الفصل السادس والتسعون: الفصل الثامن والستون: رغبة "لي يانغ "
"رنين… رنين… رنين… "
دوى جرس الاستيقاظ بصخبه المعتاد.
حين استعاد "لي يانغ " وعيه ، وجد نفسه داخل مهجع الطلاب. انتابه شعور جارف بأنه قد نسي شيئاً بالغ الأهمية ، ولكن مهما حاول استحضاره ، استعصت عليه الذاكرة.
لاح له طيف مبهم من حلم بدا وكأنه يجادل فيه معلماً ، ويكيل له التوبيخ بحدة وقسوة.
تمتم في نفسه "لِحُسن الحظ لم يكن سوى حلم ".
فرك "لي يانغ " عينيه ، فانقبضت أساريره حين وقع نظره على كلمتين خُطَّتا في راحة يده:
«الارتقاء إلى مرتبة الألوهية».
"هل كنت أمشي وأنا نائم ؟ ثمة خطب ما ".
لم يقدم "لي يانغ " يوماً على فعل عبثي منذ نعومة أظفاره ؛ لذا فلا بد أن هاتين الكلمتين في كفّه هما تذكرة لأمر جلل. التقط قلم الحبر الجاف من بجانب وسادته وأعاد تحبير الكلمتين خشية النسيان ، فقد كان يثق في حدسه ثقةً عمياء لا تشوبها شائبة.
سأله رفيقه في السكن "دا وي " "لي يانغ ، اليوم موعد إلقاء خطاب المنحة الدراسية ، هل جهزت مسودتك ؟ ".
كان اسمه الحقيقي "وانغ شوتسنغ " ولُقّب بهذا الاسم نظراً لعرجٍ أصاب ساقه جراء مرض في طفولته.
أجاب "لي يانغ " "نعم ، كتبتها ".
تنفس "دا وي " الصعداء قائلاً "كنت أخشى أن تأخذك العزة بالإثم وتترفع عن المنافسة عليها. صحتك ليست على ما يرام ، وأنت وحيد عائلتك ؛ فإذا لم تنل هذه المنحة ، أخشى ألا تجد قوتاً ليومك ".
صمت "دا وي " لبرهة ثم أردف "المنحة لك لا محالة ، فلا يوجد في الفصل من هو أسوأ حالاً منك ".
تحدث "دا وي " دون أن يزن كلماته ، لكنه كان نقي السريرة وصديقاً مقرباً لـ "لي يانغ " منذ أيام الثانوية.
ابتسم "لي يانغ " ابتسامة واهنة ، وفجأة قال "دا وي " "تبدو مختلفاً بعض الشيء ؟ ".
نظر إليه "لي يانغ " بحيرة ، فحك "دا وي " رأسه وقال "لقد كنت تتصرف بغرابة في الأيام القليلة الماضية ، والحمد للإله أنك عدت إلى طبيعتك الآن. فكنت قلقاً من أن فجيعة رحيل جدتك قد أثّرت فيك بعمق لدرجة قد تفقدك صوابك ".
غرق "لي يانغ " في تفكيره ؛ كان يشعر دوماً بأنه نسي شيئاً مصيرياً ، حلم طويل عاشه في زمن مجهول. كل شيء في ذلك الحلم بات يتلاشى ويغدو أكثر ضبابية ، ولم يتبقَّ في ذاكرته سوى صورة قطة عائلته وهي تتحول إلى الفتاة الصغيرة.
فكر في نفسه "ربما عليّ أن أبحث عن حبيبة ، أو شيء من هذا القبيل "….
في الحصة الثالثة صباحاً ، داخل قاعة الدرس.
كان على الراغبين في نيل المنحة الوقوف على المنصة وإلقاء كلمة. الطلاب الحائزون على أكبر عدد من الأصوات ، مع خطاب توصية من معلم الفصل ، هم من يتأهلون للمنحة. فلم يكن المبلغ ضخماً ، ألف يوان فحسب ، لكنها كانت كفيلة بسداد مصاريف طعام "لي يانغ " لثلاثة أشهر ؛ ولو استطاع تدبير أمره حتى عطلة الصيف ، لتمكن من العمل بدوام جزئي لتوفير نفقات الفصل الدراسي القادم.
ارتقى "لي يانغ " المنصة. و في ذلك الوقت كان شاباً يفتقر إلى الثقة ولا يحسن من القول شيئاً. ولكن ، في سبيل إتمام دراسته وتحقيق أمنية جدته الراحلة في أن يصبح طبيباً ، بسط "لي يانغ " جراحه الغائرة التي لطالما كره ذكرها أمام زملائه الذين يقضي معهم يومه.
تحدث عن رحيل والديه ، وعن جدته التي كانت تعيش على معونات بسيطة وتجمع النفايات الورقية لتعول تعليمه. ذكر معاناته من سوء التغذية ، والدوار الذي يداهمه ، وآلام المعدة الحادة التي تنهش جسده. والآن بعد رحيل جدته ، بات يواجه خطر الجوع.
وبينما كان يسرد معاناته ، استغرق في تقمص دوره الماضي بعمق حتى بدت له تلك الذكريات وكأنها خيال كابوسي. وأخيراً ، نظر إلى زملائه بعينين يملؤهما الانكسار ، ورسم على وجهه ابتسامة متكلفة تنم عن التودد والاستعطاف وقال:
"آمل أن تمنحوني أصواتكم ، وآمل أن يزكيني المعلم ".
كان واثقاً أن الأمور ستسير على ما يرام ، فالمفترض في المنحة أن تُمنح لمستحقيها بإنصاف.
ولكن ما إن أنهى حديثه حتى انفجر "تشانغ بنغ " و "تشي شينهانغ " بالضحك ، وأتبعهما بقية الطلاب بضحكات سخرية ملأت الأرجاء ، ونظرات تزدري حاله.
"ماتت جدتك ؟ عائلتك فقيرة ، هاه ؟ "
"للحقيقة يا لي يانغ أنت الأكثر إثارة للسخرية بيننا ".
"مثير للسخرية حقاً ، لكن قصتك تفتقر إلى الإبداع ".
تجمد "لي يانغ " في مكانه ، غارقاً في حيرته ، وعاد إلى مقعده تحت إلحاح المعلم.
ارتقى "تشانغ بنغ " المنصة بكل ثقة ، وتحدث عن "مشقاته " المزعومة وضيق حال عائلته.
انفغرت فجوة "لي يانغ " من الدهشة ؛ أليست عائلة "تشانغ بنغ " ثرية ؟ ألا يقود والده سيارة مرسيدس ؟
وفي الختام ، أخرج "تشانغ بنغ " بتصنع "شهادة إثبات فقر ".
صُعق "لي يانغ " مما يرى. عاد "تشانغ بنغ " إلى مقعده ، وهمس في أذن "لي يانغ ":
"ثمانون بالمائة من الفصل سيصوتون لي. و لقد أخبرتهم أنني إذا حصلت على هذه الألف ، سأدعوهم لتناول البرغر. هه ، البرغر سيكلف مائتي يوان ، وستبقى لي ثمانمائة ".
وبالفعل ، حصد "تشانغ بنغ " أعلى الأصوات. ظل "لي يانغ " يحدق بذهول في شهادة الفقر التي يحملها "تشانغ بنغ ". لقد اتضح أن حتى الحقوق العادلة لا ينالها إلا المستعدون لها بالمكر.
نظر "لي يانغ " إلى المعلم بعينين يملؤهما التمني ؛ فهذه الألف يوان لا تمثل لـ "تشانغ بنغ " سوى ليلة لهو عابرة ، لكنها لـ "لي يانغ " طوق نجاة. فلم يكن يطلب من المعلم محاباة ، بل كان يأمل فقط أن يتذكر المعلم مدى ثراء عائلة "تشانغ بنغ " ويحقق العدل.
بيد أن "تشانغ بنغ " رمق المعلم بابتسامة تحمل تفاهماً مشتركاً ، فبادله المعلم "سون لين " بنظرة عتاب مصطنعة. و أدرك "لي يانغ " مغزى هذا التبادل الصامت.
همس "تشانغ بنغ " "علاقتي بالمعلم وطيدة أيضاً ".
نظر إليه "لي يانغ " بعدم تصديق ؛ لقد أدرك الآن أن حتى العدالة تحتاج إلى وساطات وعلاقات. دارت الدنيا في عينيه ، وتسارعت نبضات قلبه ، وشعر بمرارة اليأس تجتاح روحه.
فجأة ، لمحت عينه شيئاً غريباً ؛ فتاة تجلس على حافة النافذة ، تحرك ساقيها في الهواء.
اتسعت عيناه ذهولاً ؛ كيف لا يراها المعلم ولا الطلاب ؟
قالت الفتاة بعبوس ظاهر "أيها الوغد يا لي يانغ. هل تعلم الثمن الذي دفعته لألج أحلامك الإلهية ؟ لقد كدت تضيع في دهاليز الحلم. حقاً ، ليس بمقدور الجميع أن يصيروا آلهة. لولا حذرك وتركك تلك العلامة لنفسك ، لربما غططت في سبات أبدي ".
شعر "لي يانغ " بصداع يكاد يفجر رأسه. أمسك برأسه ، ورأى الكلمتين: «الارتقاء إلى مرتبة الألوهية» على كفه. انهمرت الذكريات كالسيل الجارف ، استعاد كل شيء ، وتغيرت ملامحه تماماً.
نظر "لي يانغ " إلى المنصة ببرود وجفاء. حيث كان المعلم قد انتهى للتو من كتابة خطاب التوصية لـ "تشانغ بنغ " مستعداً لرفعه إلى الشؤون الأكاديمية.
تمتم "لي يانغ " "المدرسة حقاً مكان للنمو ، لقد علمتني الكثير ".
ابتسمت "السلف سو " قائلة "لا عجب أن شخصيتك تغيرت كثيراً بعد التخرج من الثانوية ، يبدو أنك تملك قصة كهذه. و أنا أفضل هيئتك المتحولة هذه ، كأنك شبل ذئب ثائر ".
نهض "لي يانغ " مستعداً لمغادرة هذا الكابوس. قطب المعلم "سون لين " جبينه وقال "من سمح لك بالوقوف ؟ ".
ضحك "لي يانغ " بسخرية ذاتية وهز رأسه "لقد أصبت بمرض عضال في سنتي الثالثة من الثانوية ونسيت أشياء كثيرة ".
ثم خفض نظره نحو "تشانغ بنغ " قائلاً بنبرة هادئة "كدت أنساك أنت أيضاً ، انتظرني حتى أصل إليك ".
قال "تشانغ بنغ " بدهشة "ما هذا الهراء ؟ ".
فرقع "لي يانغ " أصابعه ، فظهرت دوائر سحرية في كل زاوية من زوايا الفصل. انبثق منها عدد لا يحصى من الموتى السائرين (الميت الحى) وهم يطلقون عواءً مرعباً ؛ كانت تلك هي الوحوش التي خرجت من المختبر السري لمصح "العشب الأخضر ". فبعد القضاء عليها لم يفرط فيها "لي يانغ " بل فى الجوار جميعاً إلى خدم من الموتى.
تعالت الصرخات المذعورة في الفصل. كسا الرعب وجه "تشانغ بنغ " وانهار "سون لين " على الأرض يائساً. حيث كانت نظراتهم نحو "لي يانغ " مزيجاً من الخوف والتيه ، فقد أدركوا أن هذا من صنعه.
طرأ تحول جذري على "لي يانغ " ؛ تلاشى زيه المدرسي ، وحلت محله حلة سوداء أنيقة ومعطف خندق أسود. وضع قبعته المستديرة فوق رأسه ، وخطا خارج الفصل….
حين استيقظ مجدداً ، وجد نفسه في "فيلا منتصف الجبل ". غمره شعور بالراحة لم يعهده من قبل تماماً كما حدث حين وصلت قواه الروحية إلى المرتبة الثانية لأول مرة. أصبحت قوة روحه منيعة ، قادرة على امتصاص "قوة الإيمان " ذاتياً ، وهي الخطوة الأولى نحو الارتقاء إلى مرتبة الألوهية.
جثت الملاك الساقط "تشين يوتشي " بوقار وقالت "مبارك لك يا سيدي! ".
لمح "لي يانغ " الفتاة "السلف سو " وقد غلبها النعاس على الأرض من شدة الإعياء ؛ فحملها برفق ، ووضعها على السرير ، ودثرها باللحاف.
"همم ؟ "
اكتشف "لي يانغ " شيئاً مفاجئاً ؛ لمعت في عينيه رموز سوداء وهو يتفحص كيانه ، وفي تلك اللحظة ، وجد في داخله "قوة رغبة " عارمة!