الفصل 461: الفصل 529: استجداء العون من إله الموت
بحر الجنوب ، جبل "بروكيد ".
"نقيق.. نقيق.. نقيق. "
ظهرت دائرة سحرية سوداء ضخمة في غابة الجبل ، وانتشرت هالتها المشؤومة كقطرة حبر في الماء. ومن وسط تلك الدائرة قفز ضفدع الموت العملاق.
"نقيق.. نقيق.. نقيق. "
جثم الضفدع في الغابة برهةً ، وكأنه يتحقق من خلو المكان من المخاطر قبل أن يفتح فاه الواسع ، فلفظ مجموعة من نساء وأطفال "ساكورا الشرقية " ذوات الهندام الأنيق. وما إن أتم مهمته حتى قفز الضفدع عائداً إلى الدائرة السحرية وتلاشى دون أثر.
كان الأطفال يتشبثون بأيدي أمهاتهم بقوة ، بينما كانت الأمهات يتلفتن حولهن بذعر كغزلان مذعورة ؛ فقد كدن يمتن رعباً إثر المحاولة الوشيكة للجنود لإبادتهن. ولحسن الحظ ، استخدم "السيد الشاب " فجأة تقنية ما ، واستدعى ذلك الضفدع العملاق لينقذهن.
لكن.. أين نحن الآن ؟ وهل المكان آمن ؟
اتجهت أنظار النساء والأطفال جميعاً نحو "السيدة باي ". فهؤلاء النسوة اللواتي كنّ يغبطنها سابقاً لكونها الوحيدة التي تحظى بحظوة "ملك الشياطين العظيم " أصبحن الآن يعتمدن عليها كلياً.
كانت السيدة باي تجلس على الأرض ، تهز طفلها "سيشومارو " بلطف في أحضانها. تقلب الصغير في حجرها ، متمتماً بكلمات غير مفهومة أثناء نومه. و شعرت السيدة باي بالارتياح ، إذ أدركت أن طفلها منهك فحسب ، ولا يعاني من خطب جلل.
اقتربت "أسوكا " من السيدة باي ، وأخذت تمسح المكان بحذر ، ثم سألت بصوت خافت:
"سيدتى ، هل تدرين أين نحن ؟ "
أطلت السيدة باي بنظرها فرأت فيلا تلوح في الأفق البعيد ، فأدركت الأمر على الفور وقالت:
"هذا بحر الجنوب في مملكة شيا. "
ذُهلت أسوكا للحظة ، وسألت بذهول:
"مملكة شيا ؟ أهذا هو بحر مملكة شيا ؟ "
أيعقل أن السيد الشاب استخدم السحر لينقلهم إلى هنا ؟ نظرت أسوكا إلى سيشومارو بإعجاب ؛ فبما أن ملك الشياطين العظيم كان يملك القدرة على اختراق المكان ، فيبدو أن السيد الشاب قد ورث مواهبه تماماً!
سألت أسوكا:
"إذاً ، هل نحن في أمان هنا ؟ وهل سيطاردنا رجال رئيس الوزراء ؟ ألا يجدر بنا أن نجد مكاناً للاستقرار والاختفاء سريعاً ؟ "
في غياب ملك الشياطين العظيم كانت السيدة باي هي الركيزة التي يستند إليها الجميع. أجابتها السيدة باي:
"ليس في العالم بأسره مكان أكثر أماناً من هنا. "
وما إن قالت ذلك حتى وقفت حاملةً سيشومارو ، وأردفت:
"استرحن هنا أولاً ، سأذهب إلى تلك الفيلا ؛ فهناك من يستطيع حمايتنا. "
سارعت أسوكا لأخذ "السيد الشاب سيشومارو " من ذراعي السيدة باي. فإذا كان هناك شخص تعرفه السيدة باي هنا وتعتبره "السيداً " فلا بد أنه شخص مهيب. أتساءلت في نفسها "أمن اللائق مقابلة شخصية بهذه المكانة ونحن نحمل طفلاً ؟ "
لكن السيدة باي تفادت يدي أسوكا بغير توقع ، وقالت:
"إذا أردنا طلب العون من ذلك السيد ، فيجب أن نصحب سيشومارو معنا. "
سحبت أسوكا يديها ، ورغم حيرتها ، انصاعت لرغبة السيدة باي ، وهمست:
"يبدو وكأن هناك احتمالاً ألا يساعدنا ذلك السيد. هل الأمر محفوف بالمخاطر ؟ هل أرافقكِ لحمايتكِ ؟ "
هزت السيدة باي رأسها:
"ذلك السيد ذو طبع حاد ، قد أواجه خطراً وحدي ، لكن بوجود سيشومارو ، سيكون كل شيء على ما يرام. "
ففي اعتقادها كان "لي يانغ " أشرس الأشرس حتى إن زوجها كان لا يملك أمامه إلا الانحناء والخضوع. لم تكن تدري إن كان سيساعدهم أم لا ، لكنها أيقنت أن وجود سيشومارو قد يلين قلبه ؛ فالعلامة التي على جبين الطفل لم تكن سوى هدية من لي يانغ نفسه....
فيلا "نصف الجبل ".
كانت "السلف سو " و "مينغ يو " تشاهدان الانمى في الطابق الثاني. وفي الردهة كان لي يانغ يجلس على الأريكة يدخن ، وأمامه شاب طويل الشعر يرتدي ثياباً سوداء يركع على ركبتيه ؛ كان ذلك "كرو ".
لقد خرج كرو من خلوته بعد أن بلغ أخيراً المستوى السادس ، ليصدمه نبأ وفاة صديقه "يي فان " على يد "العرق السماوي ".
"سيدي ، يؤلمني قلبي هنا. أشعر وكأنني عليل ، لكنني لا أعرف السبب. "
أشار كرو إلى صدره ووجهه يملؤه الارتباك. فلم يكن به أي جرح ظاهري ، فلماذا يشعر بقلبه يتمزق ؟ رغم كونه إمبراطوراً للعرق الشيطاني إلا أنه لم يختبر قط فراقاً حقيقياً. فقد كانت الصراعات بين شياطين جبل "تشانغ باي " وإدارة الأمن مستمرة ، ومات منهم الكثير ؛ لكن بالنسبة لكرو لم يكن هؤلاء يعنون له شيئاً تماماً كالنمل الذي يراه صدفة أو كالنحل الطائر فوق رأسه. حيث كان يظن أن "القرد الصغير عديم القلب " و "يي فان " لا يختلفان عن ذلك النمل والنحل.
لكن ما إن سمع بنبأ وفاة يي فان حتى اعترته آلام مبرحة ؛ ظن حينها أنه مصاب بجرح أو ملعون بلعنة ما. و هذا الألم أرهبه لدرجة دفعته لطلب العون من لي يانغ في بحر الجنوب.
تناول لي يانغ سيجارة من جيبه وقذفها أمام كرو. ذُهل كرو للحظة ، ثم التقطها ووضعها في فمه. انحنى لي يانغ ليشعل له السيجارة ، فشعر كرو بالشرف ، لكنه كان يفتقر للطاقة للرفض ، فأخذ ينفث الدخان بارتباك. وما إن اشتعلت حتى سعل كرو من شدة الدخان ؛ لم يفهم لمَ يحب لي يانغ هذا الشيء الكريه. ورأى لي يانغ يراقبه بصمت ، فقلده وأخذ نفساً آخر.
(التدخين مضر بالصحة ؛ إن لم تكن كائناً خارقاً برئتين من حديد ، فلا تحاول التقليد).
خز الطعم اللاذع حلقه واندفع إلى رأسه ، وبفعل النيكوتين ، شعر بتحسن طفيف ، لكنه رغم ذلك كان يستشعر المخاطر الكامنة في الدخان. و نظر إلى لي يانغ بحيرة وقال:
"سيدي ، يجب أن تقلل من تدخين هذا الشيء. "
قال لي يانغ مازحاً:
"هناك فئة من الناس عبر الإنترنت يقولون إن التدخين يضر الرئتين ، لا القلب. "
حفظ كرو هذه العبارة في ذاكرته بجدية ، معتقداً أنها قد تكون الترياق لوجع قلبه. أتساءل "هل يعاني سيدي ، مثلي تماماً ، من قلب ملعون يجرعه ألماً لا يطاق ؟ "
أطفأ لي يانغ سيجارته وقال:
"هذا الشيء أشبه بتبرج النساء و كله زيف. فالأحمال التي كُتب عليك حملها ستظل تئن تحت وطأتها. و هذا ليس إلا هروباً مؤقتاً ، لكي نصبح جبناء.. جبناء معقولين. "
لم يفسر لي يانغ سبب وجع قلب كرو بعد ، لكن كرو فهم مقصده ؛ فقد مات صديقه ولن يعود أبداً ، وعليه أن يتجرع غصة هذا الفراق.
في تلك اللحظة ، التفت لي يانغ وكرو نحو المدخل ، فقد كان هناك قادم. تعالت وقع الخطوات ، وفُتح باب الفيلا ، فدخلت امرأة بيضاء الشعر ترتدي رداء "ساكورا " تحمل صبياً بين ذراعيها. حيث كانت تبدو منهكة ، وعلى وجهها آثار دموع واهنة.
وقف كرو فجأة واتسعت عيناه ؛ لقد عرفها ، إنها زوجة "شياو هاي ".
ما الذي حدث ؟
انتاب كرو شعور مشؤوم ، وتملكه خوف جعل قلبه يتألم من جديد. انحنت السيدة باي برفق ، ونظرت إلى الرجلين بالداخل ، وتوسلت والدموع تنهمر من عينيها:
"سيدي ، أيها الأخ الثاني ، أغيثونا! أنقذوني أنا وابني ، وأنقذوا زوجي! "
"ما الذي حدث لشياو هاي ؟! "
ومن الطابق الثاني ، هبطت سوزو التي كانت تشاهد الانمى مسرعة نحو الأسفل.