خيم الليل على أرجاء البحر الجنوبي ، وعادت "سو يوتانغ " تجرجر خطى جسدها المنهك إلى مبنى "ديتاي ". وما إن ولجت الغرفة حتى التفتت بغتةً نحو الأريكة وقد تملكتها الريبة:
"من هناك ؟! "
فتح "كرو " عينيه ، ورمقها بنظرة باردة تخلو من التعبير قائلاً:
"أيتها الحمقاء! "
في تلك اللحظة التي أبصرت فيها ذلك الشاب ذا الشعر الفاحم والثياب السوداء تملكتها الدهشة وتجمدت في مكانها:
"جلالتك! "
دنت "سو يوتانغ " منه بخطى وئيدة ، ثم جثت بوقار وخرت ساجدةً على الأرض ، بينما كان جسدها الرقيق يرتجف ارتعاشات طفيفة ، وانحدرت دمعة وحيدة من عينها الباقية.
لقد عُرفت دوماً بأنها امرأة صلبة ، مستقلة ، ورجاحة عقلها تسبق عاطفتها ؛ وبفضل دهاءٍ منقطع النظير ، تربعَت على عرش منطقة تطوير البحر الجنوبي ، مشيدةً إمبراطورية تجارية يشار إليها بالبنان. لم تكن "سو يوتانغ " لتذرف الدموع يوماً أمام كائن من كان ، لكنها في حضرة "كرو " بدت كطفلة تجرعت مرارة الظلم طويلاً وهي تغالب عبراتها بصعوبة. و لقد شعرت فجأة وكأنها عثرت على سندها وملاذها ، فانفجرت مشاعرها دون كبح.
رفع "كرو " وجهها الجميل برفق ، وبنبرةٍ يملؤها الحنان قال:
"لقد تجشمتِ الصعاب وعانيتِ الكثير. "
هزت "سو يوتانغ " رأسها نفياً.
تأمل "كرو " وجهها بوضوح ، فاعتصر قلبه الألمُ وعدم التصديق ؛ ومد يده ليمسح محجر عينها اليسرى الخاوي متمتماً:
"من فعل بكِ هذا ؟ "
هنا انهمرت دموعها بلا انقطاع وهي تناديه:
"جلالتك... "
ثم شرعت تقص عليه ما ألمّ بها من خطب.
ما إن أتمت حديثها حتى استحال بصر "كرو " إلى جليد ، واشتعلت في عينيه رغبة عارمة في القتل. حيث أطلق زفرة غضب مدوية ، ثم انطلق محلقاً باتجاه جبل "تشانغباي ".
ظلت "سو يوتانغ " جاثية أمام الأريكة ، ترنو ببصرٍ تائه نحو النوافذ الممتدة من الأرض إلى السقف ؛ حيث كانت الستائر مبعثرة ، والقمر بدراً ساطعاً ، وطيف "كرو " يتلاشى في الأفق....
في جبل "تشانغباي " وتحديداً عند جبل الخوخ ، هبط "كرو " أمام مدخل الكهف.
صاح أحد الشياطين ببهجة غامرة:
"لقد عاد الإمبراطور! "
اندفعت مجموعة من القرود من داخل الكهف ، تهرع يمنة ويسرة ، وتحك آذانها ووجناتها من شدة الحماس.
"لقد عاد الإمبراطور ، لن يجرؤ أحد على استضعافنا بعد الآن! "
تعالت أصوات ثرثرتهم الصاخبة في كل مكان.
خرج القرد الصغير "هارتليس " والثعلب "شياو سان " من الكهف ، فانحنى الثعلب بوقار:
"جلالتك! "
أما القرد الصغير "هارتليس " فقد تشبث بساق "كرو " وكأنه يستند إلى ركن شديد:
"أخي الأكبر ، لقد أخذوا الثالث! "
ضيق "كرو " عينيه وهو يتفحص الشياطين ، وبالفعل لم يقع بصره على "يي فان ". سأل بصوت جهوري:
"ما الذي حدث ؟ "
سارع القرد الصغير بسرد كل ما جرى خلال غيابه.
ارتسمت على وجه "كرو " تعابير معقدة ، ودلف إلى الكهف دون أن ينبس ببنت شفة. جلس على كرسي حجري ، وأطلق زفرة طويلة أخرج بها ما في صدره من ضيق.
كان يصبو في الأصل إلى قيادة العرق الشيطاني للثأر لـ "سو يوتانغ " وتنفيس غضبه ، ولكن... لو فعل ذلك فمن المؤكد أن دماءً كثيرة من الشياطين ستُسفك. و شعر "كرو " وكأن كلا الخيارين مرّ ، فكلا الطرفين بضعة من جسده.
في البداية ، أراد أن يكون "ملكاً " لأن شعور السيادة واستعباد الأتباع كان يروق له ، لكنه بمرور الوقت ، أدرك جسامة مسؤولية "الملك ".
فالملك لا يعني سوء استخدام السلطة ، بل يعني كفالة العيش الكريم لمن ارتضوا أن يكونوا تحت لوائه. الملك الحقيقي لا يزج بشعبه في أتون حربٍ بتهور.
لوح "كرو " بيده ، فركض إليه القرد "هارتليس " متسائلاً:
"أخي الأكبر ، هل حان وقت الانتقام لأجل البشر ؟! "
أجاب "كرو ":
"أحكموا حراسة جبل الخوخ جيداً ، عليّ الذهاب لبرهة. "
فغر القرد فاهه قائلاً:
"أخي ، هل سترحل مجدداً ؟ "...
في الصباح الباكر ، بمحيط جبل "مانغ " وتحديداً في السجن الخاص ؛ حيث الجدران الشاهقة والأسوار المكهربة تحيط بكل شيء. حيث كان القبو تحت الأرض هو المكان الذي يُحتجز فيه السجناء من ذوي القدرات الخاصة.
جاب حراس السجن الممرات مدججين بأسلحتهم ، بينما كانت كاميرات المراقبة تعمل على مدار الساعة دون هوادة. وفي غرفة المراقبة ، وُجد العديد من الضباط بخلاف "المستنيرين " إذ كان هؤلاء الضباط من ذوي الخبرة في مصلحة السجون ، نظراً لندرة "المستنيرين " التي لا تسمح بجعل طاقم السجن بأكمله منهم.
في تلك الأثناء ، أشار أحد الموظفين في غرفة المراقبة إلى زنزانة ما بذهول:
"انظروا! ثمة خطب ما! "
هرع البقية ليستطلعوا الأمر. و بالنسبة للسلطات ، هؤلاء المجرمون من "المستنيرين " هم موارد نادرة ؛ لا يمكن السماح بموتهم ، ولا يمكن منحهم الحرية ، لذا كان الاحتجاز يتسم بصرامة بالغة ، وأي حركة طفيفة في أي زنزانة كفيلة باستنفار الإدارة.
أمام أعين الحراس ، انبعث دخان أسود من جدار إحدى الزنزانات ، وسرعان ما أذاب ثقباً فيه. حيث طار غراب من خلال الثقب ، وجلس على كرسي ، ثم تحول إلى شاب ذي شعر أسود طويل.
قال مدير غرفة المراقبة بصرامة:
"كيف تسلل أحد أفراد العرق الشيطاني إلى هنا ؟! زنزانة من هذه ؟ "
أجاب أحد الحراس:
"إنها الزنزانة رقم 077 ، زنزانة يي فان! "
اندهش المدير لبرهة:
"يي فان ؟ "
بالنظر إلى خلفية "يي فان " مع العرق الشيطاني ، وبمقارنتها بمظهر الشاب ذي الشعر الأسمر ، أصبحت هويته جلية كالشمس. سارع المدير بإخراج هاتفه صائحاً:
"السيد مدير السجن ، الإمبراطور الأسود هنا! "...
داخل زنزانة "يي فان ".
"أخي الأكبر ؟ "
نظر "يي فان " بذهول إلى الغراب الجالس على الكرسي. أومأ الغراب برأسه بلين:
"أأنت بخير ؟ "
شعر "يي فان " أن "كرو " قد اعتراه بعض التغيير ، لكنه لم يستطع تحديد كنهه بالضبط. خفض رأسه قائلاً:
"أنا بخير. "
(طرقات.. طرقات.. طرقات..)
في هذه اللحظة ، ترددت أصوات خطوات منتظمة ومتسارعة خارج الزنزانة. و قال "يي فان " على عجل:
"أخي الأكبر ، لا يمكنك البقاء هنا عليك الرحيل فوراً! "
كان "يي فان " يعلم أن "كرو " لا يفقه الكثير عن قوانين البشر ، وأن اقتحام السجن قد يجر عليه وبالاً عظيماً. و لكن لسوء الحظ كان الأوان قد فات ؛ فقد استجابت إدارة السجن بسرعة خاطفة ، وكان مدير السجن رجلاً خبيراً.
وصل المدير مع ثلة من الحراس المدججين بالأسلحة النارية والتقليديه ، ووقفوا في حالة تأهب قصوى خارج الزنزانة ، وكأن معركة كبرى على وشك الاندلاع.
أمال الغراب رأسه ، ونظر إلى البشر في الخارج ، وسرعان ما التقت عيناه بعيني مدير السجن:
"هل أنت المسؤول هنا ؟ "
دنا مدير السجن من الباب ، وجمع يديه باحترام قائلاً:
"تحياتي ، أيها الإمبراطور الأسود. "
قال الغراب:
"أريد فقط محادثة أخي بضع كلمات ، هل لديك اعتراض على ذلك ؟ "
آثر مدير السجن الصمت.
برز الثعبان الشيطاني من جسد الغراب تدريجياً ، فالتف حوله لبرهة قبل أن يمد رأسه الأسود نحو الباب. أخرج الثعبان لسانه القرمزي الذي أدى لمسه لباب الزنزانة إلى تآكله ، وانزلق أمام عيني مدير السجن.
ابتلع المدير ريقه وهو يشعر بضغط مهول ؛ أهذه هي الهالة القمعية لمخلوق مستنير من الطراز الأول ؟
تحدث الغراب ثانية:
"ألن تمنحني هذا القدر من الاحترام ؟ "
خفض المدير رأسه وقال:
"سأقوم بإبلاغ إدارة الأمن بما حدث اليوم بكل أمانة. "
لوح الغراب بيده:
"كما تشاء. "
تراجع مدير السجن ، بينما ظل الحراس مرابطين عند الباب. رأى "يي فان " أن قوة أخيه الشيطانية لم تنقص ذرة ، فارتسمت على وجهه طيف ابتسامة ورفع إبهامه إعجاباً:
"لله درك ، ما أهيبك! "
غض الغراب بصره قائلاً:
"لا يمكنني أخذك معي الآن. "
بوغت "يي فان " بهذا الكلام ؛ فقد كان يخشى سابقاً أن ينوي الغراب تهريبه ، لكن يبدو أن ذلك لم يكن غايته. تنفس "يي فان " الصعداء وقال:
"لا بأس يا أخي ، أعلم أن لديك ظروفك. و أنا بخير هنا ؛ فبوجودك ، لن يجرؤوا على مسي بسوء. "
قال الغراب:
"سمعت من الأخ الثاني أن معلمك قد أُسر. "
ثم رمق خاتم "يي فان " بنظرة خاطفة:
"أهو ذاك الذي يسكن في الخاتم ؟ "
أومأ "يي فان " برأسه سريعاً:
"نعم ، يا أخي. "
سأل الغراب:
"أين هو ؟ "
عقد "يي فان " يديه متوسلاً:
"إنه في قبضة 'شيي كيلين ' ، أتوسل إليك أن تنقذه! "
أومأ الغراب برأسه:
"اصبر لبضعة أيام أخرى. "
ثم تحول إلى هيئة غراب ، وتلاشى من الزنزانة.
ظل "يي فان " يحدق في الثقب الموجود بالجدار بذهول ؛ لم يفهم لمَ أتى الغراب ؟ هل كان يرمي فقط لإنقاذ معلمه ؟
أما مدير السجن ، حين رأى أن السكون قد خيم على الداخل ، اقترب مسرعاً وأصدر تعليماته:
"أصلحوا هذا الثقب فوراً! وأبلغوا المكتب أن الإمبراطور الأسود كان هنا. "