Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

أحلام ملتوية 276

الغراب يتحرر +


خيم الليل على أرجاء البحر الجنوبي ، وعادت "سو يوتانغ " تجرجر خطى جسدها المنهك إلى مبنى "ديتاي ". وما إن ولجت الغرفة حتى التفتت بغتةً نحو الأريكة وقد تملكتها الريبة:

"من هناك ؟! "

فتح "كرو " عينيه ، ورمقها بنظرة باردة تخلو من التعبير قائلاً:

"أيتها الحمقاء! "

في تلك اللحظة التي أبصرت فيها ذلك الشاب ذا الشعر الفاحم والثياب السوداء تملكتها الدهشة وتجمدت في مكانها:

"جلالتك! "

دنت "سو يوتانغ " منه بخطى وئيدة ، ثم جثت بوقار وخرت ساجدةً على الأرض ، بينما كان جسدها الرقيق يرتجف ارتعاشات طفيفة ، وانحدرت دمعة وحيدة من عينها الباقية.

لقد عُرفت دوماً بأنها امرأة صلبة ، مستقلة ، ورجاحة عقلها تسبق عاطفتها ؛ وبفضل دهاءٍ منقطع النظير ، تربعَت على عرش منطقة تطوير البحر الجنوبي ، مشيدةً إمبراطورية تجارية يشار إليها بالبنان. لم تكن "سو يوتانغ " لتذرف الدموع يوماً أمام كائن من كان ، لكنها في حضرة "كرو " بدت كطفلة تجرعت مرارة الظلم طويلاً وهي تغالب عبراتها بصعوبة. و لقد شعرت فجأة وكأنها عثرت على سندها وملاذها ، فانفجرت مشاعرها دون كبح.

رفع "كرو " وجهها الجميل برفق ، وبنبرةٍ يملؤها الحنان قال:

"لقد تجشمتِ الصعاب وعانيتِ الكثير. "

هزت "سو يوتانغ " رأسها نفياً.

تأمل "كرو " وجهها بوضوح ، فاعتصر قلبه الألمُ وعدم التصديق ؛ ومد يده ليمسح محجر عينها اليسرى الخاوي متمتماً:

"من فعل بكِ هذا ؟ "

هنا انهمرت دموعها بلا انقطاع وهي تناديه:

"جلالتك... "

ثم شرعت تقص عليه ما ألمّ بها من خطب.

ما إن أتمت حديثها حتى استحال بصر "كرو " إلى جليد ، واشتعلت في عينيه رغبة عارمة في القتل. حيث أطلق زفرة غضب مدوية ، ثم انطلق محلقاً باتجاه جبل "تشانغباي ".

ظلت "سو يوتانغ " جاثية أمام الأريكة ، ترنو ببصرٍ تائه نحو النوافذ الممتدة من الأرض إلى السقف ؛ حيث كانت الستائر مبعثرة ، والقمر بدراً ساطعاً ، وطيف "كرو " يتلاشى في الأفق....

في جبل "تشانغباي " وتحديداً عند جبل الخوخ ، هبط "كرو " أمام مدخل الكهف.

صاح أحد الشياطين ببهجة غامرة:

"لقد عاد الإمبراطور! "

اندفعت مجموعة من القرود من داخل الكهف ، تهرع يمنة ويسرة ، وتحك آذانها ووجناتها من شدة الحماس.

"لقد عاد الإمبراطور ، لن يجرؤ أحد على استضعافنا بعد الآن! "

تعالت أصوات ثرثرتهم الصاخبة في كل مكان.

خرج القرد الصغير "هارتليس " والثعلب "شياو سان " من الكهف ، فانحنى الثعلب بوقار:

"جلالتك! "

أما القرد الصغير "هارتليس " فقد تشبث بساق "كرو " وكأنه يستند إلى ركن شديد:

"أخي الأكبر ، لقد أخذوا الثالث! "

ضيق "كرو " عينيه وهو يتفحص الشياطين ، وبالفعل لم يقع بصره على "يي فان ". سأل بصوت جهوري:

"ما الذي حدث ؟ "

سارع القرد الصغير بسرد كل ما جرى خلال غيابه.

ارتسمت على وجه "كرو " تعابير معقدة ، ودلف إلى الكهف دون أن ينبس ببنت شفة. جلس على كرسي حجري ، وأطلق زفرة طويلة أخرج بها ما في صدره من ضيق.

كان يصبو في الأصل إلى قيادة العرق الشيطاني للثأر لـ "سو يوتانغ " وتنفيس غضبه ، ولكن... لو فعل ذلك فمن المؤكد أن دماءً كثيرة من الشياطين ستُسفك. و شعر "كرو " وكأن كلا الخيارين مرّ ، فكلا الطرفين بضعة من جسده.

في البداية ، أراد أن يكون "ملكاً " لأن شعور السيادة واستعباد الأتباع كان يروق له ، لكنه بمرور الوقت ، أدرك جسامة مسؤولية "الملك ".

فالملك لا يعني سوء استخدام السلطة ، بل يعني كفالة العيش الكريم لمن ارتضوا أن يكونوا تحت لوائه. الملك الحقيقي لا يزج بشعبه في أتون حربٍ بتهور.

لوح "كرو " بيده ، فركض إليه القرد "هارتليس " متسائلاً:

"أخي الأكبر ، هل حان وقت الانتقام لأجل البشر ؟! "

أجاب "كرو ":

"أحكموا حراسة جبل الخوخ جيداً ، عليّ الذهاب لبرهة. "

فغر القرد فاهه قائلاً:

"أخي ، هل سترحل مجدداً ؟ "...

في الصباح الباكر ، بمحيط جبل "مانغ " وتحديداً في السجن الخاص ؛ حيث الجدران الشاهقة والأسوار المكهربة تحيط بكل شيء. حيث كان القبو تحت الأرض هو المكان الذي يُحتجز فيه السجناء من ذوي القدرات الخاصة.

جاب حراس السجن الممرات مدججين بأسلحتهم ، بينما كانت كاميرات المراقبة تعمل على مدار الساعة دون هوادة. وفي غرفة المراقبة ، وُجد العديد من الضباط بخلاف "المستنيرين " إذ كان هؤلاء الضباط من ذوي الخبرة في مصلحة السجون ، نظراً لندرة "المستنيرين " التي لا تسمح بجعل طاقم السجن بأكمله منهم.

في تلك الأثناء ، أشار أحد الموظفين في غرفة المراقبة إلى زنزانة ما بذهول:

"انظروا! ثمة خطب ما! "

هرع البقية ليستطلعوا الأمر. و بالنسبة للسلطات ، هؤلاء المجرمون من "المستنيرين " هم موارد نادرة ؛ لا يمكن السماح بموتهم ، ولا يمكن منحهم الحرية ، لذا كان الاحتجاز يتسم بصرامة بالغة ، وأي حركة طفيفة في أي زنزانة كفيلة باستنفار الإدارة.

أمام أعين الحراس ، انبعث دخان أسود من جدار إحدى الزنزانات ، وسرعان ما أذاب ثقباً فيه. حيث طار غراب من خلال الثقب ، وجلس على كرسي ، ثم تحول إلى شاب ذي شعر أسود طويل.

قال مدير غرفة المراقبة بصرامة:

"كيف تسلل أحد أفراد العرق الشيطاني إلى هنا ؟! زنزانة من هذه ؟ "

أجاب أحد الحراس:

"إنها الزنزانة رقم 077 ، زنزانة يي فان! "

اندهش المدير لبرهة:

"يي فان ؟ "

بالنظر إلى خلفية "يي فان " مع العرق الشيطاني ، وبمقارنتها بمظهر الشاب ذي الشعر الأسمر ، أصبحت هويته جلية كالشمس. سارع المدير بإخراج هاتفه صائحاً:

"السيد مدير السجن ، الإمبراطور الأسود هنا! "...

داخل زنزانة "يي فان ".

"أخي الأكبر ؟ "

نظر "يي فان " بذهول إلى الغراب الجالس على الكرسي. أومأ الغراب برأسه بلين:

"أأنت بخير ؟ "

شعر "يي فان " أن "كرو " قد اعتراه بعض التغيير ، لكنه لم يستطع تحديد كنهه بالضبط. خفض رأسه قائلاً:

"أنا بخير. "

(طرقات.. طرقات.. طرقات..)

في هذه اللحظة ، ترددت أصوات خطوات منتظمة ومتسارعة خارج الزنزانة. و قال "يي فان " على عجل:

"أخي الأكبر ، لا يمكنك البقاء هنا عليك الرحيل فوراً! "

كان "يي فان " يعلم أن "كرو " لا يفقه الكثير عن قوانين البشر ، وأن اقتحام السجن قد يجر عليه وبالاً عظيماً. و لكن لسوء الحظ كان الأوان قد فات ؛ فقد استجابت إدارة السجن بسرعة خاطفة ، وكان مدير السجن رجلاً خبيراً.

وصل المدير مع ثلة من الحراس المدججين بالأسلحة النارية والتقليديه ، ووقفوا في حالة تأهب قصوى خارج الزنزانة ، وكأن معركة كبرى على وشك الاندلاع.

أمال الغراب رأسه ، ونظر إلى البشر في الخارج ، وسرعان ما التقت عيناه بعيني مدير السجن:

"هل أنت المسؤول هنا ؟ "

دنا مدير السجن من الباب ، وجمع يديه باحترام قائلاً:

"تحياتي ، أيها الإمبراطور الأسود. "

قال الغراب:

"أريد فقط محادثة أخي بضع كلمات ، هل لديك اعتراض على ذلك ؟ "

آثر مدير السجن الصمت.

برز الثعبان الشيطاني من جسد الغراب تدريجياً ، فالتف حوله لبرهة قبل أن يمد رأسه الأسود نحو الباب. أخرج الثعبان لسانه القرمزي الذي أدى لمسه لباب الزنزانة إلى تآكله ، وانزلق أمام عيني مدير السجن.

ابتلع المدير ريقه وهو يشعر بضغط مهول ؛ أهذه هي الهالة القمعية لمخلوق مستنير من الطراز الأول ؟

تحدث الغراب ثانية:

"ألن تمنحني هذا القدر من الاحترام ؟ "

خفض المدير رأسه وقال:

"سأقوم بإبلاغ إدارة الأمن بما حدث اليوم بكل أمانة. "

لوح الغراب بيده:

"كما تشاء. "

تراجع مدير السجن ، بينما ظل الحراس مرابطين عند الباب. رأى "يي فان " أن قوة أخيه الشيطانية لم تنقص ذرة ، فارتسمت على وجهه طيف ابتسامة ورفع إبهامه إعجاباً:

"لله درك ، ما أهيبك! "

غض الغراب بصره قائلاً:

"لا يمكنني أخذك معي الآن. "

بوغت "يي فان " بهذا الكلام ؛ فقد كان يخشى سابقاً أن ينوي الغراب تهريبه ، لكن يبدو أن ذلك لم يكن غايته. تنفس "يي فان " الصعداء وقال:

"لا بأس يا أخي ، أعلم أن لديك ظروفك. و أنا بخير هنا ؛ فبوجودك ، لن يجرؤوا على مسي بسوء. "

قال الغراب:

"سمعت من الأخ الثاني أن معلمك قد أُسر. "

ثم رمق خاتم "يي فان " بنظرة خاطفة:

"أهو ذاك الذي يسكن في الخاتم ؟ "

أومأ "يي فان " برأسه سريعاً:

"نعم ، يا أخي. "

سأل الغراب:

"أين هو ؟ "

عقد "يي فان " يديه متوسلاً:

"إنه في قبضة 'شيي كيلين ' ، أتوسل إليك أن تنقذه! "

أومأ الغراب برأسه:

"اصبر لبضعة أيام أخرى. "

ثم تحول إلى هيئة غراب ، وتلاشى من الزنزانة.

ظل "يي فان " يحدق في الثقب الموجود بالجدار بذهول ؛ لم يفهم لمَ أتى الغراب ؟ هل كان يرمي فقط لإنقاذ معلمه ؟

أما مدير السجن ، حين رأى أن السكون قد خيم على الداخل ، اقترب مسرعاً وأصدر تعليماته:

"أصلحوا هذا الثقب فوراً! وأبلغوا المكتب أن الإمبراطور الأسود كان هنا. "



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط