الفصل 170 (3): السيد العظيم الذي يستلذُّ بـخمرة النَّعيم
بينما كان "لي إر " يغادر القصر الإمبراطوري رفقة "ماو شياو دونغ " عبر الممر السري ، خامره شعورٌ بأنه قد تعرّض للخداع من قِبَل "ماو شياو دونغ " وبدا على وجهه مسحةٌ من الكآبة والضيق.
ابتسم "ماو شياو دونغ " قائلاً "لقد اعتذروا إليك ، فما الذي تبغاه أكثر من ذلك ؟ هل تودُّ حقاً إشباعهم ضرباً حتى يُحملوا على المحفات خارج القصر الإمبراطوري ؟ سيمكث ابنك في أكاديمية 'جبل المنحدر ' زمناً طويلاً ، فلا تجعل الأمور معقدةً عليه. لم يكتفِ هؤلاء بالاعتذار لك والاعتراف بخطئهم ، بل باتوا جميعاً يشعرون بأنهم مدينون لك بفضلٍ عظيم ، وكذلك إمبراطور أمة 'سوي ' العظيمة. أليست هذه نهايةً مرضية ؟ "
تنهد "لي إر " قائلاً "أشعر وحسب أن هؤلاء القوم من طينةٍ لا ترتدع إلا بالعصا ، ولأنني لن أستطيع البقاء في الأكاديمية ، فسيتحتم عليَّ إزعاجك برعاية 'لي هواي ' ومَن معه نيابةً عني ، أيها الشيخ 'ماو ' ".
أومأ "ماو شياو دونغ " موافقاً "هذا واجبٌ لا مفرَّ منه. وعلاوةً على ذلك لا تزال هناك بطريكية العائلة الإمبراطورية ، أليس كذلك ؟ "
وفي تلك اللحظة ، ظهر القصاص في الممر السري ، وأومأ مبتسماً وهو يقول "هذا صحيح. ونحن ممتنون للغاية لأنك آثرتَ حلَّ هذه المسأله سلمياً ، وستردُّ لك أمة 'سوي ' العظيمة الصاع صاعين بصدقٍ وإخلاص ".
رد "لي إر " بإيماءه "آمل ذلك بالتأكيد ".
ابتسم "ماو شياو دونغ " متسائلاً "بالمناسبة يا 'لي إر ' ، لقد كنت بالفعل في المرتبة التاسعة من فنون القتال في 'عالم الجوهرة الصغير ' ، فلماذا تختار لنفسك حياة الإملاق ؟ أنت الآن واحدٌ من ثلاثة فقط بلغوا المرتبة العاشرة في قارة 'قارورة الكنوز الشرقية ' بأكملها ، وبراعتك القتالية تتفوق حتماً على 'سونغ تشانغ جينغ '. ألم تفكر يوماً في إخبار عائلتك والعيش في رغدٍ من العيش ؟ "
هز "لي إر " رأسه رداً على ذلك "وما نفع أن أشتري لزوجتي الحليَّ والحلل ، وأن أقتني لـ 'لي ليو ' مساحيق التجميل ، وأن أطعم 'لي هواي ' أطيب الطعام كل يوم ؟ هل هذا خيرٌ لهم ؟ لا أظن ذلك ".
سأل "ماو شياو دونغ " بابتسامة ساخرة "ماذا لو كانت زوجتك وأبناؤك يرون أن تلك هي الحياة الفضلى ؟ "
هز "لي إر " رأسه مجدداً "لقد منعي أحدهم من فعل ذلك لكن هذا جزءٌ من السبب فحسب. والأهم من ذلك أشعر أن هذا هو المسلك الصواب. ونظراً لطبيعة أقارب زوجتي ، لو أنني كشفت عن قوتي لها حين كنا في البلدة ، لارتكبوا كلَّ الموبقات. فماذا كنت سأفعل حينها ؟ أأقتلهم ؟ أم أحاول إقناعهم بالتي هي أحسن ؟ وهل كانوا ليسمعوا إليّ ؟ كانوا سيقولون شيئاً أمام وجهي ، ويفعلون نقيضه في غيبتي. وفي نهاية المطاف ، ستكون زوجتي هي الأكثر تضرراً لأنها لن تستطيع مواجهتي ولا مواجهة عائلتها. وبالطبع ، في 'عالم الجوهرة الصغير ' حتى أكثر العائلات ثراءً لا تنعم بذلك الرخاء ".
بعد أن أخفى "لي إر " هالتَه تماماً ، بدا أقلَّ شأناً من أي شخصٍ عادي ، مرتدياً ثوب الضعف والجبن. ومع ذلك كان يتحدث بنبرة واثقةٍ تتناقض تماماً مع القناع الواهن الذي كان يرتديه في البلدة.
"لقد عشت في مكانٍ ضئيل طوال حياتي ، لكنني لست بالأحمق الذي يجهل المبادئ الأساسية ؛ فالاستقرار هو عماد العائلة. وما دامت زوجتي وأبنائي يجدون اللحم متى اشتهوه ، وما دمت أجد الخمر متى تاقت نفسي إليه ، فذلك كافٍ ، فما زاد عن ذلك فهو فضولٌ لا طائل منه ".
التفت "لي إر " يتأمل مشهد العاصمة من خلف الممر السري ، وداخلَه كلامٌ لم يبُح به.
(حتى وإن كنتُ في نظرهم مجرد جبانٍ لا نفع فيه ، فعلى الأقل في عين ابني ، أنا الآن أبٌ صالحٌ لم يسبب له الحرج قط. هل تدرك مقدار سعادتي حين سمعت ذلك ؟)
بينما هو مستغرقٌ في أفكاره ، ودّع "لي إر " "ماو شياو دونغ " والقصاص ، ثم انطلق عائداً إلى أكاديمية "جبل المنحدر " بأقصى سرعته. و لقد أراد رؤية عائلته في أقرب وقت ، فضلاً عن أن هناك أمراً إضافياً بات في مقدوره فعله من أجل ابنه.
————
تنهد "ماو شياو دونغ " "لقد أدرك 'لي إر ' حقاً جوهر الحياة. وهناك الكثير ممن يزعمون الحكمة وهم دونَه بكثير في هذا المضمار ".
عقّب القصاص مبتسماً "هو مقاتلٌ بلغ المرتبة العاشرة قبل أن يبلغ الستين ، فلا يمكن أن يكون أحمقَ بحال. ومع ذلك يبدو حالياً أن أضعف الثلاثة هو الإقطاعي 'سونغ تشانغ جينغ ' من إمبراطورية 'لي العظيمة ' ، لكنه في الوقت ذاته الأكثر أملاً في الوصول إلى هذا المستوى ، وليس ذلك لصغر سنه فحسب ".
أومأ "ماو شياو دونغ " "يمتلك 'سونغ تشانغ جينغ ' مزايا ذهنية استثنائية للمقاتل ، وهذا كنزٌ يفوق كونه شاباً ".
سأل القصاص بابتسامة "هل تشير إلى شجاعة 'سونغ تشانغ جينغ ' حين ثبت في مكانه حتى بعد أن ظهر ذلك الرجل في القصر الإمبراطوري لإمبراطورية 'لي العظيمة ' واستعرض قوةً لا تُسبر أغوارها ؟ "
لم يجب "ماو شياو دونغ " على سؤاله ، بل ابتسم متسائلاً "أتريد أن تطلبني عما إذا كانت 'عاصمة اليشم الأبيض ' في إمبراطورية 'لي العظيمة ' موجودةٌ حقاً ، أليس كذلك ؟ "
سار الثعلبان الماكران جنباً إلى جنب في صمتٍ مطبق ، دون أن ينظر أحدهما إلى الآخر.
————
عندما عاد "لي إر " إلى الأكاديمية كانت زوجته وأبناؤه يتناولون العشاء. حيث كان "لين شيو يي " قد أحضر سلتين كبيرتين من الطعام ، فامتلأت المائدة. حيث كانت والدة "لي هواي " تجلس معه على المقعد نفسه ، بينما كان "لي ليو " و "لين شيو يي " يجلسان متقابلين ، وقد أُعدّ مقعدٌ إضافي لـ "لي إر ".
لم يتذكر "لي إر " أنه نسي إحضار شيءٍ ما إلا عند وصوله إلى مدخل الغرفة. وبحضور "لين شيو يي " لم تُنزِل به زوجته العقاب فوراً ، لكن نظراتها أخبرته بوضوح أن الحساب مؤجل. فرك "لي إر " يديه وجلس إلى المائدة ، ولاحظ وجود جرة خمر. ألقى نظرةً على "لين شيو يي " ثم سأل "ما رأيك أن نشرب معاً ؟ "
تردد "لين شيو يي " قليلاً ثم أومأ "لا أحتمل الخمر كثيراً يا عمي 'لي ' ، لذا سأكتفي بالقليل معك ".
قال "لي إر " بابتسامة "لا ، هذا لا يجوز! عليك أن تعوّد نفسك ".
اشتعلت زوجته غضباً فور سماع ذلك "لماذا ؟ هل تريده أن يصبح سكيراً مثلك ؟! "
ارتجفت يد "لين شيو يي " قليلاً ، وكاد يُسقط وعاء الخمر الكبير الذي كان يقدمه لـ "لي إر ". كان معتاداً على الجدية والترفع ، لكن ارتسمت على وجهه في هذه اللحظة ابتسامة عريضة.
كما ذُعر "لي إر " من انفجار زوجته ، وكاد يُسقط جرة الخمر التي في يده أيضاً.
قضم "لي هواي " قطعة كبيرة من فخذ دجاجة دهنية ، ثم قال بصوتٍ مكتوم "سأذهب إلى أسفل الجبل لأشتري لك جرة خمرٍ فاخرة يا أبي. سأقترض المال من 'لين شيو يي ' وأجعل 'تشين بينغ آن ' يرده له مستقبلاً ، فاشرب حتى ترتوي ".
غمرت السعادةُ "لي إر " وكأنه نال عفواً إمبراطورياً من ابنه ؛ فإذا كان ابنه هو من يشتري له الخمر ، فلديه الحجة التي تبرر شربه أمام زوجته.
كانت والدة "لي إر " لطيفةً معه دائماً ، فقالت "يمكنك شراء الخمر لأبيك ، لكن اشترِ أرخص الأنواع. فمن الإسراف أن تشتري له خمراً فاخراً ".
صب "لي إر " الخمر في وعاءٍ لـ "لين شيو يي " ولنفسه ، ثم أومأ مبتسماً وقال "أجل ، اشترِ لي الرخيص فقط. لا داعي للأصناف الباهظة ".
قلّب "لي هواي " عينيه وقال "كفى يا أمي تشدداً. ألا تخشين أن يهرب أبي مع امرأةٍ أخرى ذات يوم ؟ "
رمقت والدة "لي هواي " زوجها بنظرة حادة عبر المائدة وقالت "لا يجرؤ! وحتى لو تجرأ وذهب خلف غيري ، فهل ستقبل به أيُّ امرأة ؟ "
جرع "لي إر " مسرعاً جرعةً كبيرة من الخمر وأومأ موافقاً "معك حق ، معك حق ، لا أحد يرغب بي ".
ضربت زوجته المائدة بيدها وسألته "سواء أرادك أحدٌ أم لا فهذا أمر ، لكن هل تراودك هذه الأفكار فهذا أمرٌ آخر تماماً! هل تراودك هذه الأفكار أم لا ؟! "
وضع "لي إر " وعاءه فوراً على المائدة ، وجلس معتدلاً وأقسم "مطلقاً! "
نظرت زوجته إلى "لين شيو يي " الذي كان يحتسي خمره بتسلٍ ، ثم التفتت إلى ابنتها مبتسمة "يا 'ليو إير ' عليكِ أن تجدي زوجاً صالحاً شريفاً في المستقبل حتى لا تتعرضي للظلم ، أتفهمين ؟ "
أومأت "لي ليو " مكتفيةً بالموافقة دون أن تنطق ببنت شفة ، والتقطت قطعة سمك بـعيدان الأكل ووضعتها في وعاء "لي هواي ".
أما "لين شيو يي " فكان يختلس النظر إلى "لي ليو " من طرف عينيه ، ورغم أنه لم يحتسِ إلا القليل من الخمر إلا أنه شعر بـنشوةٍ وكأنه يرى أجمل مناظر الأرض.
————
في اليوم التالي ، اشترى "لي هواي " لوالده جرة خمر فاخرة سراً ، ثم اصطحبه إلى البحيرة وجلس القرفصاء يراقب والده وهو يشرب.
قال بصوتٍ خافت "هذه جرةٌ من النوع الغالي. حيث وضعتُ جرةً من الخمر الرخيص في الغرفة لتشربها على المائدة حتى لا توبخك أمي ".
أومأ "لي إر " مبتسماً قبل أن يجرع جرعة كبيرة. و بالنسبة له كان هذا الاختبار أشدَّ لذةً من بلوغ المرتبة العاشرة.
سأل بابتسامة خجولة "لقد كانت باهظة الثمن حقاً ، أليس كذلك ؟ "
نظر "لي هواي " إلى والده بابتسامة متقدة وهو يسنِد خديه بيديه ، وبدلاً من الإجابة قال مطمئناً "لا تقلق عليَّ يا أبي ، أنا في أحسن حال في الأكاديمية ، وأنا سعيدٌ للغاية لأنك جئت لزيارتي ".
أومأ "لي إر " موافقاً وجرع جرعة أخرى من الخمر ليحبس دموعه التي كادت تفيض.
في تلك اللحظة تذكر أنه كان في عجلةٍ من أمره للعودة إلى الأكاديمية بالأمس ، ولم تتح له الفرصة لمقابلة "كاي جينغ شن ". وقرر حينها أنه بعد إنهاء هذه الجرة من الخمر ، سيزور "كاي جينغ شن " ولكن بدلاً من إقناعه بالحسنى ، سيذيقه هذه المرة ويلات الضرب.