً نابعة من أعماق قلبي. هل أنت مستعد لسماعها ؟ لم أقلها لأحد من قبل ، ولا حتى لليو شيانيانغ ، أعز أصدقائي. "
قرفص العجوز حافي القدمين بجانب كرسي الخيزران وقال بلهجة مسلية "أوه ؟ أهي تلك الترهات عن ماضيك البائس ؟ حسناً ، تابع وأمتعني. "
أخذ تشين بينغ آن رشفة من الخمر ولم يغضب على الإطلاق. عرض قرعته الحمراء الصغيرة على العجوز ، لكن الأخير لوح بيده قائلاً إنه لا يحب الخمر الرديئة. فتح تشين بينغ آن قلبه وقال ببطء "رغم أنني كنت أعوي من الألم في كل مرة أتدرب فيها على تقنيات القبضة معك ، ورغم أنني بكيت سراً بضع مرات وشعرت أنني سأهلك بين يديك إلا أنني ما زلت أشعر أن طفولتي كانت أصعب فترات حياتي. "
"أتذكر بوضوح المرة الأولى التي دخلت فيها الجبال لجمع الأعشاب بمفردي. حيث كانت الشمس في كبد السماء عظيمة التوهج ، وكنت أحمل سلة خيزران تكاد تضاهيني طولاً. فكنت طموحاً جداً آنذاك ، وظننت أنني سأجمع مزيداً من الأعشاب إذا حملت سلة أكبر ، لعل أمي تتماثل للشفاء أسرع. "
"لكن جلد كتفي انسلخ بسرعة ، وحين سطعت الشمس عليه وسال العرق فوقه ، شعرت بألم حارق يسري في جسدي. والأهم من ذلك أنني كنت قد خرجت للتو من البلدة الصغيرة. وعندما أدركت أن عليّ تحمل هذا الألم لنصف يوم أو ليوم كامل ، شعرت حقاً بالرغبة في الاستسلام في تلك اللحظة. "
قهقه العجوز.
لم يكن يقهقه على تشين بينغ آن ، بل تذكر أساليب الحياة المترفة لأحفاده في عشيرة تسوي. فقد تمتعت عشيرة تسوي بمكانة رفيعة وثراء عبر أجيال عديدة ، وكانوا من أرقى العشائر في قارة "الوعاء الكنزي الشرقي ". وعند تعليم تقنيات القبضة لأطفال العشيرة كان الجميع يتصرفون وكأنهم يعانون من ظلم عظيم ، ناهيك عن أن ذلك كان لمجرد الوقوف في تأمل ، ثم يهرع هؤلاء الأطفال للشكوى لآبائهم عند عودتهم للمنزل. "
"في الشتاء كان الأطفال المتدثرون بطبقات من فراء الحيوانات يشعرون وكأنهم يعانون أشد بلاء في العالم لمجرد أن طُلب منهم الذهاب للمدرسة صباحاً. وفي ليلة رأس السنة كان الأطفال يطلبون من كبارهم وأسلافهم أظرفة حمراء سميكة للغاية. لم يعجب هذا العجوز حافي القدمين ، لكن إخوته وأقاربه من نفس جيله كانوا يستمتعون حقاً بمسايرة هذا الدلال. وكما يقول المثل: (الطفل الذي يبكي ينال الحلوى). "
استطرد تشين بينغ آن "المرة الثانية كانت لأنني كنت أتضور جوعاً. لم يعد لديّ أرز ، وبعت كل ما يمكن بيعه. جوعت ليوم كامل ، ولم تكن لديّ الشجاعة لأتسول الطعام. لذا سرت في الزقاق ذهاباً وإياباً على أمل أن يقترب مني أحدهم ويدعوني لتناول وجبة. حيث كان الشتاء قارساً جداً ذلك العام. "
"أما أشهر الصيف فلم تكن بالسوء ذاته ، إذ كان بوسعي ارتداء طبقات أقل من الثياب مهما بلغت فقري. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل كان بإمكاني دخول الجبال لجمع الأعشاب واستبدالها ببعض العملات النحاسية. وبينما أجمع الأعشاب ، كنت أجمع بعض الخضروات والفواكه البرية أيضاً. "
"كان بإمكاني أيضاً استعارة المطارق الحديدية من جيراني واستخدامها لطرق الصخور في الجدول ، مما يفقد الأسماك المختبئة تحتها وعيها. وبعد تجفيفها في المنزل ، كنت أتناولها دون الحاجة لإضافة زيت أو ملح ، وكانت لذيذة المذاق. "
"لكنني كنت عاجزاً تماماً في ذلك الشتاء ، وكنت سأهلك جوعاً لو لم أتسول الطعام. فماذا كنت لأفعل ؟ لم أطاوعني نفسي على التسول في البداية ، فكنت أحدث نفسي بأنني وعدت أمي بأن أعيش حياة كريمة في المستقبل. فكيف أصبح متسولاً بعد عام واحد فقط من وفاة والديّ ؟ تمددت في فراشي آنذاك ، وشعرت أنني أستطيع التغلب على الجوع إذا تحملت قليلاً. "
"بالطبع ، الجوع هو الجوع ، وهذا أمر لا يتغير. و لكنني لم أفقد وعيي بسببه ، بل صرت أكثر يقظة كلما ازداد جوعي. و في النهاية لم يكن أمامي خيار سوى النهوض من الفراش ومغادرة منزلي. و بدأت في السير جيئة وذهاباً في زقاق "الوعاء الفخاري " مرة أخرى ، وراودتني فكرة طرق أبواب الجيران عدة مرات لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة. لم أستطع إجبار نفسي على التسول مهما حدث. "
"بعد ذلك قلت لنفسي سأقطع زقاق الوعاء الفخاري مرة أخيرة. و إذا لم يفتح أحد بابه ويدعوني لتناول وجبة ، فسأطرق باب أحدهم وأتسول الطعام. و لكنني أقسمت سراً أنني سأرد الجميل للعائلة التي تطعمني عندما أكبر. "
"بدأت السير من نهاية الزقاق حيث يقع مسكن أسلاف عشيرة تساو ، ولم يفتح أحد بابه حتى وصلت إلى الطرف الآخر حيث يقع منزل غو كان. "
انفجر العجوز ضاحكاً ، ولم يُبدِ أي أثر للشفقة. "ماذا ؟ إذن باب من انتهى بك الأمر تطرقه ؟ هل كانوا مستعدين لدعوتك لتناول وجبة ؟ "
لم يبدُ تشين بينغ آن منزعجاً بشكل خاص وهو يسرد هذه الأحداث ، بل أصبح تعبيره أكثر حيوية وبهجة عندما وصل إلى هذا الجزء من القصة. وكأنه ارتشق أجود أنواع الخمر ، تابع قائلاً "لم يكن أمامي سوى البكاء والسير عائداً من حيث أتيت. ولكن بعد بضع خطوات ، فُتح باب الفناء خلفي فجأة. لم أجرؤ على الالتفات في البداية ، لكن أحدهم بدأ يناديني. "
"سارعت لمسح دموعي والتفتت ، فرأيت جارة تحمل سلة نار في يدها. إنه نوع من المواقد الصغيرة التي تحتوي على نحاس من الداخل وخيزران منسوج من الخارج ، فيمكن للمرء حملها والتجول بها. بدت متفاجئة جداً لرؤيتي. "
نقر العجوز بلسانه تعجباً وقال "السماء دائماً ما تترك لنا مخرجاً. أيها الفتى ، هل حصلت على وجبة مجانية هكذا ؟ "
مسح تشين بينغ آن بقوة وجهه الذي تلطخ بالدموع. ومع ذلك اتسعت ابتسامته وهو يجيب "لا ، فكرت تلك الجارة للحظة قبل أن تقول: (تشين بينغ آن الصغير ، هل أنت قادر حقاً على دخول الجبال لجمع الأعشاب ؟ وهل تعرف تلك الأعشاب حقاً ؟). قلت نعم بالطبع ، ولم أكن أكذب عليها. خلال ذلك العامين ، كنت أتردد على الجبال كل بضعة أيام لجمع الأعشاب. و في الواقع ، أصبحت أعرف الجبال أكثر من زقاق الوعاء الفخاري. "
"ابتسمت جارتي ولوحت لي بالاقتراب ، وقالت بصوت مسموع: (رائع ، إذن تعال إلى هنا يا تشين بينغ آن الصغير. و لديّ شيء أحتاج مساعدتك فيه. جسدي لا يتحمل البرد ، لذا أحتاج لبعض الأعشاب الطبية لطهي دواء يغذي بدني. و لكن متجر عائلة يانغ للأدوية باهظ الثمن ، ولا أستطيع تحمل تكليفه. فهل يمكنك دخول الجبال لجمع بعض الأعشاب لي عند حلول الربيع ؟ سأعطيك عملات نحاسية ، لكن السعر يجب أن يكون أقل). "
خفت حدة صوت تشين بينغ آن وهو يتابع "مشت نحوها لمناقشة الأمر ، واستغلت الفرصة لتناولني سلة النار. وبعد انتهاء نقاشنا ، رأت أنني ما زلت واقفاً ، فابتسمت وسألت: (ما بك ؟ لم تأكل بعد ، هل تريد الحصول على وجبة مجانية ؟ لا ، لن أسمح لك بالدخول ما لم يُحتسب هذا جزءاً من ثمن المكونات الطبية!). "
ابتسم تشين بينغ آن ونظر نحو الأفق. "بعد وفاة والديّ تمكنت من رؤية كل أنواع التعبيرات في أعين الناس. الكثير من الأطفال في عمري شتموني ونعتوني بالطفل الشرير الذي تسبب بموت والديه. حتى لو اكتفيت بمراقبتهم وهم يطيرون الطائرات الورقية ويصطادون الأسماك من مسافة بعيدة كانوا يلتقطون الحجارة ويرمونني بها. "
"بعض البالغين كانوا يحبون توبيخي ونعتي باللقيط. و قالوا إنني مقيت وقذارة دنيئة لا تصلح حتى لتكون عبداً لثري. و قالوا إنني أكثر إزعاجاً وعثرة في الطريق من قطع الخزف المكسورة في جبل الخزف. "
"ومع ذلك عندما تحدثت معي تلك السيدة في ذلك اليوم ، وعندما قالت إن عليّ دفع ثمن الطعام ، يا سيدي أنت بالتأكيد لا تعرف مدى سعادتي. و عندما دخلت لتناول الطعام ، بدأت الدموع تنهمر على خدي مرة أخرى. و لكن السيدة مازحتني وقالت: (أوه ، هل طعامي مذهل جداً أم فظيع جداً يا تشين بينغ آن الصغير ؟ هل يمكنه دفع أحدهم للبكاء ؟). و في ذلك الوقت لم أجرؤ سوى على خفض رأسي والأكل ، والقول إن الطعام لذيذ. "
أومأ العجوز وسأل "هل فكرت حينها في أن جارتك كانت تحاول مساعدتك حقاً ؟ لكنها كانت تساعدك بطريقة أفضل. "
أومأ تشين بينغ آن وأجاب "لم أفكر في هذا في البداية ، ولكن بعد الأكل في منزلها بضع مرات ، سرعان ما أدركت ذلك. "
تلك الجارة لم تكن سوى والدة غو كان.
وبسبب هذا كان تشين بينغ آن يراقب دائماً من قريب كلما تشاجرت والدة غو كان مع أشخاص آخرين. و في بعض المرات كانت المشاجرات حادة ، وكانت والدة غو كان محاطة بمجموعة من النساء الأخريات. و عندما اندفعن لخدش وجهها وشد شعرها ، ركض تشين بينغ آن أيضاً لحمايتها. لم يقاتل ، بل وقف هناك وسمح للنساء الأخريات بتفريغ غضبهن فيه.
لذا لم يعتبر تشين بينغ آن نفسه شخصاً طيباً بساذجة.
إذا لم يشكر تشين بينغ آن أحداً طيباً كوالدة غو كان ، شعر بأنه لن يكون بشراً. وبغض النظر عن مدى سوء سمعتها في زقاق الوعاء الفخاري وزقاق زهر المشمش كانت بالنسبة لتشين بينغ آن منقذته أولاً وقبل كل شيء.
بعد إعطاء السمكة الصغيرة لغو كان ، فماذا لو اكتشف لاحقاً أنها كانت فرصة قدرية عظيمة ؟
لم يندم تشين بينغ آن على قراره على الإطلاق.
عندما يقدم العالم للإنسان لمسة من اللطف ، يجب على المرء بالتأكيد أن يعتز بها ويظهر الامتنان ، بغض النظر عن حجم ذلك اللطف أو ضآلته.
لذا عندما قال العجوز ياو ، معلم تشين بينغ آن غير المباشر ، تلك الكلمات ، شعر الصبي الصغير أنها أفضل قول في العالم.
(إذا كان الشيء ملكك ، فاقبض عليه بكلتا يديك. وإن لم يكن لك ، فلا تحلم به).
لا أحد في العالم مدين لك بشيء. ولكن إذا كنت مديناً لشخص آخر بشيء ، فلا تتجاهل الأمر.
بعد ذلك كان هذا بالضبط هو الطريقة التي عامل بها تشين بينغ آن صديقه ليو شيانيانغ.
فدخول الجبال لجمع الأعشاب لم يكن حلاً طويل الأمد في النهاية ، وكان ليو شيانيانغ هو من علمه كيفية نصب الفخاخ لصيد الطرائد ، وكيفية صنع الأقواس ، وكيفية صيد السمك. وبعد دخول أفران التنين كان ليو شيانيانغ الأكبر سناً قليلاً هو من اعتنى بتشين بينغ آن وحماه.
كافح تشين بينغ آن خلال سنواته الأولى وأصبح في النهاية صبياً صغيراً قادراً على إطعام نفسه والاعتناء بها. ورغم استعداده الدائم لإعمال العقل مع الآخرين إلا أنه كان يستثني من ذلك الأمور المتعلقة بغو كان أو ليو شيانيانغ. و على سبيل المثال ، عندما هاجم "القرد محرك الجبال " ليو شيانيانغ وكاد يقتله ، نبذ تشين بينغ آن كل أفكار المنطق جانباً. وطالما كان يمتلك القوة التى تكفى ، فسيقاتله حتى الموت!
قال تشين بينغ آن ذات مرة للفتاة الصغيرة من العالم الخارجي إنه لو وجد فتاة بطيبة والدته ، فسيشمر عن ساعديه ويقاتل لحمايتها حتى لو كان خصمهما "سلف الطاو ". وسواء استطاع الفوز في القتال أم لا فهذه مسألة ، وما إذا كان مستعداً للقتال لحماية زوجته مسألة أخرى. سيشعر تشين بينغ آن بذنب وعار كبيرين لو لم يستطع الاعتزاز بزوجته وحمايتها.
بالطبع ، شعر تشين بينغ آن بأنه وجد تلك الفتاة بالفعل. و لكنه ببساطة لم يبح بمشاعره بعد. وبسبب هذا كان عليه الشروع في رحلة طويلة لتسليم السيف.
كان سيحمل السيفين ، اللذين أطلق عليهما سراً اسم "قاهر الشياطين " و "مبيد الأرواح " ويمشي نحوها. ثم سيجمع شجاعته ويعترف بصوت عالٍ "نينغ ياو! أنا معجب بك! أنا معجب بك كثيراً ، بغض النظر عما إذا كنتِ تبادلينني الإعجاب أم لا! "
أما عما إذا كان سيتلقى صفعة أو يفقدها كصديقة... فسيفكر في ذلك بعد الاعتراف لها!
انتزع العجوز "قرعة تنمية السيف " من يد تشين بينغ آن وأخذ رشفة كبيرة من الخمر. لم يرمِ القرعة للصبي على الفور بل قال بزمجرة "هذا الخمر متواضع حقاً. أكمل ، استمر في سرد قصتك. و هذه الأمور التافهة وغير النقية لا تستحق سوى خمر رخيص كهذا. "
فكر تشين بينغ آن للحظة قبل أن يضع يديه داخل كميه ويقول "يبدو أنني توصلت إلى نوع من الإدراك بعد تجاوز ذلك الشتاء ، وأصبحت أيضاً وقحاً بما يكفي لأتسول الطعام من الآخرين عندما لم أعد أستطيع تحمل الجوع. تذكرت كل مساعداتهم ، وفكرت في أنني سأدخل الجبال لأكسب المال وأرد لهم الجميل عندما يصبح الطقس أكثر دفئاً. "
"بعض الجيران المسنين طيبو القلب كانوا يعطونني ملابسهم القديمة ، ولم أعد أشعر بالحرج من قبولها. لم أكن أكذب بشأن امتلاكي ما يكفي ، بل كنت أقبل أفعالهم الطيبة. و ذهبت إلى الجبال قدر استطاعتي في تلك السنوات القليلة ، لكنني كنت لا أزال أكسب مبالغ صغيرة جداً. فكنت ضعيفاً جداً حقاً ، والعديد من المكونات الطبية التي يخزنها متجر عائلة يانغ كانت صعبة المنال. "
"ومع ذلك كان هذا طبيعياً ، أليس كذلك ؟ فكيف لي أن أكسب المال من أعشاب متوفرة للجميع ؟ لذا بدأت في مساعدة جيراني في الزقاق. و في الصباح ، كنت أساعدهم في استخراج المياه من "بئر القفل الحديدي " وعندما يكون هناك عمل زراعي ، كنت أذهب لمساعدتهم في الحقول. وفي الليل ، كنت أظل مستيقظاً لمساعدتهم في الصراع على المياه ، لئلا يقوم أشخاص آخرون بقطع قنوات المياه أو تحويل مسارها. "
"لم أجرؤ على القتال مع الآخرين وجهاً لوجه ، فكنت أختبئ دائماً بعيداً وأنتظر رحيل أولئك الرجال الأقوياء. و بعد ذلك كنت أركض سراً وأعيد توجيه المياه إلى حقول جيراني. فقط بعد أن تتلقى حقولهم ما يكفي من المياه كنت أعدل عملي وأعود للمنزل. وبسبب هذا ، طاردني الناس مرات عديدة. ولحسن الحظ ، كنت صغيراً وسريعاً في ذلك الوقت ، لذا لم أتعرض للضرب كثيراً. "
استمر العجوز حافي القدمين في شرب الخمر بتمهل من القرعة الحمراء الصغيرة. وعلى الرغم من قوله إن الخمر رديء الجودة إلا أنه استمر في شرب رشفة تلو الأخرى. حيث كان يشرب الكثير حقاً. و على أي حال لم يكن العجوز يشعر بالضيق من ذكريات تشين بينغ آن عن هذه الأمور التافهة.
فتح تشين بينغ آن قلبه للعجوز ، وشعر بتحسن كبير بعد تفريغ ما في قلبه. حيث مد يده لانتزاع القرعة الحمراء ، لكن العجوز رفع مرفقه ودفع يده بعيداً. "انتظر لحظة " زمجر العجوز.
أمسك العجوز حافي القدمين بقرعة الخمر بإصبعين وقال ببطء "تشين بينغ آن ، لقد سردت الكثير من الأمور التافهة ، فهل تريد الآن سماع بعض مبادئي العظيمة التي لا نفع منها ؟ كم كنت قوياً ورفيع الشأن عندما وقفت في قمة الفنون القتالية آنذاك ؟ ومع ذلك حتى في ذروتي ، وجدت هذه المبادئ العظيمة عديمة الفائدة تماماً. هل تريد سماعها ؟ "
ابتسم تشين بينغ آن وأجاب "تفضل ، أنا أحب الاستماع إلى مبادئ وأفكار الآخرين. "
وقف العجوز وقال "لقد حظيت ذات مرة بلقاء عرضي مع باحث قديم ومهذب على قمة جبل في "القارة الإلهية للأرض الوسطى ". لم أكن أعرف هويته في ذلك الوقت ، لكنني تمكنت من تخمينها تقريباً بعد لقائي به. ومع ذلك كنت عاجزاً عن فهم نواياه الحسنة ، وبسبب هذا انتهى بي المطاف كعجوز مجنون ومثير للشفقة. "
"لا تنظر إليّ وتظن أنني لست أكثر من ممارس الفنون القتالية خالص لا يعرف سوى الحديث عن تقنيات القبضة. و في الواقع ، أنا باحث حقيقي أيضاً ، وقد قرأت عدداً هائلاً من الكتب. و بعد الدردشة مع الباحث العجوز لبعض الوقت ، سألته عن بعض الأمور التي لم أستطع فهمها بنفسي. و بعد سماع أسئلتي ، شرح الباحث العجوز بعض مبادئه لي. "
بدأ العجوز حافي القدمين في المشي في دوائر بقرعة الخمر في يده. "قال الباحث العجوز إننا نعيش في عالم معقد جداً حيث كلمات الكثير من الناس متناقضة مع أفعالهم حتى لو كانوا باحثين واسعي المعرفة. و بعد مشاهدة الكثير من الأمور غير المنطقية ، من المحتم أن نبدأ في التشكيك في أنفسنا. هل المبادئ الموجودة في الكتب خاطئة ؟ أم أنها ليست كاملة وليست شاملة بما يكفي ؟ "
"ثم يطرح السؤال نفسه: ماذا يجب أن نفعل ؟ وكيف ننظر إلى هذا العالم الذي يشرح فيه الكثير من الناس المبادئ لكنهم يفشلون في الالتزام بها ؟ هناك حل بالتأكيد. أحد الحلول هو أن نعيش حياة بسيطة ومباشرة. قبضة يدي قوية ، أو تقنيات سيفي قوية ، أو قوة "الطاو " لدي قوية ، لذا سأستخدمها لتحطيم بعض الأمور التي أراها غير صحيحة. سأستخدم هذه الأساليب البسيطة لحل أصعب المشكلات. كل شيء سيكون على ما يرام طالما أنني سعيد. "
"إذا قيدتني السماء والأرض بقوانينها ولوائحها ، فسأحطم هذه الأشياء بضربة واحدة. و إذا كان "الطاو " العظيم في العالم يضطهدني ، فسأحطم "الطاو " بأسيفي. حتى لو لم أستطع فعل ذلك كما أرغب في الوقت الحالي ، فسأثابر وأستمر في السير في هذا الطريق. و يمكن أن يكون هناك أشخاص كهؤلاء ، لكن لا يمكننا السماح للجميع بأن يكونوا كذلك. "
توقف العجوز عن السير بعد قول هذا ، ونظر إلى تشين بينغ آن وقال بنبرة مليئة باحتقار الذات "أنا أنتمي لهذه الفئة من الناس. "
تابع الباحث العجوز وقال إن الحل الثاني هو أن نعيش بذكاء شديد. حيث يجب على المرء أن يعيش وفقاً لما يتطلب أقل جهد ويجعل حياته أسهل. القوانين واللوائح المسماة توضع لنا لنبحث عن ثغرات فيها. و إذا اختار الباحثون هذا الطريق ، فلن يصبحوا أكثر من ساخرين. "
"باتباع هذا الحل ، يمكن للمرء أيضاً القيام بمقايضات بين ما يُنظر إليه على أنه معقول ، واختيار الأمور التي تتوافق مع إحساس شخصي بالمنطق لكنها تتعارض مع إحساس العالم بالمنطق. سيؤدي هذا إلى عالم صاخب حيث يتصرف الجميع وفقاً للمصلحة الذاتية. لو أمكن استبدال هذه المصلحة الذاتية بالفضيلة ، فكم سيصبح العالم رائعاً ؟ "
"الحل الأخير هو أن نعيش حياة مملة حيث نعقد القضايا المعقدة أصلاً. و يمكن للمرء أن يحلل المبادئ بشكل تقني ، ويمشط المنطق بعناية ، ويتأمل ببطء في القضايا. كل هذا من أجل فهم الأسباب والدوافع وراء المسأله. "
"ومع ذلك بعد الدوران في حلقة مفرغة ، قد يجد المرء نفسه بشكل مفاجئ عاد إلى نقطة البداية. فهل كان كل شيء هباءً ؟ ليس بالضرورة ، لأن المرء سيشعر بالرضا والامتلاء بعد فهم خبايا المسأله. و هذا الشعور يشبه... أخذ رشفة من خمر معتق والشعور بدفء ينتشر في جسدك. "
"شيوخ الراهب الذين نثني عليهم نحن الباحثين بشدة ليسوا في الواقع بالخير والكمال الذي يحب الناس الظن به. إنهم بشر أيضاً. ومع ذلك فإن المبادئ والتساميم الحقيقية للراهبة ليست هشة وعديمة الفائدة. حتى لو لم يتفق المرء مع مفهوم أن الطبيعة البشرية خيرة في الأساس ، فليكن. ففي النهاية ، يمكننا دائماً تشجيع الناس على السعي نحو الخير. "
بدأ العجوز حافي القدمين في السير في دوائر مرة أخرى ، وتوقف في النهاية وأضاف "لا أجرؤ على التأكيد ما إذا كان ذلك العجوز هو ذلك الشخص أم لا. ومع ذلك بالتفكير في محادثتنا في ذلك الوقت لم يكن من السهل على ذلك الباحث العجوز أن يقول لي تلك الكلمات بهدوء لو كان هو ذلك الشخص حقاً. ففي النهاية ، كنت في القارة الإلهية للأرض الوسطى لمهاجمة قاعدتهم. "
رفع العجوز القرعة الحمراء الصغيرة وأخذ جرعة كبيرة من الخمر. ثم رمى "قرعة تنمية السيف " عرضاً إلى تشين بينغ آن قبل أن يحدق في الأفق ويزأر بضحكة قلبية. "لقد سافرت في كل أرجاء العالم آنذاك ، وسيكون الأمر خانقاً حقاً لو لم أبصق كل الخطابات العظيمة والتصريحات المثيرة في عقلي! "
واقفاً أمام المنحدر ، تقدم العجوز خطوة للأمام وحدق في السماء. "عندما سافرت بين السماء والأرض كانت الشمس المشرقة في السماء والقمر المتألق في الليل كلاهما يسألانني: هل العالم مشرق بما يكفي ؟ "
التفت العجوز وسأل بضحكة مكتومة "تشين بينغ آن! هل تشعر أن هذا يكفي ؟! "
كان تشين بينغ آن على وشك خفض رأسه وشرب رشفة من الخمر. و بعد سماع هذا لم يكن أمامه خيار سوى النظر للأعلى والرد بذهول "ليس تماماً ؟ "
زأر العجوز ضاحكاً. وأشار إلى الأفق وتابع "عندما سرت عبر الأنهار والبحيرات كانت الأنهار الهادرة والأمواج المتلاطمة تطلبني: هل لدي ما يكفي من الماء لأروي عطشك ؟ "
سارع تشين بينغ آن لاغتنام هذه الفرصة ليشرب رشفة من الخمر. و بعد سماع كلمات العجوز المثيرة لم يستطع إلا أن يشعر بجرأة خفيفة أيضاً. بيد واحدة تحمل قرعة الخمر واليد الأخرى مقبوضة على شكل قبضة ومستقرة على ركبته ، انضم أيضاً إلى العمل وأعلن بصوت عالٍ "إنه ليس كافياً! "
تابع العجوز "عندما عبرت قمم الجبال كانت المساكن الفارهة والخالدون السامون يسألونني: هل نسيم الجبل بارد بما يكفي ؟ "
كان وجه تشين بينغ آن محمراً ، وأخذ رشفة كبيرة أخرى من الخمر واستعار التأثير القوي للكحول ليصرخ بضحكة صارخة. حيث كان هذا غير مسبوق بالنسبة له ، وهتف بتعبير متوهج "هذا ليس كافياً! إنه أبعد ما يكون عن الكفاية! ليس هناك ما يكفي من الخمر ، وليس هناك ما يكفي من الماء ، وليس هناك ما يكفي من نسيم الجبل! لا يوجد شيء يكفي من أي شيء! "
خارج مبنى الخيزران ، تبادل الصبي الصغير في الزي الأزرق والفتاة الصغيرة في الزي الوردي النظرات.
كانت الفتاة في الزي الوردي قلقة بعض الشيء على سيدها. إنه لن يصبح سكّيراً فتياً ، أليس كذلك ؟
في هذه الأثناء تمتم الصبي في الزي الأزرق في عقله: (هل فقد السيد عقله ؟ ربما أصبح غبياً من التدريب مع العجوز ؟ هه ، هل يعني ذلك أنني لست بحاجة للتدرب بجدية بعد الآن ؟ لماذا لا أتكاسل لبضعة أيام ؟).
في النهاية ، سكر تشين بينغ آن وانهار على الأرض مع كرسي الخيزران الخاص به.
ومنذ ذلك اليوم فصاعداً ، عرف العالم سكّيراً فتياً جديداً.