الفصل 129: أونا.. كاذبة سيئة
تراءى طيفٌ يتحرك عبر أروقة القلعة ؛ باستخدام المصعد الزجاجي ، شقّت طريقها نحو الطابق الأخير ، تتهادى بوقار نحو المخرج. ومع مرورها ، انحنى كل الحراس الذين صادفتهم ، ترتعد أوصالهم وهم يخضعون لهيبتها الطاغية.
فكر أحد الحراس في نفسه "تباً ، إنها باردة كالثلج " وكانت أسنانه تصطك فعلياً ، بينما ظهرت ذرات صغيرة من الصقيع على درعه.
وفكر آخر وهو يتأمل قوامها بحذر "كيف لجمالٍ كهذا أن يكون بكل هذه القسوة ؟ ".
لمحت تلك المرأة نظرات الشهوة في عيون الحراس الذكور وهم يحدقون بها بحسد ، كأنهم ضوارٍ تتربص بفريستها ، فحدثت نفسها "حان الوقت لأذكّر هذه الحشرات بمكانتها ".
قطبت حاجبيها وضمت قبضتها ، وفي اللحظة التالية تشكلت ثلاث أشواك جليدية ، انطلقت بسرعة خاطفة نحو ثلاثة حراس عشوائيين. حيث كانت من السرعة بحيث لم تمنحهم فرصة للرد ، فاخترقت جماجمهم وبرزت من رؤوسهم من الخلف.
"آه… "
تعددت ردود الفعل بين الخوف والغضب والكراهية على وجوه الحراس الباقين ، وهم يحدقون في هذا الظل ذي الدم البارد.
قالت إلسا بهدوء مشوب بالاشمئزاز "لا تظنوا أن عيونكم المنحرفة التي تشتهي جسدي تخفى عليّ. هؤلاء الثلاثة كانوا مجرد عبرة لما يحدث حين تنظرون إلى الموت وجهاً لوجه. اعرفوا قدركم كمجرد حشرات يمكن التخلص منها ، ولربما تعيشون طويلاً بما يكفي للاحتفاظ بأجسادكم ".
لم يجرؤ أحد من الحراس على النطق بكلمة ، وظلوا مطأطئي الرؤوس بينما كانت إلسا تتحدث.
لقد قتلت للتو ثلاثة حراس بدم بارد ، وفي وضح النهار! ولكن واأسفاه لم يكن بمقدورهم فعل شيء تنفيذاً للأوامر التي أصدرها تروي ، ناهيك عن أن هيبتها وحدها كانت كفيلة بإلجامهم.
استدارت إلسا وغادرت القلعة ، ووقفت عند مدخلها ، فأبصرت قامةً تعرفها جيداً تقف في المقدمة ، تحدق نحو القبة الأرجوانية.
تساءلت إلسا وهي تشعر بشيء من المفاجأة لرؤية أونا خارج القلعة "ماذا تفعل هنا ؟ أليس من المفترض أن تكون في حراسة تروي ؟ ".
ناديت إلسا "أونا! " وهي تتقدم نحوها بخطوات ثابتة. التفتت الأخيرة وقد شحب وجهها فور تمييزها للصوت ، ورأت إلسا تقترب منها.
لعنت أونا حظها في سرها "سحقاً! ماذا تريد مني بحق الجحيم ؟ ". لم تكن خائفة من إلسا ، حسناً ، ربما قليلاً ؛ فمن ذا الذي في كامل قواه العقلية لا يخشاها ؟ حتى الملك تروي كان دائماً حذراً في التعامل معها ، ولا يتحدث معها إلا في الأمور العامة. و لكنها ببساطة لم تتوقع رؤيتها في هذه اللحظة.
سألت إلسا وهي تحدق في أونا "ماذا تفعلين هنا ؟ كنت أظن أنكِ مكلفة بحراسة تروي ".
أجابت أونا ، وهي تحرص على إبقاء ملامح وجهها جامدة أمام إلسا لعلمها بمدى ذكائها "في الواقع.. طلب مني الملك تولي شؤون أخرى لكني رفضت في البداية ، ولكن لشدة عناده ، كيف لي أن أرد طلباً للملك ؟ ".
سألت إلسا وعيناها تخترقان أعماق أونا "حقاً ؟ وأي شؤون أخرى أهم من سلامة الملك ؟ ". فور طرح إلسا لهذا السؤال ، بدأ قلب أونا يخفق بشدة في صدرها.
"يا للهول ، كنت أعلم أنها ستطلب! و لماذا يجب أن تكون دائماً منغصة للمخططات ؟ الآن عليّ أن أختلق كذبة محكمة وإلا هلكت ". وبينما كانت تتدبر ما ستقوله ، انسابت حبات العرق ببطء على جبينها رغم برودة الجو ، وعقلها يسابق الزمن كمتسابق محترف في مضمار سريع بحثاً عن كذبة مناسبة.
فكرت إلسا "هذا ليس من شيم أونا. أستطيع أن أجزم أنها تخفي شيئاً ، ولكن لماذا ؟ ". أدركت إلسا أن أونا تخفي عنها أمراً ما ، مستدلةً على ذلك بارتعاش عينيها قليلاً.
انطلقت أونا بأول ما خطر ببالها "إنه.. إنه ذلك القروي ، أجل! ". حدقت إلسا بها بغرابة ، مشوشة مما كانت أونا تهذي به.
"القروي ؟ ما شأنه ؟ ".
تحدثت أونا على عجل بنبرة يشوبها الخوف "حسناً ، لقد طلب مني الملك تفقد السجناء وشركائه في المدينة ، لمعرفة ما إذا كان بإمكاني استخراج أي معلومات منهم ".
نظرت إلسا إلى أونا بجبين مقطب ، وهي ترمق قائدة حراس الفضاء بنظرات غريبة. رأت قطرات العرق تنهمر على وجه أونا ، وبنظرة إلى الأسفل لاحظت أن يديها ترتجفان قليلاً.
ضحكت إلسا في سرها "يا لها من كاذبة فاشلة ". كانت تعلم أن الملك تروي لن يكلف أونا بمثل هذه المهام التافهة في هذا الوقت الحرج ، إذ كان بإمكانه إرسال أي حارس عادي لاستجوابهم ، مما جعلها تتساءل عن سبب كذب أونا عليها.
وتساءلت إلسا في نفسها "ولماذا لم تضعهم في القبو حيث ينتمون مع بقية الرعاع المتدربين ؟ " فقد كان جميع السجناء والمتدربين محتجزين في قبو القلعة ، وحتى لو حدث وباء ، فإن الحراس مكلفون بمسؤولية الحفاظ على النظام داخل القلعة مهما كلف الأمر.
"لم تفعل هذا من قبل ، فلماذا تهتم بهذا القروي الآن ؟ ". استغربت إلسا من هذا التغير المفاجئ في شخصية أونا.
ابتلعت أونا ريقها وهي تدرك أن أمرها قد كُشف "سحقاً ، كنت أعلم أنها لن تنطلي عليها هذه الحيلة. أعني ، تفقد السجناء في هذا الوقت ؟ ".
قالت إلسا بهدوء ، مما جعل أونا تتنفس الصعداء "حسناً إذاً ، بما أنها أوامر الملك ، فهذا لا يعنيني على أي حال ".
ثم لوحت بيدها بلا مبالاة "يمكنك المضي قدماً ". انحنت أونا قليلاً ثم استدارت مبتعدة ، وهي تمسح العرق عن جبينها.
زفرت أونا وهي تسرع خطاها قدر الإمكان بهدوء حتى لا تثير شكوك إلسا أكثر "يا له من موقف عصيب ، كدت أنكشف ".
"انتظري ". وبينما كانت تظن أنها نالت حريتها ، ناداها صوت إلسا من خلفها.
"نعم ، آنسة إلسا ؟ ".
سألت إلسا وهي تلاحظ ابتعاد أونا عنها "إلى أين أنت ذاهبة ؟ ". ثم تنهدت وأردفت "أنتِ ذاهبة إلى المدينة ، أليس كذلك ؟ ".
"ن-نعم ".
"إذن أنت بحاجة إلى مساعدتي أيتها الفتاة الحمقاء. و لهذا السبب كنتِ تنتظرين هنا ، أليس كذلك ؟ ". شعرت أونا بالارتباك وهي تحاول فهم مقصد الآنسة إلسا ، ثم اتسعت عيناها حين أدركت ما كانت تلمح إليه.
"ها-ها! معكِ كل الحق آنسة إلسا. و لقد أخذني الانشغال بكل ما يحدث مؤخراً لدرجة أن الأمر غاب عن بالي ". اقتربت إلسا منها بهدوء ووضعت يدها على كتف أونا.
قالت إلسا بابتسامة خفيفة ، جعلت أونا ترتعد لا إرادياً "لا بأس و كلنا ننسى أحياناً ". وفي اللحظة التالية ، انتشر الجليد من يد إلسا إلى كتف أونا ، ليغلف جسدها بسرعة.
لم تكد تنطق "آ-آنسة إلسا- " حتى كان جسدها قد تجمد تماماً كتمثال جليدي.
في الصحراء كان ثمة طيف يندفع عبر الرمال الحارقة والغادرة ، مخلفاً وراءه غباراً كثيفاً. بدا ذلك الشيء كخيالٍ يتسارع بأكثر من سرعة الصاروخ ، يشق طريقه عبر الحقول الميتة القاحلة في ثوانٍ معدودة.
تمتم كايل والأمل يلمع في عينيه وهو يواصل الركض "لا يمكنني الاستسلام الآن ". لقد مرت ساعة منذ معركته المميتة مع دودة الصحراء المتطورة. حيث كان في طريقه إلى الكهف ، على بُعد 100 متر فقط من الموقع ؛ حاول المضي قدماً ، لكن جسده لم يعد يحتمل ، مما اضطره لأخذ قسط من الراحة.
"ماء.. أحتاج إلى الماء ". كان كايل يشتعل ظمأً ، وجسده يصرخ طالباً قطرة ماء. و لقد مرت قرابة ثلاث ساعات منذ آخر مرة شرب فيها أو تناول وجبة لائقة. وبصفته شيطاناً ، يمكنه البقاء لأيام دون طعام ، لكن الغريب أن الماء لم يكن له ذات التأثير.
بينما كان يحدق في الخريطة ، رأى أنه اقترب كثيراً من الكهف ، حيث لم تكن النقطة الخضراء التي تمثله تبعد سوى أمتار قليلة. أعاد الخريطة إلى جيبه واندفع للأمام ، مستنزفاً ما تبقى لديه من طاقة وقوة.
"ها هو ذا ". برقت عيناه بالإثارة والترقب عند رؤية الكهف أمامه. وبدون تفكير ثانٍ ، قفز قفزة كبيرة ليستقر عند مدخل الكهف.
دخل كايل الكهف على عجلة ، ولم يكلف نفسه عناء التحقق من وجود فخاخ أو مفاجآت غير متوقعة. وبإرشاد من الخريطة لم يمض وقت طويل حتى وصل إلى جسر خشبي صغير متهالك.
عبره ، ولم يكن بحاجة لتأكيد الخريطة ، فقد كان يسمع صوت خرير الماء بوضوح.
صرخ كايل ككلب أهلكه الظمأ وهو يعثر أخيراً على ضالته. انحنى وغمس رأسه بلهفة في البحيرة الصغيرة ذات المياه الزرقاء الصافية ، يجرعها بجشع. لو رآه أحد الآن لظن أنه إنسان بدائي أو وحش ضارٍ.
فكر كايل وهو يربت على بطنه بعدما ارتوى "آه.. كان ذلك مشبعاً ". تطلع حوله ليتبين معالم الكهف أخيراً ؛ كان مشابهاً للكهف الذي كان فيه مع فلاديمير ، تضاريس وعرة ، وأشواك مدببة تتدلى من الأعلى و تبعهث على القشعريرة. غير أن هذا الكهف كان هواؤه أكثر سخونة ، رغم برودة الماء.
نهض كايل وهو يهز رأسه "أمر غريب.. كأنهما بيئتان منفصلتان ". لاحظ أن ثمة خطباً ما في بركة المياه الصافية ، ولكن بما أن "النظام " لم يحذره من أي خطر لم يكترث. و لكن ما أثار فضوله حقاً كان شيئاً آخر.
تمتم كايل وهو يحدق في إشعار النظام الذي ظهر فجأة أمام ناظريه "هذا المكان.. إنه يفيض بكميات هائلة من الطاقة الشيطانية ".
[تنبيه! دخل المضيف منطقة تفيض بالطاقة الشيطانية.]