الفصل السابع عشر:
ليس ببعيدٍ عن مدخل المستوطنة كانت مجموعةٌ من النساء المشعثات ذوات المظهر المنذر بالسوء يدفنّ أنفسهن في الرمال ، وتتجه أبصارهن الجائعة والطامعة صوب المدخل. فكنّ يراقبنَ ويحبسن أنفاسهن بينما كان "زين " يبتعد بمركبته.
وما إن غاب عن أنظارهن حتى أشرن لبعضهن بالتحرك. و خرجن علناً نحو المستوطنة ، فبرقت عينا الحارسة بالذعر ، وهمّت بإطلاق صافرة الإنذار ، لكن رأسها المقطوع هوى عن عنقها ، وعيناها مفتوحتان على اتساعٍ من الصدمة. رأت الأخرى هذا المشهد فاعتراها خوفٌ جمد أوصالها "أرجوكِ... دعي... " كانت تلك كلماتها الأخيرة قبل أن يُفصل جسدها من عند الخصر. تسرّبت دماؤهن إلى التربة ، وجفت دون أن تترك أثراً.
كانت المرأة الضخمة تمشي نحو المدخل وهي تصفّر فرحاً بالمكافأة التي تنتظرها ، لكن تصفيرها توقف ببطء حين واجهت مجموعة النساء المتعطشات للدماء ؛ وبمجرد رؤية عيونهن الزرقاء ، سرى صقيعٌ في أوصالها. "آكلات لحوم البشر " صرخ عقلها بهذه الكلمات في ذعرٍ مميت ، وتجمد جسدها بالكامل. "لا.. لا.. " تراجعت للخلف وهي تحاول الهرب وطلب النجدة ، لكنها لاقت حتفها بطعنةٍ في الحلق بسكينٍ عظمي.
"اربطوا جثثهن ، واحرصن على سلامتها ، فلحومهن ثمينة. يا 'دارك ' ، ويا 'كيل ' ، خذا 'ذات الشعر الأحمر ' ، فقد أكدت مُنعمتنا أنها لا ترغب برؤيتها إلا حيةً تُرزق. و انطلقتا! " هكذا أصدرت زعيمتهن الأوامر للعملاقتين في مجموعتهن ، فأومأتا برأسيهما وانطلقتا في اتجاهٍ آخر.
"اقتلنَ من شئتن ، ولكن أبقينَ الرجال أحياءً ليتسنى لهم التكاثر من أجلنا " كان سكان المستوطنة يُعاملون كقطيعٍ من الماشية يُربى ليكون طعاماً. تفرقن في الأرجاء.
"آه... "
"أرجوكِ... "
"لا... "
ملأت صرخات الرعب الممزوجة بالألم أصداء المكان ، واختلطت أصوات تمزيق اللحم برائحة النحاس المنبعثة من الدماء التي ملأت الأثير.
جلست "سيرا " منتصبةً ، فقد تملكها شعورٌ بالارتباك ، وشعرت بضيقٍ دون سببٍ واضح ، ولم تدرِ كنهه ؛ فجالت داخل الخيمة عاجزةً عن الهدوء. سمعت وقع أقدامٍ ثقيلة فعلمت أنه ليس "زين " ؛ فـ "زين " يتحرك كطيفٍ لا يُسمع له ركاز.
اقتربت من المدخل ، ورمقت بصرها من خلال الشق المفتوح ، فرأت امرأتين عدوانيتين تشقان خيمة "زين " ؛ حينها انقبض قلبها. أحست بشعورٍ غريبٍ لزجٍ باردٍ تجاههما ، ورفضهما جسدها غريزياً حتى تقشعر بدنه.
لاحظتها إحداهما ونبّهت رفيقتها ، ثم اتجهت نحو خيمتها. تراجعت "سيرا " إلى الوراء مذعورةً ، تغرس أسنانها في شفتيها من الخوف والعجز ، والعرق يتصبب على ذقنها.
ما العمل ؟ هؤلاء الناس خطرٌ داهم. برقت عيناها وهي تنظر إلى جدران الخيمة المغلقة ، ومزقتها محاولةً خلق مخرجٍ آخر ، ولكن فات الأوان ؛ فقد مُزق مدخل الخيمة. دخلت المرأة التي تُدعى "دارك " أولاً ، وابتسمت لـ "سيرا " ابتسامةً شيطانية.
"هيهيهي... يا له من لحمٍ فاخر ، وإن كان جسدكِ نحيلاً... لكننا سنجبر الضرر ، فلسنا ننتقي الطعام. " نظرت إلى "سيرا " وكأنها تختار قطعةً من لحم الأنعام لتلتهمها. تجمدت الدماء في عروق "سيرا " حين سمعت تلك الكلمات.
قالت "سيرا " بابتسامةٍ متوترةٍ بدت كأنها بكاءٌ مرير "أنا لست لذيذة ، لحمي مسموم " كانت تغرس أظافرها في جسدها لتمنع نفسها من نوبة هلعٍ قد تزيد وضعها سوءاً.
"هاها... " انطلقت ضحكة "دارك " القاسية ، وسارت نحو "سيرا " دون حذر ، إذ لم تشعر بالحاجة لأن تكون حذرة.
رأت "سيرا " اقترابها فتراجعت للخلف ، وقلبها يقرع كالطبول ، وظهرها ملتصقٌ بجدار الخيمة ، وومض في ذهنها مشهد يدها الملطخة بالدماء. زفرت بعمق ، وقد وجدت صعوبةً في التنفس.
"ابتعدي... " هي لا ترغب في القتل ، لكن المرأة اقتربت أكثر ، وسخرت حين رأت حالتها المثيرة للشفقة.
"يا 'دارك ' ، كفي عن العبث بالفريسة ، فالوقت يداهمنا " صرخت "كيل " من الخارج تحثها على الإسراع ، فهما لا ترغبان في لقاء "الشيطان ذي الشعر الأبيض " (زين).
جاء الرد من "دارك " بنبرةٍ واثقة "دقيقةٌ واحدة " ثم رفعت سكينهما العظمي لتطعن "سيرا " لكنها لم تستطع إنزال الشفرة. أُسقط في يدها حين رأت يد "سيرا " الملطخة بالدماء وهي تمسك السكين بقوة.
قالت "سيرا " بنبرةٍ خاليةٍ من المشاعر ، وعيناها تحدقان في فراغٍ موحش "إنها تؤلم! " ثم ابتسمت ، وبيدها الأخرى قبضت على عنق خصمتها.