"رعاية ؟ "
أصاخ "تشين مو " السمع لصوتٍ مباغت ، ثم توقف في مكانه ، ورمق "لان لان " التي تقف على مقربة منه بنظرات ملؤها الريبة ، ولم يكد يرد عليها حتى بادرها متسائلاً "لا أستطيع إدراك كيف لمحاضرة توعوية حول السلامة في الحرم الجامعي أن تكون ذات قيمة استثمارية تجذب الرعاة ؟ "
ثم أردف ساخراً "لا يمكن أن يكون السبب مجرد كون عائلة 'لان لان ' ثرية لدرجة أنها ترعى ما تشاء من فعاليات ، أليس كذلك ؟ "
لقد مرت بضع سنوات منذ أن أتيحت لـ "تشين مو " فرصة تناول العشاء مع "لان شينغ شينغ " والد "لان لان " وذلك بفضل صلات تجمعه برجل مسن ، وخلال تلك المأدبة ، دخل "لان شينغ شينغ " في نقاش طويل وحيوي مع الرجل المسن حول تربية الأبناء ، حيث ذكر حينها أن ابنته تنهل من علوم الاستثمار تحت إشرافه منذ نعومة أظفارها.
علاوة على ذلك كان "تشين مو " يفتخر بلقائه بالعديد من أبناء الأثرياء ، وهؤلاء ، رغم فاحش ثرائهم ، ليسوا بالحمقى بالتأكيد. إن رغبة "لان لان " في رعاية محاضرة حول سلامة الغذاء لا بد وأن تخفي خلفها منفعة ما. والأدهى أن هذه "المنفعة " لا بد أن تمر من خلاله ، بصفته طبيب الجامعة ، قبل أن تتحقق.
وفي مواجهة نظرات "تشين مو " الحذرة كانت ابتسامة "لان لان " صادقة بشكل مدهش ، إذ قالت "دكتور تشين ، أريد لشركة الفطر الخاصة بوالدتي أن ترعى محاضرة التوعية بالسلامة ".
اتسعت عينا "تشين مو " ذهولاً " ؟ ؟ ؟ "
—
"يا للهول! إنها بارعة في فن التجارة! "
"شركة فطر تقدم محاضرة عن السلامة لطلاب من 'مقاطعة الفطر '. هل هذه محاضرة توعوية ، أم أن جامعة 'هاي مدينة ' تدعو الذئب ليدخل عرينها ؟ "
"دكتور تشين: هل تدرك ما تقوله! "
"من منظور دكتور تشين ، الأمر يبدو محبطاً حقاً ، أشعر بمعاناته... "
"لا تتاسرعوا في لوم 'لان لان ' ، فأنا أعتقد دائماً أن من ينجح في الوصول لمنصب رئيس اتحاد الطلبة لا بد أن يمتلك دهاءً ومهارة ، فإذا كانت 'لان لان ' قد بادرت بالحديث ، فهي بلا شك واثقة من قدرتها على إقناع دكتور تشين ، أليس كذلك ؟ "
"ها! إن نجحت فعلاً في إقناعه ، فسأقوم ببث مباشر وأنا آكل العذرة مقلوباً! "
" ؟ ؟ ؟ "
"واو ، لقد بالغت في الرهان ، أليس كذلك ؟ "
"يا أخي ، إن قمت بالبث ، فتأكد من مناداتي ، يمكنني أن أمدك ببعض الوجبات الطازجة! "
"تباً! كيف أصبحت التعليقات مقززة هكذا ؟! "
"... "
—
بدأ الصداع يداهم "تشين مو " مجدداً ، فأخذ نفساً عميقاً ليتمالك أعصابه ، وسأل "لان لان ، هل تدركين سبب رغبة الجامعة في عقد هذه المحاضرة التوعوية ؟ "
أومأت "لان لان " برأسها ، ولم تتراجع قيد أنملة أمام ريبة "تشين مو " بل أجابت بكل بساطة "دكتور تشين و كلٌ يرى الأمور من زاوية مختلفة! فمن منظوري ، الغاية من هذه المحاضرة تعليمية بحتة ؛ تهدف لإخبار أبناء جلدتنا من 'مقاطعة الفطر ' بأي أنواع الفطر صالحة للأكل وأيها سام ، وكم يحتاج كل نوع منها من وقت للطهي ".
أومأ "تشين مو " موافقاً ، لكن نظراته تجاه "لان لان " ظلت مشوبة بالحذر ، فتابعت قائلة "بالنسبة لنا ، كأطفال ترعرعنا على تناول حساء الفطر اللذيذ ، يجب أن تقوم توعية السلامة على الإرشاد لا على المنع والتقييد! إنهم لن يتوقفوا عن تناول الفطر طيلة حياتهم ، لذا فإن وجود شركة متخصصة في بيع الفطر كراعٍ لهذه المحاضرة يعد أمراً جوهرياً ".
رفع "تشين مو " حاجباً ، ولما رأت "لان لان " استعداده للاستماع ، ابتسمت وأشارت له ليكمل ، ثم قالت "دكتور تشين ، الوقوف ليس مريحاً للنقاش لم لا... "
دس "تشين مو " يديه في جيبي معطفه الأبيض ، واستدار عائداً إلى مقعده ، فلحقت به "لان لان " وجلست في المقابل ، وقالت "دكتور تشين ، دعنا نفترض فرضية ؛ هل من الممكن أن الجامعة تلوح بخصم النقاط كنوع من التهديد الفارغ ، وأنها لن تقدم على ذلك فعلياً ؟ لأنها لو فعلت ، وبغض النظر عن نواياها ، فإنها ستُتهم بالتمييز الإقليمي من قبل المتربصين ".
"تشين مو " "... "
فتح فمه ليتحدث ، ثم التفت نحو كاميرا البث الجانبية ، وشعر بمرارة في حلقه ، وبعد صمتٍ قال "لان لان ، بعض الأمور يفضل أن تظل طي الكتمان ؛ لأن التصريح بها علانية سيضع الجامعة في حرج لاحقاً ".
لقد كان هدف الجامعة من استخدام ورقة "خصم النقاط " هو دفع أكبر عدد ممكن من طلاب "مقاطعة الفطر " لحضور المحاضرة ، والآن ، بكلمة صريحة من "لان لان " انكشفت أوراقهم...
—
"قبل أن تتحدث 'لان لان ' لم يخطر ببالي قط أن خصم النقاط كان مجرد تكتيك للتخويف! "
"في الواقع ، خامرني هذا الشك منذ فترة. فالإشعار الصادر عن الجامعة ، رغم أنه وصل عبر مستشاري الفصول لم يحمل الختم الرسمي لجامعة 'هاي مدينة '. "
"عدت وتفحصت الصورة عبر الإنترنت ، وبالفعل لم يكن هناك ختم. و لقد تركت جامعة 'هاي مدينة ' لنفسها مخرجاً من البداية! "
"لكن الوضع اختلف الآن ، فجامعة 'هاي مدينة ' لم تعد بحاجة لمخرج لأن 'لان لان ' قد قطعت عليهم الطريق. "
"لماذا لم تتحدث 'لان لان ' مع نائب المدير أو العميد مباشرة ؟ "
"ربما لأن دكتور تشين هو من طالب بالمحاضرة ، فهي تتفاوض معه أولاً ؟ "
"... "
—
رأى "تشين مو " الارتباك على وجهه في الانعكاس ، فقالت "لان لان " بهدوء "دكتور تشين ، إذا كنتُ أنا قد استنتجت ذلك ألا تعتقد أن بقية طلاب 'مقاطعة الفطر ' قد استنتجوا الأمر ذاته ؟ وفي نهاية المطاف ، ستتزايد هذه الشكوك في مجموعات الدردشة الخاصة بالطلاب ، مما سيؤدي إلى عزوف كبير عن حضور المحاضرة يومها ".
بقي "تشين مو " عاجزاً عن الكلام ، ومع أنه كره الاعتراف بذلك إلا أن الاحتمال الذي طرحته "لان لان " وارد فعلاً.
تابعت "لان لان " "ولكن ماذا لو تضمنت محاضرة سلامة الغذاء ما يجذبهم ؟ ماذا لو أقمنا وليمة فطر داخل الحرم الجامعي ؟ "
"تشين مو " "هاه ؟ "
بات من الصعب عليه مجاراة أفكار "لان لان " المتلاحقة.
قالت "لان لان " "سنعرض كافة أنواع الفطر الصالحة للأكل في الوليمة ، ليتعلموا ويأكلوا في آن واحد. لا أظن أن هناك الكثير من طلاب 'مقاطعة الفطر ' سيرفضون هذا النوع من المحاضرات التوعوية ، أليس كذلك ؟ "
كان "تشين مو " على وشك الرد ، حين سُمع فجأة صوت "غط " مرتين من خلفه ، فالتفت ليجد المصور يمسك الكاميرا بيد ، ويمسح فمه باليد الأخرى ، وحين التقت نظراتهما ، قال المصور مرتبكاً "دكتور تشين ، أؤكد لك أنني لم أفكر يوماً في التخلي عنك من أجل تصوير وليمة الفطر لم أفكر في ذلك أبداً! "
"تشين مو " "... "
كان ليكون أكثر إقناعاً لو أنه لم ينطق بكلمة.
تنهد "تشين مو " وأعاد نظره لـ "لان لان " "لكنني لا أزال لا أفهم ، كيف ستجنين أنتِ أو شركة والدتك أي ربح من رعاية هذه المحاضرة عبر هذه الوليمة ؟ فالفطر الذي على المائدة ، وقد بحثت عنه عبر الإنترنت ، لا تتجاوز تكلفته بضعة أرقام ، ومع أنه ثمين إلا أنه ليس نادراً لدرجة يصعب معها شراؤه من السوق ".
ضحكت "لان لان " وقاطعت "تشين مو " "دكتور تشين ، هل تحاول القول إنني أواجه مجموعة من طلاب الجامعات غير القادرين على تحمل تكاليف الفطر ، وبالتالي فإن هذه الرعاية لن تجلب لي أو لوالدتي أي منفعة ؟ "
وعندما أومأ "تشين مو " برأسه ، أخرجت "لان لان " هاتفها ، وفتحت قائمة "التريند " على موقع "ويبو " وناولته الهاتف قائلة "ربما يجدر بك يا دكتور تشين إلقاء نظرة على هذا ؟ "