الفصل الثامن والتسعون: اللقاء (2)
"لا… لا تؤذه " تمتمت لوميا بذلك بينما بدأت عيناها تتفتحان ببطء. حيث كان أول ما وقع عليه بصرها نخلة جوز هند خضراء باسقة ، تداعبها نسمات الهواء العليلة.
"أين… أين أنا ؟ " اعتدلت في جلستها وأخذت تتفقد المكان فى الجوار ؛ بدا وكأنها في أرض خضراء شاسعة ، حيث تلتفُّ الأشجار الطويلة من كل جانب ، وتغرد طيور غريبة من شأنها أن تجعل أي شخص يتساءل إن كان في غابة استوائية.
"لا يمكن أن يكون هذا واقعاً! " فركت لوميا عينيها مراراً ، ظناً منها أنها لا تزال تغط في حلم عميق. ولكن مهما حاولت إقناع نفسها بأن ما تراه ليس حقيقياً لم تجد لذلك سبيلاً.
"آه! " أمسكت برأسها فجأة ، حيث تدفقت ذكريات ما حدث كالسيل العارم في عقلها.
"لا… مستحيل " همست بضعف ، وقد اغرورقت عيناها بالدموع وهي تستحضر تلك التجربة الصادمة.
"لا يمكن أن يكون قد مات. إنه الملك ، نعم… سوف ينجو ويخرج منها سالماً كما يفعل في كل معركة. " انهمرت العبرات على وجنتيها كحبات اللؤلؤ.
من منظور لوميا…
عندما قذفها "تـروي " بعيداً نحو مدخل القلعة ، حاولت العودة إليه ، لكن الحرس عند المدخل اعترضوا طريقها ومنعوها.
"اتركوني وشأني! " صرخت وهي تقاومهم ، وفجأة شعرت بقلبها ينقبض وهي ترنو بصرها نحو السماء حيث اخترقها شعاع أرجواني مهيب. و بدأ ما يشبه الزجاج الأرجواني الشفاف يتشكل في الفضاء ، ليحيط بالمملكة بأكملها شيئاً فشيئاً. و أدركت في تلك اللحظة أن خطراً داهماً قد وقع ، وأنه تعين عليها العودة إلى الساحة بأقصى سرعة.
"أيتها الأميرة لوميا ، لا يمكنكِ العودة… مهمتنا هي حمايتكِ ، أرجوكِ توجهي إلى داخل أسوار القلعة حيث الأمان " ألحَّ عليها الحراس وهم يقيدون حركتها لمنعها من التقدم.
"لا! أنتم لا تفهمون ، يجب أن أعود إلى هناك ، ثمة خطب ما! " صرخت لوميا ، لكنهم لم يلقوا لها بالاً ، وجروها قسراً إلى داخل أسوار القلعة.
"بـوم! " وقع انفجار مدوٍ على بُعد أمتار قليلة من المجموعة ، فتصاعدت سحب الغبار وتطاير الحطام في كل اتجاه.
"احموا الأميرة! " وقف ستة من حرس الفضاء المسلحين البالغ عددهم خمسة عشر أمام لوميا ، ثلاثة على كل جانب وثلاثة لتأمين المؤخرة. حيث تملك اليأس وجه لوميا وهي تنظر للأمام ، فقد كان لديها حدس بهوية المعتدي.
"همم… لا يمكنكِ الاختباء مني للأبد يا لوميا! في الواقع ، أحمل لكِ أخباراً سارة. و لقد قتلتُ ملككِ المزعوم للتو ، وهذا يعني نظرياً أنني ملكتكم الجديدة ، أليس كذلك ؟ " ضحكت "لين " الشريرة ضحكة خافتة ، وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة خبيثة ماجنة.
"مستحيل! " صاحت لوميا ، وقد برز عرق الغضب في جبينها. "لا يمكن أن تكوني قد قتلتِه أنتِ تكذبين! "
"أكذب ؟ ولماذا قد أكذب يا أيتها الصغيرة الساذجة ؟ " زمجرت "لين " بينما اختلجت عيناها قليلاً. "إن لم تخني ذاكرتي ، فقد غرزتُ سيفه في قلبه ، أو هذا على الأقل ما يخبرني به دمه. " ضحكت "لين " وهي ترفع يديها الملطختين بسائل أحمر مألوف.
للحظة ، بدأ الشك يتسلل إلى قلب لوميا ؛ فمن المؤكد أن ثمة شيئاً غير طبيعي قد حدث. فهي تعلم أن والدها كان ليقضي على هذه المرأة الغريبة بسهولة ، لكن لسبب ما كانت هذه المرأة تضاهي "تـروي " في كل الجوانب.
"اصمتي أيتها الوضيعة! استسلمي الآن لعلنا نأزر بكِ ، أو واجهي حتفكِ! " صرخ الضابط القائد وهو يوجه مسدسه الشعاعي نحو "لين ".
"وضيعة… كيف يجرؤ نغل حقير مثلك على مخاطبتي بهذا الأسلوب ؟ " ارتسم العبوس على وجهها وأحكمت قبضتها. "الرحمة… كم أمقتُ هذه الكلمة اللعينة! "
"بـام! " في لمح البصر كانت "لين " قد وصلت إلى موقع الحارس الأول ، ووجهت لكمة قوية إلى رأسه. انفجر رأس الحارس سيء الحظ على الفور إثر اصطدام قبضة "لين " به.
"برايان… " زحف الخوف ببطء إلى قلوب بقية الحراس وهم يشاهدون رفيقهم يُسحق بسهولة كما تُسحق الحشرة.
"أطلقوا النار! " انطلقت النيران من مختلف البنادق والمدافع والأسلحة نحو "لين ". لكن الأخيرة اختفت من مكانها ببرود ، لتظهر بجانب الحارس الأخير في المقدمة وتركل أحشاءه.
"بـام! " دوي يشبه طلقة رصاص سُمع في الأرجاء ، لينشطر جسد الحارس إلى نصفين. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه "لين " وهي تواصل هجومها الكاسح ، مراوغةً ضربات الحراس وموجهةً ضرباتها القاتلة.
"سيدي ، قواتنا تنهار ، يجب أن نتراجع! " قالت حارسة بصوت متهدج وجسد يرتجف. صرَّ الحارس الأقدم في المجموعة على أسنانه ، مدركاً ألا مفر من هذا المأزق.
"لن نخرج من هنا أحياء ، إنها قوية جداً. " ألقى نظرة خاطفة إلى الخلف ، فرأى نظرات الرعب واليأس في عيون من تبقى من فريقه ، ولم يلمهم على ذلك. ففي أقل من عشرين ثانية ، فتكَت هذه الشخصية الغامضة بثمانية من رجالهم.
"خذوا الأميرة إلى الملاذ الآمن ، سأعطلها لبعض الوقت! " صرخ وهو يندفع لمواجهة "لين ".
"لا… سوف تقتلك! " صاحت لوميا ، لكن الأوان كان قد فات ؛ فقد وصلت "لين " بالفعل إلى مصدر التهديد القادم. ركضت جانباً لتتفادى أسبلاش الطاقة المصوبة نحوها.
"مثير للإعجاب… " ضحكت "لين " وهي ترى هذا الحارس يجاري سرعتها.
"ليس لدي وقت لهذا. " ضربت الأرض بقدمها ، لتندفع في الهواء وتهبط عند مدخل القلعة مباشرة. ومن دون تردد ، شرعت في القضاء على بقية الحراس في غضون ثوانٍ معدودة.
"إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبة أيتها الأميرة ؟ " ضحكت "لين " وهي تقبض على شعر لوميا.
"آه! اتركوني! " قاومت لوميا وعضت يد "لين " مما جعل الأخيرة تئن قليلاً من الألم.
"لقد عضضتِني… أيتها الصغيرة المدللة والمزعجة. " رفعت "لين " يدها وهوت بظهر كفها على عنق لوميا ، لتفقدها الوعي على الفور.
"يجب أن أخرج من هنا. " نهضت لوميا وبدأت تستكشف المنطقة.
"إن كانت قد أحضرتني إلى كوكب آخر ، فهذا يعني وجود جهاز انتقال آني في مكان قريب. " خمنت لوميا أنه إذا كانت بالفعل على كوكب آخر ، فلا بد من وجود جهاز انتقال ؛ فمن المستبعد أن تكون "لين " قد استخدمت سفينة فضاء لنقلها ، لأن ذلك سيستغرق وقتاً أطول بكثير.
سارت قليلاً ، ولم يكن هناك أي أثر لـ "لين " أو لأي شخص آخر ؛ فقط الأشجار والسماء وتلك الطيور اللعينة. شقت طريقها عبر الغابة بينما كانت الأفكار السلبية تغيم على تفكيرها ، لكنها نفضتها عنها ورفضت أن تستسلم لليأس.
"سفينة فضاء! " لمع بريق الأمل في عينيها وهي ترى وسيلة العودة إلى ديارها. اقتربت أكثر ، لكنها شعرت بأن ثمة خطباً ما ؛ إذ لم تتوقع أن يكون هروبها بهذه السهولة.
"بـوم! " في تلك اللحظة ، انفجرت السفينة ، مما أدى إلى قذف لوميا للخلف. وعندما استعادت توازنها ، رأت "لين " واقفة هناك والابتسامة تعلو محياها.
"لم تظني حقاً أنني سأسمح لكِ بالرحيل بهذه السهولة ، أليس كذلك أيتها الأميرة ؟ "
بالعودة إلى مملكة لوميا ، وتحديداً في قاعة العرش كان هناك اجتماع مصغر ينعقد. و في المركز كانت تقبع طاولة مستديرة فى الجوار ستة مقاعد معدنية. حيث كان هناك ثلاثة أشخاص يجلسون بالفعل ، بينما ظلت المقاعد الثلاثة الأخرى شاغرة.
"ما الذي أخرهم كل هذا الوقت ؟ " فكر "الشيخين " في نفسه وهو يسند رأسه على يده ، بينما كانت أصابعه تنقر ببطء على الطاولة المعدنية وهو يحدق أمامه. حيث كان يرتدي رداءً من الحرير الناعم بلون الزبدة ، مزيناً بنقوش بنية مختلفة.
"ليس لدينا وقت لهذا ، هل أنتِ متأكدة من إيصال الرسالة ؟ " زمجر "بوريس " بنفاد صبر واضح ، فقد انتظروا لساعتين الآن. حيث كان يرتدي ثياباً سوداء على طراز العصور الوسطى مع نقوش حمراء تشكل شعار النمر على صدره.
"بالتأكيد يا سيد بوريس… لقد سُلمت الرسالة كما طُلب ، أما مسألة تلبيتهم للدعوة فهي تعود إليهم وحدهم. " تحدثت "أونا " بهدوء ، مما جعل "بوريس " يطلق زفيراً غاضباً وهو يكتف ذراعيه. حيث كانت ترتدي بدلة قتالية زرقاء داكنة ذات تقنية عالية. حيث كان التوتر يسود الغرفة بينما كانوا ينتظرون الضيوف الثلاثة المتبقين.
"بـام! " فُتح البابان الرئيسيان بعنف ، واندفعت شخصية نحو المجموعة. حيث كان رجلاً قصيراً يبلغ طوله حوالي خمسة أقدام وبوصتين ، يبدو في أواخر الأربعينيات من عمره أو ربما أكبر. حيث كان ذا شعر بني يصل إلى كتفيه ، مع حاجبين كثيفين وشارب.
"السيد داروين! اسمح لي أن أرحب بك رسمياً في مملكة لوميا. " قالت "أونا " بنبرة ناعمة وهي تقف وتنحني برأسها قليلاً. أومأ الرجل القصير برأسه نحو "بوريس " و "الشيخين " ثم جلس بجانب "بوريس ".
"بقي اثنان… " همس "الشيخين " والبهجة تداعب عينيه. لاحظ "بوريس " يحدق فيه بغرابة ، لكنه آثر تجاهل صديقه الغاضب. و بعد دقائق قليلة ، وصل شخصان واتجها نحو الطاولة المستديرة.
كانتا امرأتين ؛ بدت إحداهما أكبر سناً من الأخرى ، ولها شعر أشقر متموج ينسدل حتى خصرها ، وعينان زرقاوتان ساحرتان تزيدان بشرتها البيضاء الناعمة جمالاً. حيث كانت ترتدي فستاناً أزرق أنيقاً بفتحة جانبية تصل إلى فخذها ، وفي منتصف الفستان وُضع رمز رقاقة الثلج.
أما الأخرى فكانت أصغر سناً ، ولها شعر أشقر يصل إلى صدرها وبشرة ناعمة فاتحة. حيث كانت ترتدي فستاناً أخضر غريباً قصيراً بلا أكمام يصل إلى ما قبل ركبتيها ، وقُص الجزء السفلي منه على شكل مثلثات ، ولكن لم يكن ذلك هو المثير للانتباه ؛ بل حقيقة أنها كانت تحلق فوق الأرض قليلاً بفضل جناحيها الكريستاليين اللذين كانا يخفقان بسرعة.
"الآنسة إلسا… يسعدنا وجودكِ هنا ، أرجو أن تشعري وكأنكِ في منزلكِ. " انحنت "أونا " فأومأت "إلسا " برأسها بهدوء وجلست.
"السيدة آن! لقد مضى وقت طويل ، تفضلي بالجلوس. " ابتسمت "أونا " وهي تشير لها بالمقعد ، فردت "آن " الابتسامة وجلست بلطف على المقاعد المحلقة.
"إحم! الآن وقد اكتمل الجمع ، يمكننا أخيراً بدء الاجتماع. " ابتسم "الشيخين " وهو ينظر إلى كل الحاضرين.